ديميتار بيشيف
يونيو 05 2018

لماذا لايزال مسلسل الشد والجذب التركي الروسي بشأن الغاز مستمرا؟

يبدو أننا سنشهد كل أسبوع إعلانا هاما يتعلق بتجارة الطاقة بين روسيا وتركيا، فقد أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان موافقة شركة غازبروم الروسية على منح شركة أنابيب النفط والغاز الوطنية التركية (بوتاش) خصما نسبته 10.25 في المئة على الغاز الطبيعي الذي تشتريه أنقرة من موسكو من خلال خط أنابيب الغاز العابر لمنطقة البلقان.

في المقابل، أعطت أنقرة الضوء الأخضر لمشروع بناء المقطع البري من مشروع خط أنابيب (السيل التركي 2) الذي من المقرر أن يمتد تحت البحر الأسود. ويهدف المشروع إلى بناء أنبوب ثاني يحمل الغاز الروسي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن وصل الأنبوب الأول من المشروع والمخصص للسوق التركية إلى شواطئ بلاد الأناضول بالفعل.

وإذا تم الانتهاء من هذا المشروع في الموعد المحدد له، فقد يبدأ الأنبوب بتزويد المستهلكين الأوروبيين بالغاز الروسي بحلول عام 2020. وبذلك، سيكون لروسيا، بفضل قنطرة العبور التركية، مسار بديل يمكن أن يحل محل خط الأنابيب الذي يمر عبر أوكرانيا، وذلك على غرار خط أنابيب (السيل الشمالي 2) الذي يجري إنشاؤه حاليا مع ألمانيا.

وينهي هذا الاتفاق حلقة محورية من مسلسل طويل من الشد والجذب بين أنقرة وموسكو، فمنذ أن كشف الرئيس فلاديمير بوتين النقاب عن خطة تشييد (السيل التركي) خلال زيارة لتركيا في ديسمبر 2014، وهو إعلان شكل وقتها مفاجأة للعديد من الأطراف من بينها شركة غازبروم نفسها، سعت أنقرة لانتزاع تخفيضات في سعر وارادتها من الغاز الروسي.

وطلبت شركة بوتاش تخفيضا نسبته 15 في المئة قبل أن ترتضي بتخفيض نسبته 10.25 في المئة. ولكن بعد ذلك، وتحديدا في خريف عام 2015، دخلت الشركة التركية في نزاع مع غازبروم بعد أن أصر الجانب الروسي على عدم تفعيل نسبة الخصم إلا بعد حصول مشروع (السيل التركي) على موافقة السلطات التركية، في حين قالت بوتاش إن المسألتين منفصلتان وشرعت في إقامة دعوى تحكيم ضد غازبروم في أكتوبر 2015.

ومع ذلك، منح الروس نفس الخصم للعديد من الشركات التركية الخاصة العاملة في استيراد الغاز (إنريكو إنيرجي وبوسفور غاز وأوراسيا غاز وشيل وباتي هاتي وكيبار إنيرجي). ولكن بعد أن توترت العلاقات بين موسكو وأنقرة بشأن سوريا، تم إلغاء هذا القرار.

وفيما شكل الاتفاق الحكومي بين الجانبين بشأن مشروع (السيل التركي) - والذي وقع على هامش حضور بوتين لمؤتمر الطاقة العالمي في إسطنبول بعدها بعام (كانت هذه الزيارة الأولى للرئيس الروسي لتركيا بعد التصالح مع أردوغان) - فرصة لكسر الجمود، استمرت المفاوضات بوتيرة بطيئة لمدة عام ونصف العام.

وعلى الرغم من أن الاتفاق يبدو ظاهريا مربحا للطرفين، كانت تركيا الفائز الأكبر من الصفقة، لدرجة أن أردوغان استغل نجاح حكومته في إبرام هذه الاتفاقية لتحقيق مكاسب انتخابية لنفسه. وفي تجمع انتخابي في أرضروم، أخبر الرئيس التركي أنصاره أن مدفوعات بقيمة مليار دولار ستسدد لتركيا كقيمة إجمالية لنسبة الخصم التي تم الاتفاق عليها بأثر رجعي خلال عامي 2015 و2016، وهو ما كان موضع ترحيب كبير في تركيا نظرا للعبء الكبير الذي تشكله تكلفة الطاقة في البلاد.

وكانت أسعار النفط قد تعافت بعد أن وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية في شهر يوليو من عام 2017، وتم ربط سعر الغاز بسعر النفط، وفي غضون ذلك، انخفضت قيمة الليرة التركية بوتيرة متسارعة أمام الدولار الذي تستخدمه تركيا لسداد ثمن وارداتها من المحروقات. وتسببت التكلفة المتزايدة لإمدادات الطاقة في دفع التضخم للصعود أكثر وأكثر. وفوق ذلك كلّه، ارتفع الطلب في تركيا على الغاز الروسي على خلفية النمو القوي للاقتصاد الوطني، حتى وصل حجم الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي إلى تركيا إلى 29 مليار متر مكعب في عام 2017، وهو رقم قياسي.

بعبارة أخرى، مدت روسيا يد العون لأردوغان في الوقت الذي كانت الحكومة التركية تحتاج فيه إلى العمل من أجل خفض تكلفة إمداداتها من الطاقة في إطار استراتيجية شاملة للحد من التضخم واستعادة الاستقرار. 

لكن في الوقت ذاته، تدرك روسيا أن المكاسب التي ستجنيها من وراء هذه الصفقة لن تتحقق سوى على المدى الطويل، إذ لا تزال احتمالات مد خط (السيل التركي) في أراضي الاتحاد الأوروبي غير واضحة المعالم إلى حد بعيد، كما لا يزال النزاع مع التكتل الأوروبي فيما يتعلق بآلية تنفيذ ما يسمى "بحزمة الطاقة الثالثة" قائما ولا حل له يلوح في الأفق.

وستحتاج غازبروم كذلك إلى التوصل إلى تسوية مع المفوضية الأوروبية بشأن قواعد مكافحة الاحتكار التي تنص على منح منافسيها إمكانية استخدام البنية التحتية لمرافق نقل الغاز، لكن هناك إشارات على ميل شركة الغاز الروسية لأخذ موقف أكثر تساهلا في المفاوضات. ففي الأسبوع الماضي، توصلت الشركة أخيرا إلى تسوية مع بروكسل بشأن دعوى قضائية تعود إلى فترة طويلة بشأن الممارسات التجارية غير العادلة.

ومما لا شك فيه أن حكومات الاتحاد الأوروبي، من جهتها، تحاول التودد إلى الروس بطريقتها. فعلى سبيل المثال، دافعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بنفسها عن مشروع (السيل الشمالي 2)، كما أسفرت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سان بطرسبرج عن صفقة غاز بقيمة 2 مليار يورو لصالح شركة توتال الفرنسية. ومن المقرر أيضا أن يتوجه رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف إلى موسكو في 30 يونيو لإجراء محادثات مع بوتين لطرح مسألة ربط (السيل التركي 2) بـ "مركز غاز البلقان"، وهو مشروع يتبناه رئيس الوزراء البلغاري بكل قوة. لكن لا يزال من السابق لأوانه التكهن بما إذا كانت إقامة أنبوب لنقل الغاز عبر جنوب شرق أوروبا فكرة قابلة للتطبيق ومجدية اقتصاديا.

ويأتي كل هذا في الوقت الذي تتعهد فيه غازبروم بأنها ستكمل تشييد الجزء الممتد من (السيل التركي 2) تحت البحر بنهاية هذا العام، والوفاء بهذا التعهد لن يكون بالأمر اليسير.

على الجانب الآخر، لا يقوض الاتفاق مع روسيا طموحات تركيا نحو تنويع وارداتها من الغاز. وفي شهر يونيو القادم، سيدخل خط أنابيب الغاز العابر للأناضول حيز التشغيل، وهو ما يعني تلقي تركيا كميات إضافية من الغاز من أذربيجان. وبمجرد ربط هذا الأنبوب بخط أنابيب الغاز العابر للبحر الأدرياتيكي الذي يجري العمل فيه حاليا، سيتم تدشين ما يسمى بـ "ممر الغاز الجنوبي" الذي يربط بحر قزوين الغني بالنفط والغاز بالأسواق الأوروبية.

كما خصصت تركيا استثمارات ضخمة لتعزيز سعتها التخزينية وبناء المرافق اللازمة لتسييل الغاز الطبيعي، وأصدرت الحكومة كذلك تكليفا ببناء وحدة عائمة لتخزين وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى حالته الغازية قبالة شواطئ هاتاي. وستُمكن هذه البنية التحتية تركيا من استيراد الغاز من البلدان الموردة التقليدية، مثل الجزائر ونيجيريا، بالإضافة إلى موردين جدد مثل قطر، وهي حليف قوي لتركيا في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من نمو مبيعات غازبروم من الغاز بالقيمة المطلقة في عام 2017، تقلصت حصة الغاز الروسي في السوق التركي بنسبة 1.1 في المئة خلال نفس الفترة. ويأتي ذلك في وقت يدعو فيه الخبراء ورجال الأعمال في تركيا إلى الاستفادة من إمكاناتها الهائلة في مجال الطاقة المتجددة، والتي، بالتالي، قد تقلل من دور الغاز في تركيا. وينطبق الأمر ذاته على الطاقة النووية حيث من المقرر أن تدخل الوحدة الأولى لمحطة أكويو للطاقة النووية حيز التشغيل في عام 2023.

باختصار، تشكل الطاقة رافدا مهما لتوطيد الروابط بين روسيا وتركيا، لكن العلاقة بين البلدين ليست خالية من المشاكل. وبالتالي، ليس أمام تركيا سوى أن تتبع استراتيجية ذات شقين: العمل على استمرار التعاون مع موسكو بالتوازي مع البحث عن بدائل طويلة الأجل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: