لماذا لا تستطيع تركيا إعادة تشكيل اقتصادها؟

أكد اجتماع لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي التركي في الخامس والعشرين من أبريل مرة أخرى كيف فقدت الحكومة التركية اتصالها بالواقع الاقتصادي.
أشار البنك المركزي الأسبوع الماضي لسبب غير مفهوم إلى المستثمرين أنه قد يخفض أسعار الفائدة قريباً عن طريق إسقاط تعهد أساسي في قراره بشأن سعر الفائدة.
وفي حين أبقى على أسعار الفائدة عند مستوى 24 في المئة، فقد تجاهل البنك إشارة في بيانه المصاحب بأنه على استعداد لتشديد السياسة النقدية إذا لزم الأمر.
إن قرار يوم الخميس مزعج للغاية لأن معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا يبلغ 20 في المئة تقريباً - وهو أعلى بأربعة أضعاف من هدف البنك المركزي - وفقد البنك في الآونة الأخيرة 20 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية.
كما لو أن هذا لم يكن كافياً، فقد تحلى المستثمرون أيضاً بالحذر الشديد من قيام البنوك التي تديرها الدولة بتنفيذ تدخلات سرية في سوق الصرف الأجنبي باستخدام احتياطيات البنك المركزي. لقد انزعجوا أيضاً من التدخل في سوق المقايضة قبل الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس، والتي عاقبتهم بأسعار فائدة من أربعة أرقام من أجل الحفاظ على توازن الليرة.
كان يمكن أن يكون اجتماع لجنة السياسة النقدية حدثاً غير مناسب للمستثمرين. ولكن سواء كان حذف التعهد المنتظم بتشديد السياسة النقدية إذا لزم الأمر من بيانه خطأ نتيجة الإهمال أو تغييراً مقصوداً، فقد أدى إلى نتائج عكسية وأثر على الليرة التركية.
وقد انخفضت الليرة إلى 5.96 مقابل الدولار، لتصل إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، وانخفضت الليرة حوالي 11 في المئة هذا العام، إضافة إلى خسائر قدرها 28 في المئة في عام 2018. من الواضح أن قرار البنك المركزي يزيد ضعف الليرة ويفرض المزيد من الضغوط على التضخم. كما أنه يأتي في مواجهة زيادة الدعوات من المستثمرين لرفع سعر الفائدة، وليس خفضها.
يأتي افتقار البنك المركزي للعقلانية في إطار سلسلة متكررة من القرارات السيئة التي تعكس سياسة ومنطق المستشارين الاقتصاديين المقربين للرئيس رجب طيب أردوغان.
في حين أن البرنامج الاقتصادي الجديد لوزير المالية والخزانة بيرات البيرق قد لاقى إشادة على نجاحه في وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة، إلا أن المستثمرين الأجانب انتقدوه بشدة في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي هذا الشهر. لم تذكر صفحات الباوربوينت التي قدمها البيرق أي شيء يذكر عن نقاط القوة عن جوهر أي شيء، بصرف النظر عن وضع خطة عاجلة لإعادة رسملة البنوك التي تديرها الدولة. ومما لا يثير الدهشة، أن البرنامج تعرض لانتقاد المستثمرين الذين حضروا اجتماعاً نظمته مؤسسة جي بي مورغان على هامش الاجتماعات في واشنطن.
وعلى رأس هذه السلسلة المؤسفة من الأحداث والقرارات، حذر صندوق النقد الدولي وحذرت وكالات التصنيف الائتماني الحكومة من تدهور حالة المالية العامة، وهي آخر قلعة باقية من الاستقرار الاقتصادي والمالي في تركيا. وكما هو متوقع، بدأ المستثمرون في بيع أصولهم التركية ببطء ولكن على نحو مطرد.
لسوء الحظ كانت أزمة العملة في العام الماضي متجذرة في اختلالات الاقتصاد الكلي بسبب رغبة الحكومة في نمو اقتصادي قوي بأي ثمن. ومع ذلك، كان المستثمرون يأملون في أن يتبع برنامج إصلاح سليم الاضطراب الذي بلغ ذروته في شهر أغسطس، لا سيما بعد انتهاء الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس.
لم يخيب البيرق أمل المستثمرين فحسب بأدائه كوزير شاب طموح للاقتصاد، ولكنه خيب أيضاً أمل أولئك الذين كانوا يأملون في أن يصبح قيصر الاقتصاد الجديد في البلاد وأن يستخدم، بصفته صهر أردوغان، علاقاته الشخصية لدفع الإجراءات التي تشتد الحاجة إليها.
علاوة على ذلك، فإن الغموض الذي أعقب نتائج الانتخابات المحلية المتنازع عليها في الحادي والثلاثين من مارس يؤثر سلباً على معنويات السوق. فقد تعرض أردوغان وحزبه، الذي يخضع لسيطرته بإحكام، لصدمة بفعل خسارة المدن الكبرى. منذ ذلك الحين، تكشفت مسرحية سياسية لأن أردوغان وحزب العدالة والتنمية واجها صعوبة في استيعاب النتيجة ويريدان إعادة الانتخابات في إسطنبول. هذا لا يؤدي إلا إلى طمس التوقعات للمستثمرين أكثر.
ينبغي احترام نتائج الانتخابات وإلا فإن ذلك سيعرقل قدرة تركيا على المضي قدماً وسيعيد أخطاء السياسة في الماضي.
ترجع أسباب مثل هذه الاختيارات والمناهج والمفاهيم الوهمية المذكورة أعلاه، جزئياً على الأقل إلى نظام أردوغان الرئاسي ورؤيته لما يسمى "بتركيا الجديدة". المخطط التنظيمي لرئاسته، الذي تمتع بسلطة كبيرة في الانتخابات التي جرت في يونيو الماضي، يكشف الكثير.

رسم توضيحي

يقع القصر الرئاسي في قلب النظام السياسي والإداري والاقتصادي الجديد في تركيا. شبكة الوزارات والعديد من مجالس السياسات والمكاتب المنشأة بموجب النظام الرئاسي لا تروي سوى قصة واحدة. هذه المؤسسات ليس لها روابط بين بعضها البعض وليس لديها طرق اتصال رسمية. حتى الرئيس، أياً كان شخصه، معزول عن المعلومات على الرغم من أنه يتمتع بسلطة أكبر على النظام.
هذا التصميم، أو بالأحرى فشل هذا التصميم، يمنع بالطبع تدفق المعلومات عبر النظام. يبدو أن هذا، من الناحية العملية، أنشأ السياسات الوهمية التي نراها اليوم. كما أنشأ إطاراً للسياسة من أعلى إلى أسفل يواجه حالة من عدم الارتياح خلال التحول الاجتماعي والاقتصادي لتركيا التي يقطنها 82 مليون نسمة، نحو 40 في المئة منهم تتراوح أعمارهم ما بين 15 و40 عاماً.
وعلى الرغم من المشكلات الاقتصادية المتزايدة في تركيا، وعلى الرغم من الرسالة الواضحة من الناخبين بأن ثمة شيئاً ما يحدث بشكل خاطئ (حتى في أعين أنصار حزب العدالة والتنمية)، فإن شرايين التواصل تبدو مشلولة. في الواقع، يبدو أنها غائبة تماماً.
لذلك قبل أن يتناول المرء الاحتياجات الاقتصادية المستقبلية لتركيا وبالتالي الإصلاحات الضرورية اليوم، من الأفضل أولاً التفكير في النظام الرئاسي المختل في تركيا. هذا قد يوفر المفتاح الذي نبحث عنه جميعاً.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/why-cant-turkey-reshape-its-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.