جلدم أتاباي شانلي

لماذا لا يشعر الأتراك بزيادة في أموالهم رغم نمو الاقتصاد

حذر رئيس واحدة من أنجح وكالات استطلاع الرأي في تركيا من أنه إن لم تتحسن الظروف الاقتصادية التركية، فإن التأييد لحزب العدالة والتنمية الحاكم سيتراجع إلى أقل من 40 بالمئة في الانتخابات المحلية القادمة في 2019.
وجه مراد ساري رئيس شركة "كونسينساس" هذا التحذير في مقابلة عقب ظهور أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها الشركة، وأظهرت أن نسبة كبيرة من المشاركين فيه وتبلغ 65 بالمئة يصفون العام الماضي بأنه "سيئ" وأن 80 في المئة يقولون إنهم يواجهون متاعب اقتصادية.
لكن الاستطلاع أظهر أن 51 في المئة من نفس المجموعة يتوقعون تحسن الظروف في 2018.
وخلص ساري إلى أنه إن لم يشهد 2018 إنجاز التوقعات الاقتصادية فإن الناخبين سيعاقبون الحزب الحاكم على ذلك في الانتخابات المقبلة المقررة في مارس 2019.
لكن انتظر...ألم يسجل الاقتصاد التركي نموا للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11 في المئة في الربع الثالث من 2017. أليس يستعد للوصول لنسبة مدهشة هي سبعة في المئة عن عام 2017 برمته؟ فكيف يواجه 80 في المئة من السكان "مصاعب اقتصادية" في ظل اقتصاد تفخر الحكومة القائمة عليه بالإعلان عن أعلى معدل نمو في العالم؟.
ساري ليس وحده الذي يشير إلى هذه الملاحظات التي تثير قلق الحكومة.
واجهت تركيا موقفا مشابها في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2009 عندما هوت نسبة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية إلى 38.6 في المئة. وأعتبر ذلك وقتها عقابا للحكومة على بطء تحركها في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي أثرت على تركيا بانكماش الناتج المحلي بنسبة في خانة العشرات في الربع الأول من 2009.
بعد ذلك، وفي ظل تدفقات نقدية عالمية هائلة ساعدت الحكومة في جبهة الناتج المحلي الإجمالي، وتقليص تضخم أسعار المستهلك لمستوى قياسي في خانة الآحاد في ظل قوة الليرة، نجحت الحكومة في زيادة حصتها من الأصوات إلى 46 في المئة في الجولة التالية من الانتخابات المحلية.

مخطط
مخطط

آراء شركة كونسينساس قيمة ليس فقط لأنها شركة استطلاعات لها مصداقية، لكن أيضا لأنها تذكرنا مجددا بحالة الاقتصاد التركي المثيرة للاستغراب التي تفسر بأحد احتمالين؛ إما أنه يوجد خطأ في أرقام النمو أو أن النمو التركي ليس جيدا بما يكفي للشعب التركي لسبب ما رغم تسجيله رقما قياسيا على المستوى العالمي. 
معالجة النمو ستكون بداية سهلة. ويقول خبراء الرياضيات والنمو إنه لا يمكن التعويل على الإحصاءات الأخيرة للناتج المحلي الإجمالي.
وراجعت تركيا أرقام الناتج المحلي الإجمالي في ديسمبر 2016 وعززت أدائها الاقتصادي بقوة. ويعود بدء المراجعات إلى عام 2009 وما بعده في ظل اختلال هيكلي في الفترات الزمنية عن الماضي. وعلاوة على ذلك، وفي مسعى للوفاء بمعايير الاتحاد الأوروبي، تم تطبيق أساليب جديدة للحساب وجمع البيانات.
وبعد المراجعة، أصبح الناتج المحلي الإجمالي الجديد أعلى 20 في المئة من القراءات القديمة للعام 2015، وبات الرقم للفترة من 2009 وحتى 2015 أعلى 1.8 نقطة مئوية لكل عام عن الأرقام السابقة المعلنة.
التباين في النمو عن معدلات الاستهلاك والاستثمارات ملفت للانتباه حيث أن النمو المرتفع في الاستثمارات مدفوع بقطاع الإنشاءات بدرجة كبيرة. ومن الأرقام الأخرى غير العادية معدل الادخار الذي جرى تعديله إلى 24.8 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2015 مقارنة بنسبة 15 في المئة قبل المراجعة.
أظهر البروفيسور إريك مايرسون الأستاذ بكلية الاقتصاد في ستوكهولم كيف تبدو بيانات الناتج المحلي الإجمالي الجديدة غير متجانسة مع مؤشرات اقتصادية رئيسية أخرى. وقد استخدم ثمانية متغيرات تعبر بشكل جيد عن الناتج المحلي الإجمالي التركي في الفترة بين 2004 و 2009 وهي: مؤشر الإنتاج الصناعي واستهلاك الطاقة وانبعاثات ثاني اكسيد الكربون وحركة البضائع والركاب والقروض البنكية وتراخيص البناء.

مخطط معلوماتي

أظهرت نتائج مايرسون كيف كان نمو الناتج المحلي الإجمالي التركي، وفقا للنتائج المراجعة، أعلى بشكل صارخ مما تشير إليه المتغيرات سالفة الذكر عن الفترة بين 2010 و2015.
وقال الاقتصادي التركي المخضرم كوركوت بوراتاف أنه بدلا من بناء إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي من مسوحات عن الإنتاج فإن الأرقام المراجعة تعتمد على سجلات محاسبة بيروقراطية لوزارات المالية والداخلية وهيئة مراقبة وتنظيم الأعمال المصرفية ومنها إيرادات الضرائب.
ونبه بوراتاف أيضا إلى أن إحصاءات الوظائف التي كانت مرتبطة مباشرة بمستوى ونمو الناتج المحلي تبدو الآن منفصلة تماما عن هذه الأرقام.
كل هذه التعليقات الجديرة بالاهتمام تثير تساؤلات عن الأسلوب الجديد لحساب الناتج المحلي الإجمالي في تركيا الذي يضع النمو في الربع الثالث من 2017 عند 11 في المئة وعند 7 في المئة عن العام برمته.
ولهذا لا عجب في نتائج استطلاع كونسينساس الذي أظهر أن 80 في المئة من السكان يواجهون متاعب اقتصادية رغم أداء الاقتصاد التركي العالي "بناء على معايير القياس الجديدة".
وحتى مع بقاء العوامل الأخرى على حالها، وبافتراض أن أرقام الناتج المحلي الإجمالي صحيحة بعض الشيء وأنها تستوعب بطريقة جيدة المتغيرات التي شهدها الاقتصاد التركي عقب التراجع في 2001، نظل نحتاج لشرح لنتائج شركة كونسينساس. لماذا يشعر الشعب التركي بضغوط اقتصادية رغم ارتفاع النمو إلى رقم في خانة العشرات؟.

هل التضخم هو السبب؟.
ربما أصبح النمو أمرا هامشيا بالنسبة للشعب التركي المضغوط بشدة من تراجع القوة الشرائية في ظل ارتفاع معدل التضخم وهو ما تسبب في تراجع التوقعات.
هل هذا هو الوقت المناسب أمام حكومة حزب العدالة والتنمية لتدرك مدى خطورة الآثار الجانبية لارتفاع التضخم في تركيا. كيف يقضي التضخم المرتفع على جهود الحزب لتعزيز النمو رغم الأداء القوي للنمو إن كان ينبغي للمرء تصديق سلامة الأرقام الجديدة للناتج المحلي الإجمالي؟ وكيف تظل جهود تسجيل معدلات نمو مرتفعة دائما أمرا هامشيا كما أنها تتسبب في ارتفاع التضخم في ظل الظروف الحالية؟.

مخطط
مخطط

وفي حال صحة أبحاث شركة كونسينساس، فإن الانتخابات المحلية المقبلة ستكشف بالتأكيد عن نقاش ساخن في تركيا. هل النمو المرتفع بمفرده يعالج كل المشكلات التي يراها حزب العدالة والتنمية؟ أم سيكون من الأفضل السعي إلى خفض التضخم الذي يمكن أن يصحبه معدل نمو أقل حتى يشعر الناس بالأمان في الاستثمار والإنفاق والتخطيط للمستقبل.
ولأن مسار الاقتصاد يؤثر بلا شك في نتائج الانتخابات، فإن أداء حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة سيكشف لنا الكثير عن مدى نجاح الحكومة في إدارة اقتصاد تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا: