لماذا يُعدّ "الشعوب الديمقراطي" حزباً محورياً بالانتخابات التركية؟

بينما لا تزال هناك فترة وجيزة للغاية على موعد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية في 24 يونيو الجاري، نجد أن الأجواء الانتخابية اشتعلت بشكل كبير للغاية. وفي هذه الأجواء بات حزب الشعوب الديمقراطي، الحزبَ الأكثر محورية كما كان حاله في آخر استحقاقين انتخابيين شهدتهما البلاد.
فحزب الشعوب الديمقراطي كان سببًا في خسارة حزب العدالة والتنمية الذي يدير البلاد منذ 16 عامًا، حينما عجز كحزب حاكم عن تحقيق الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية التي شهدتها تركيا في 7 يونيو 2015. فحزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات التي نتحدث عنها حصل على 40.7 في المئة من أصوات الناخبين المشاركين في العملية الانتخابية، ومثله 258 نائبًا في البرلمان.
وكما تعلمون فإن السياسة الكردية اقتحمت الأروقة السياسية في تركيا من خلال حزب الشعوب الديمقراطي الذي نجح في دخول البرلمان بثمانين نائبًا بعد حصوله على 13 في المئة من أصوات الناخبين في أول استحقاق انتخابي يخوضه. ولقد ترتب على ذلك مشهد عام جديد في البلاد جعل حزب العدالة والتنمية عاجزًا عن تشكيل الحكومة منفردًا لأول مرة منذ وصوله للحكم. وبعد دخول ذلك الحزب في سلسلة من المفاوضات مع الأحزاب السياسية الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية، لم ينجح في الحصول على نتيجة، ما اضطره للدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة أُجريت في مطلع نوفمبر 2015، وفي هذه المرة حصل على 49 في المئة من أصوات الناخبين، وارتفع عدد نوابه إلى 317 نائبًا مثلوه في البرلمان.
وكعادته يعتبر حزب الشعوب الديمقراطي حزبًا محوريًا في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في 24 يونيو الجاري. وثمة أسئلة مطروحة حول هذا الأمر، من بينها "ما هي العوامل التي تجعل من ذلك الحزب كيانًأ محوريًا في تلك الانتخابات؟"، و"كيف لتحدي العتبة الانتخابية الذي ينتظره أن يغير من المشهد العام للبرلمان التركي؟". لا شك أن الإجابة على هذين السؤالين، تكمن في الشكل العام لتوزيع البرلمان.
كما تعلمون أنه بموجب التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها في شهر أبريل من العام الماضي، ارتفع عدد نواب البرلمان التركي من 550 إلى 600 نائبًا. وبما أن هذا الرقم الجديد لعدد النواب سيؤثر حتمًا على توزيع البرلمان بشكل عام، فإنه في ذات الوقت يعزز من احتمال حصول المعارضة على أغلبية المجلس. ومن المعروف أيضًا أن حزبي الشعوب الديمقراطي، والعدالة والتنمية يعتبران حزبين رئيسين في بعض المناطق الانتخابية، وبالتالي فإنه في حال تجاوز الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية المطلوبة، فإن ذلك سيؤثر حتمًا وبشكل مباشر على خريطة توزيع الأحزاب على المناطق والدوائر الانتخابية المختلفة في البلاد.
فإذا نجح حزب الشعوب الديمقراطي في تجاوز العتبة الانتخابية، فسيكون له نواب في تلك المناطق التي نتحدث عنها. لكن في حالة عجزه عن ذلك، وحصل فقط على 67 نائبًا كما حدث في انتخابات نوفمبر 2015، فإن عدد نوابه وأصواته بالكامل سذهب لصالح حزب العدالة والتنمية. وفي هذه الحالة سيحق حتمًا للحزب الأخير أن يشكل الحكومة منفردًا.
وإذا حصلت المعارضة على 301 مقعدًا في البرلمان خلال الانتخابات المقبلة، سيكون من حقها أن تقول "أغلبية البرلمان بحوزتنا، فامنحونا رئاسة الجمهورية من أجل الاستقرار". كما سيصبح من حق المعارضة في هذه الحالة أيضًا، إلغاء حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ نحو العامين، وعرقلة صدور المراسيم بقانون، بل سيكون من حقها صلاحية تعديل القوانين المختلفة بحسب الحاجة إلى ذلك. ومن ثم فإنه حتى يتسنى للمعارضة الحصول على هذه الحقوق، فإنه يتعين على الأحزاب المعارضة في البلاد أن تعمل كل ما في وسعها من أجل مساعدة حزب الشعوب الديمقراطي (الحزب المحوري) على تجاوز نسبة العتبة الانتخابية التي تقدر بـ10 في المئة.
كما أن الحزب المذكور في حالة تجاوزه للعتبة الانتخابية وتمثيله في البرلمان، سيصبح بعد انتخابات 24 يونيو حزبًا محوريًا كذلك في البرلمان من أجل المساعدة في اتخاذ أية قرارات هامة أو عرقلة صدورها تحت قبل المجلس النيابي. فكما تعلمون ثمة تحالفان ضد بعضهما البعض، هما "تحالف الجمهور" بين العدالة والتنمية، والحركة القومية، و"تحالف الأمة" بين عدد من الأحزاب الأخرى في مقدمتها حزب الشعب الجمهوري زعيم المعارضة، وحزب "السعادة". وكل تحالف منهما سيكون بحاجة لمن يدعم قراراته في البرلمان.
وللحديث عن هذه التطورات التقى موقع "أحوال تركية"، الناطق باسم حزب الشعوب الديمقراطي، ونائبه عن ولاية "قارص"، أيهان بيلْغَن. وفي سياق تصريحاته التي أدلى بها متحدث الحزب، قال إن استطلاعات الرأي التي أجراها حزبه وبعض شركات سبر الآراء، أسفرت عن نتائج تشير إلى أن قدرة الحزب المذكور بشكل عام على تجاوز العتبة الانتخابية المقررة، احتمال ضعيف.

الناطق باسم حزب الشعوب الديمقراطي، ونائبه عن ولاية "قارص"، أيهان بيلْغَن.
الناطق باسم حزب الشعوب الديمقراطي، ونائبه عن ولاية "قارص"، أيهان بيلْغَن.

لكن المتحدث في الوقت ذاته شدد على ضرورة ألا يتسبب ذلك في حدوث حالة من التهاون داخل الشعوب الديمقراطي، مضيفًا "علينا أن نبذل قصارى جهودنا، ونخاطر بكل شيء حتى يتسنى لنا تحقيق النسبة التي لا تجعلنا أقل من العتبة الانتخابية المطلوبة لدخول البرلمان". وعن الأسباب التي جعلت هذا الحزب حزبًا مهمًا ومحوريًا في الانتخابات المقبلة، أضاف بيلغن قائلا:
"ثمة خطة تحاك من أجل الذهاب بتركيا إلى السياسة القائمة على مجرد حزبين فقط. وعلى هذا الأساس تم تشكيل تحالفين تعرفون جيدًا ماهية الأحزاب المشكلة لهما. وكما تعلمون أيضًا أن حزب الشعوب الديمقراطي تم إقصاؤه خارج التحالفين المذكورين. ورغم هذا فإن هذا الإقصاء قدم للشعوب الديمقراطي فرصة أن يكون هو الحزب الذي سيكون له دور كبير في توجيه بوصلة الانتخابات المقبلة، أي أنه سيكون الحزب المحوري الذي بناء على مواقفه وأحواله سيتغير كل شيء.
والأصوات التي ستمنح للتحالفات المذكورة ستعود بالنفع على الأحزاب المكونة لها، لكن حزب الشعوب الديمقراطي لن يستفيد بشيء منها. وهذا يعني أن خطر الفشل في تجاوز العتبة الانتخابية سيحوم حول حزبنا فقط دون غيره من الأحزاب الأخرى. ولا شك أن التغيرات الإقليمية، وليست الرياضية فحسب، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أهمية الشعوب الديمقراطي".
بيلغن في ذات السياق ذكر كذلك أن هناك سببين يظهران أهمية تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي للعتبة الانتخابية، "أولهما أن ذلك سيمهد الطريق لحصول المعارضة على الأغلبية في البرلمان، ما يترتب عليه أن يكون المجلس أكثر حيوية من الناحية العملية. كما أن ذلك سيجعل البرلمان يؤدي وظيفته الرقابية والتشريعية بشكل أكثر تأثيرًا، أيًا كان رئيس الجمهورية. أما السبب الثاني وهو الأهم، فهو أن أغلبية البرلمان هي التي ستحدد توجهات الناخبين في اختيار رئيس الجمهورية المقبل للبلاد إذا كتب للانتخابات الرئاسية جولة ثانية؛ وذلك لأن الأصوات في الجولة الثانية من تلك الانتخابات ستذهب للمرشح الذي سيكون حزبه صاحب السلطة والأغلبية في البرلمان".
وفي حديثنا مع متحدث الشعوب الديمقراطي، تطرقنا إلى التصريحات التي أدلى بها في وقت سابق، محمد أوجوم، كبير مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي قال فيها إنه في حالة حصول أحزاب المعارضة على أغلبية البرلمان في الانتخابات المقبلة، فإن النظام في البلاد سيتعطل، وأنه بناء على ذلك من الممكن إعادة الانتخابات مرة ثانية. وردًا على تلك التصريحات قال بيلغن "مثل هذه التصريحات تعتبر مقاربة بائسة لإرهاب الناخبين وتخويفهم، وكأنهم يقولون كعادة الأنظمة الديكتاتورية في كل مكان: (الاستقرار يتحقق بوجود أردوغان فقط، ومن بعده الفوضى)".
وردًا على احتمال إجراء انتخابات برلمانية مبكرة أخرى إذا عجز حزب العدالة والتنمية عن تشكيل الحكومة منفردًا بسبب احتمال حصوله على الأغلبية في البرلمان كما حدث في انتخابات 7 يونيو 2015،  قال بيلغن: "الأمر الذي سيحدد هذه المسألة هو مدى توافق المعارضة وانسجامها. فكما تعلمون أن السبب الرئيس في إعاة الانتخابات التشريعية عام 2015 لم يكن موقف أردوغان بمفرده، بل كان لحزب الحركة القومية دور كبير في هذا. وبالتالي فإن الوقوف في ظهر المعارضة، وكيفية التصرف بعد انتخابات 24 يونيو من خلال الوقوف بجانب البرلمان، أمران سيجعلان أردوغان عاجزًا عن فعل أي شيء. فهذا هو ما يسمى كما يقولون التغيير بواسطة الصناديق الانتخابية ولا شيء غيره".
وحول تصرف أردوغان إذا انتخب رئيسًا للجمهورية التركية في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وكانت أغلبية البرلمان في يد المعارضة، قال بيلغن: "في هذه الحالة إما أن يضطر لتحقيق مصالحة أو أن عددًا من المعارضة سيضطرون للبحث عن سبل للتعاون معه باسم السلطة".
وشدد بيلغن في السياق ذاته على أن أردوغان لن يكون بمقدوره أن يقوم مباشرة باستخدام صلاحياته والدعوة لإجراء انتخابات أخرى مبكرة. ولفت أنه بموجب المادة 106 من الدستور التركي، والتي تم تعديلها في الاستفتاء الدستوري الأخير، يمكن للبرلمان أن يجري تحقيقات بشأن أية جرائم محتملة ارتكبها نواب الرئيس والوزراء، وذلك بتأييد ثلاثة- أخماس الأصوات. 
وأوضح أنه بعد اكتمال التحقيقات، يمكن للبرلمان التصويت لتوجيه التهم لنواب الرئيس أو الوزراء بتأييد ثلثي الأصوات. وإذا وجد نائب الرئيس أو الوزير مذنباً، فإن المعنيَّ يزاح من منصبه في حال كانت جريمته من الجرائم التي تمنعه من الترشح للانتخابات.
وكما سبق وأن قلنا آنفًا، ذكر بيلغن أن بقاء حزب الشعوب الديمقراطي دون العتبة الانتخابية، يعني أن كل الأصوات التي حصل عليها ستذهب مباشرة لحزب العدالة والتنمية. وبالطبع فإن هذا سيؤدي بالبلاد حتمًا إلى أن تعيش مرحلة جديدة كلها آلام شبيهة بتلك التي عاشتها في السنوات الماضية منذ وصول الحزب الحاكم للسلطة في البلاد.
وتابع المتحدث قائلًا "لكن الأهم في خضم كل هذه، ماهية الجهة التي ستخطط لهذه المرحلة الانتقالية. فإذا استقر الأمر في ذلك على حزبي الحركة القومية والعدالة والتنمية، فهذا سيكون أمرًا سيئًا للغاية، وبقاء الشعوب الديمقراطي خارج أروقة البرلمان يعني استسلام تركيا للوضع الراهن والقائم حاليًا. بل ويعني أيضًا استمرار الفوضى التي تشهدها البلاد من أزمات اقتصادية، وسياسية، وغيرها من مشاكل إقليمة محيطة بنا من كل جانب".
وعن رسائل التخويف التي توجه للمعارضة إذا ما تم التصويت لحزب الشعوب الديمقراطي بشكل تضامني، قال بيلغن "قد يكون حزب الشعوب الديمقراطي هو ما يتم تجريمه حاليًا. لكن هذه العملية لا تستهدف الحزب بمفرده، بل الهدف منها أيضًا عرقلة الموقف الذي قد يتبناه الحزب في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية". وشدد المتحدث على ضرورة ألا تسمح المعارضة بحدوث ذلك.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/hdp-neden-kader-tayin-edici-pozisyonunda