Ergun Babahan
مارس 02 2019

ليت أردوغان اتجه للاستثمار في إنتاج النبيذ بدلًا من القنب

قبل سنوات إن لم تخني ذاكرتي، كنت أقرأ مقالة في صحيفة "نيويورك تايمز" كان الكاتب فيها يتحدث عن تطور المجتمعات الإنسانية، بداية من عصر الإمبراطورية الرومانية، وحتى اللحظة التي كتبَ فيها مقالته. وكان الكاتب يدافع فيما يكتب عن نظرية مفادها أن أفضل طريق ووسيلة لقياس مستوى الحضارة عند شعب أو مجتمع ما، هو النظر إلى مقدار ما يستهلكه ذلك الشعب وذلك المجتمع للقهوة والنبيذ.

ولا نخطئ حينما نقول إن هاتين المادتين المرتبطتين بالمزاج (في إشارة للقهوة والنبيذ)، باتتا تخضعان مع الوقت للسيطرة الأميركية؛ لدرجة أن مقاهي "ستاربكس" لديها المقدرة على مزاولة نشاطها في تركيا، والإبقاء على وجودها فيها غير عابئة بأية أزمات اقتصادية تمر بها البلاد. أما نبيذ ولاية كاليفورنيا فلا تخلو منه أية بقعة على ظهر البسيطة، شأنها في ذلك شأن قهوة "ستاربكس".

فلا شك أن النبيذ يعتبر مادة هامة من مواد التجارة العالمية. وبحسب معطيات نشرتها بوابتا "The Strategic " و"Statista" الإلكترونيتين، فإن المعدل الإجمالي لاستهلاك للنبيذ في كافة أنحاء العالم وصل إلى 243 مليون هيكتولتر (الهيكتولتر يساوي 100 لتر).

وتأتي الولايات المتحدة الأميركية في مقدمة دول العالم من حيث استهلاك النبيذ بإجمالي استهلاك يبلغ 32.6 مليون هيكتولتر، وفيما يلي يمكننا استعراض المراكز العشر الأولى من حيث الاستهلاك: 

1 - الولايات المتحدة الأميركية (32.6 مليون هيكتولتر)

2 - فرنسا (27 مليون هيكتولتر)

3 - إيطاليا (22.6 مليون هيكتولتر)

4 - ألمانيا (20.2 مليون هيكتولتر)

5 - الصين (17.9 مليون هيكتولتر)

6 - بريطانيا (12.7 مليون هيكتولتر)

7 - إسبانيا (10.3 مليون هيكتولتر)

8 - الأرجنتين (8.9 مليون هيكتولتر)

9 - روسيا (8.9 مليون هيكتولتر)

10 - أستراليا (5.8 مليون هيكتولتر)

وبحسب خبر نقلته في وقت سابق وكالة "رويترز" للأنباء، فإن صادرات النبيذ والمشروبات الكحولية في فرنسا تأتي في المرتبة الثانية بعد قطاع صناعة الطيران. وقطاع النبيذ والخمور في فرنسا يشهد خلال الآونة الأخيرة أزهى عصوره على الإطلاق. إذ وصل إجمالي قيمة صادرات النبيذ فيها إلى 8.5 مليار يورو، فيما بلغت القيمة الإجمالية لصادرات الكونياك 3 مليارات يورو.

كما أن القيمة الإجمالية الحالية لسوق النبيذ حول العالم بأسره تبلغ 302 مليار دولار أميركي. ومن المنتظر أن يصل هذا الرقم إلى 423 مليار دولار بحلول العام 2023.

وعندما نأتي للحديث عن إنتاج هذه الأشياء في تركيا، نجد أن عقلية الإسلام السياسي أثرت عليها بشكل كبير. طبعا هذا التأثير تأثير سلبي، وليس العكس. كما لا ننسى في ذات السياق السياسات الزراعية الخاطئة التي تبنتها تلك العقلية منذ وصولها للسلطة في البلاد قبل 17 عامًا. ناهيكم عن عوامل أخرى جعلت من المستحيل تقريبًا الحصول على رخصة لتجارة النبيذ، منها الضرائب المرتفعة، وتصنيف النبيذ ومستهلكيه على أنهم من الأعداء. ولهذا السبب نجد أن مساحات الكروم في تركيا تقلصت بشكل كبير للغاية منذ العام 2014 وحتى الآن.

مساحات الكروم تقلصت بشكل كبير للغاية
مساحات الكروم تقلصت بشكل كبير للغاية

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن هناك الكثير من العوامل التي أدت إلى تسارع عملية استهلاك النبيذ حول العالم، مثل ما نعيشه في الوقت الراهن من عولمة، وتقدم ملحوظ في تقنيات الاتصال. ففي الدول الغربية مثلًا يمكن للمرء أن يتعقب من أمام طاولة وبشكل سلسل عمليات إنتاج النبيذ في مختلف أنحاء العالم. ويمكنكم في ذات الوقت طلب المشروب الذي تحبون عبر الإنترنت دون وجود أية معاناة تذكر.

 وما دمنا نتحدث هنا عن النبيذ والمشروبات الكحولية، والروحية، لا بد أن نذكر كيفن زرالي، الذي كان يعمل لسنوات مستشارًا لمطعم "وندوز أون ذا وورلد" الذي كان يقع في قمة برج التجارة العالمي الذي انهار جراء هجوم إرهابي في 11 سبتمبر عام 2001، كما أن هذا الرجل كان يعطي محاضرات بخصوص النبيذ والخمور. ويرى هذ الرجل أن هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذا التطور السريع الذي يشهده العالم، لكن التطور الكبير في تقنيات إنتاج النبيذ، كان له بالغ الأثر في ظهور منتجي النبيذ من الأفراد، وفي اعتدال أسعار النبيذ بشكل ملحوظ.

ولقد وصلت عملية تسويق النبيذ والشراب لأبعاد مختلفة، كتسويق زجاجات الشراب في صناديق من الكرتون، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية. وبهذه الطريقة نجح منتجو نبيذ كاليفورنيا في التقليل من تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري. وعلى نفس الشاكلة برز تسويق النبيذ في صناديق من الألومنيوم لا سيما في الصالات الرياضية، وفي قاعات الحفلات الغنائية. وهناك الكثير من الماركات العالمية التي تبيع النبيذ في مثل هذه الصناديق.

وفي ظل الفائدة الكبيرة لهذه التجارة، نجد الصين قد دخلت الساحة العالمية كلاعب جديد يتمتع بأهمية كبيرة للغاية. ويوجد بالصين حاليًا أكثر من 200 منتج للنبيذ. وفي هذا السياق نرى أن شركة "أل أف روثشايلد" قد قدمت باكورة إنتاجها في العام 2018. والآن بلغ سعر زجاجة "AonYun Shangri-Cabernet Sauvignon" التي تنتج في الصين ما يقرب من 300 دولار في الولايات المتحدة.

ونتيجة لكل هذه التطورات، نرى أن مؤسسة "غولدمان ساكس" للخدمات المالية، والاستثمارية، قد خفضت في العام 2017 من تصنيف البيرة والمشروبات الكحولية الحادة، ورفعت في المقابل تصنيف النبيذ.

لكن بكل أسف نرى أن تركيا تتأخر كثيرًا، وبشكل سريع في قطاع إنتاج النبيذ عن ركب العالم بأسره، شأنها في ذلك شأن تأخرها في قطاعات ومجالات أخرى كالتعليم، والفن، والثقافة، والعلم. فعقلية رئيس مثل رجب طيب أردوغان، غضت الطرف عن استثمارات بملايين الدولارات من الممكن أن يحققها المستثمرون في هذا القطاع المربح. واتجهت العقلية ذاتها إلى الحديث عن الاستثمارات في زراعة "القنب"، وعلقت آمالها على تلك الزراعة متناسية ما لديها من دجاجة تبيض ذهبًا.

فهذه العقلية دأبت على فرض إملاءاتها المتعلقة بالعقيدة على المجتمع بأسره، وأصبحت تجعل الآخرين يؤمنون بالحرام الذي تؤمن به، ولا يجوز لأحد أن يحيد عن ذلك. ونتيجة  حتمية لذلك، بدأت تتلاشى ثقافة النبيذ على هذه الأرض التي كانت مهدًا لها، ما أدى بشكل أو بآخر لضياع ما تبقى لدينا من حطام حضارة كانت يومًا من أفضل الحضارات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/sarap/erdogan-keske-kenevir-yerine-saraba-baksa &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.