Nesrin Nas
فبراير 26 2018

ليس بالإمكان تدمير سمعة بلد أكثر مما حدث في تركيا

لم يعد ذكر تركيا يأتي في وسائل الإعلام حول العالم إلا لنقل أخبار عن محاكمات أو اعتقالات أو انتهاكات لحقوق الإنسان أو تصريحات مثيرة للجدل لرئيسها رجب طيب أردوغان.. ومؤخرا العملية العسكرية في عفرين.
وحتى عندما أسدل الستار الأسبوع الماضي على قضية حظيت باهتمام وسائل الإعلام الدولية، خرج الصحفي الألماني من أصل تركي دينيز يوجيل بعد إطلاق سراحه من السجن بعد قضائه عاما وراء القضبان دون محاكمة، ليقول إن كلا من اعتقاله أو إطلاق سراحه لا يمتّ لمبادئ "العدالة والقانون" بصلة.

وأضاف يوجيل في رسالة فيديو عبر موقع تويتر "الشيء المضحك هو أنني ما زلت لا أعرف لماذا تم القبض علي قبل عام - أو بشكل أكثر دقة لماذا تم احتجازي كرهينة قبل عام - ولا أعرف أيضا سبب الإفراج عني اليوم."

كان كبار المسؤولين الألمان، ومن بينهم الرئيس فرانك فالتر شتاينماير والمستشارة أنجيلا ميركل ووزير الخارجية زيجمار جابرييل، قد حشدوا جهودهم للضغط على تركيا لإخلاء سبيل يوجيل.
ومن المثير للاستغراب أن محكمة تركية قبلت لائحة اتهام أصدرها المدعون العامون الذين طالبوا بتطبيق عقوبة السجن على يوجيل لمدة تصل إلى 18 عاما بتهمة "نشر دعاية إرهابية"، لكنها أمرت بإطلاق سراحه أيضا، مما سمح له بالفرار من البلاد قبل أن يواجه المحاكمة.
وفي اليوم نفسه، حكمت محكمة أخرى على الصحفي أحمد ألتان ناشر صحيفة "طرف" وشقيقه الخبير الاقتصادي والكاتب محمد ألتان، إضافة إلى الصحفيين نازلي إيليجاك وشوكرو أوزشينغول ويعقوب شيمشيك وفيفزي يازيجي بالسجن مدى الحياة بعد إدانتهم بتهم تتعلق بالإرهاب بسبب كتاباتهم.
وفي الوقت ذاته، عاد زعيم ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي صلاح الدين دميرطاش إلى الزنزانة التي قضى فيها أكثر من عام بعد ثلاثة أيام من الجلسات وقف خلالها في قفص الاتهام يدافع عن نفسه ضد اتهامات مماثلة بالضلوع في الإرهاب.
لكن دعونا نطرح جانبا حقيقة أن الفرحة برؤية إطلاق سراح يوجيل خيمت عليها المزاعم بوجود صفقات تم بموجبها الإفراج عنه. ودعونا أيضا ننظر إلى الدلالة التي تكشفها هذه الأحكام الثلاثة حول ما إذا كان لدينا بالفعل حكومة شرعية في تركيا.
فألمانيا أظهرت مرة أخرى للعالم ولتركيا على وجه التحديد ما هو مهم بالنسبة لبلد عصري يتمسك بسيادة القانون، وأثبت موقفها في قضية يوجيل أن مصلحة مواطنيها لها الأهمية القصوى بالنسبة لها، لا عرقهم أو معتقداتهم الدينية أو آرائهم.
وفي حين يقر المسؤولون المنتخبون في ألمانيا بأن لكل مواطن ألماني حقوق وحريات كفلها لهم الدستور الألماني، فقد أدركنا نحن مجددا أننا لا نستطيع قبول الحقوق والحريات المكفولة لنا بنص الدستور التركي.
وعلى الرغم من أن يوجيل ألقي به في السجن دون محاكمة أو اتهامات، أخلت السلطات التركية سبيله في غضون 24 ساعة من قول رئيس الوزراء بن علي يلدريم: "آمل أن يُطلق سراحه قريبا". ومن الواضح أن يوجيل لم يكن سجينا، وإنما رهينة سُلبت منه سنة من عمره دون وجه حق.
مرة أخرى، تكشف هذه المعطيات أن النظام القضائي في تركيا يخضع لسيطرة الحزب الحاكم وأنه لم يعد هناك نظام قانوني مستقل في تركيا، ولو حتى نظريا.
وهذا يدعونا إلى الاعتقاد مجددا أن مصير الملايين من المواطنين الأتراك، الذين لا ينعمون بحماية جنسية أجنبية، يتوقف على كلمة رجل واحد.
وكما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن الأحكام الصادرة ضد الأخوين ألتان والمتهمين الآخرين في القضية تمثل سابقة مخيفة لعشرات القضايا التي تتعلق بالصحفيين والكتاب والمعارضين الآخرين الذين لا يزالون في السجن، وتعكس إلى أي مدى يمكن للحزب الحاكم التمادي لإسكات المعارضة.
من ناحية أخرى، فضح الخلاف الدبلوماسي مع ألمانيا أمام العالم محدودية قوة تركيا واقتصادها الضعيف واعتمادية قطاعها الدفاعي على القوى الأجنبية.
فالاقتصاد التركي بدأت تظهر عليه علامات الوهن، وتشير التقديرات إلى أنه من المتوقع أن يصل العجز إلى 5.4 في المئة من الدخل القومي.
كما أن الأضرار التي لحقت بمبدأ سيادة القانون، والتي لم تمتد آثارها حتى الآن سوى إلى الكتاب والصحفيين وأعضاء المعارضة، سيتسع نطاقها حتما، ما سينتج عنه هروب الاستثمارات الأجنبية التي تعتمد عليها تركيا كثيرا لسد العجز، وبالتالي المزيد من البطالة.
هذه هي المعادلة ببساطة: عندما تؤدي السياسة إلى إضعاف المبادئ الاقتصادية والنظام القضائي، ستفقد الدعم داخليا وستفقد الاحترام خارجيا.
وقد أظهرت أحكام الأسبوع الماضي أن تركيا تقطع آخر ما يربطها بسيادة القانون والقضاء المستقل، وهو ما سيؤدي إلى العديد من الصدمات المزلزلة، سواء بالنسبة للوضع الداخلي أو لصورة أنقرة في الخارج.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: