مأزق بريكست والنموذج التركي

شهدت لندن يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين تصويتين تاريخيين؛ رُفِضت في الأول خطة التفاوض مع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي تقدمت بها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وفريقها، مع بأغلبية ساحقة (432-202)، في حين نجت في التصويت الآخر من طلب حجب الثقة عن حكومتها الذي تقدم به زعيم حزب العمال جيرمي كوربن.
وكما كان متوقعًا، كان تحديد ماي تاريخ 29 مارس للخروج من الاتحاد الأوروبي من أجل كسب المزيد من الوقت حال التصويت ضد خطتها في مجلس العموم، وحتى تتاح لها الفرصة لوضع خطة بديلة. فهل ستعود مرة أخرى للتفاوض في بروكسل أم لا؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.
وعلى الرغم من حالة الفوضى، التي ستشهدها المعاملات الجمركية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي حال عدم التوصل إلى حل قبل يوم 29 مارس؛ من أجل الخروج الآمن من الاتحاد الأوروبي، فإن المتعصبين لاتفاق بريكست أو (الانسحاب الوشيك للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي) لا يرون ضرورة للمبالغة في تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ فهم يرون أن المعاملات التجارية؛ على سبيل المثال، لم تتأثر طوال العامين السابقين مع دول الاتحاد الأوروبي، وأنه يمكن إعادة هيكلة علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي بشكل جديد. 
من ناحية أخرى، يرى الخبراء أن عدم توصل بريطانيا لاتفاق عاجل بشأن طريقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من شأنه تحميل الاقتصاد البريطاني فاتورة ثقيلة ستؤثر على أدائه من ناحية، وستترك أثارًا سلبيةً، من ناحية أخرى، على دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا.
وعلى الرغم من وجود العديد من السيناريوهات المحتملة للوصول إلى حل للأزمة، إلا أن الشيء الوحيد الذي يُجمع عليه جميع الأطراف الآن هو أن إمكانية إعادة التصويت على نص الاتفاق، الذي يتكون من 600 صفحة، وتفاوضت بشأنه رئيسة الوزراء في بروكسل لشهور، على وضعه الحالي  هو صفر.
أما عن احتمال معاودة التفاوض في بروكسل من جديد، فهذا أيضاً خيار غير مرجح بسبب ضيق الوقت واضطرار الحكومة البريطانية للاختيار بين أحد محوري "تكتل الرفض"، الذي يتبنى كلا منهما وجهتي نظر متضادتين؛ فهي إما أن تسعى لإيجاد صيغة تفاوضية جديدة مع الاتحاد الأوروبي؛ حتى تحصل على دعم حزب العمال المعارض، أو أن تنضم للمتعصبين لبريكست.
وعلى الجانب الآخر، ترى الحكومة البريطانية أنه بإمكانها أن تحافظ على علاقتها الوثيقة مع دول الاتحاد الأوروبي بأن تنحو نحو تركيا عندما أبرمت اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من توتر العلاقة بين الطرفين. والواقع أن هذا التوجه ليس جديداً لدى الحكومة البريطانية؛ فطالما دافع العضو الليبرالي في البرلمان الأوروبي أندرو داف عن وجهة النظر هذه. وعلى الرغم من أنه يصعب التخمين بأن هذا الاتفاق سيكون بنفس الشكل المبرم مع تركيا، إلا أنه لا يحظى بتأييد أيضًا من جانب المتعصبين  لبريكست.
وعلى الرغم من أن فكرة الاستفتاء الثاني لا تزال مطروحة على جدول أعمال الحكومة البريطانية، إلا أن تيريزا ماي  لا تفضل اللجوء إلى هذه الخطوة؛ لأنها ترى أن هذا سيقود البلاد إلى المزيد من الانقسام، بالإضافة إلى أن الوقت لا يزال مبكراً للغاية للحديث عن إجراء استفتاء ثانٍ. أضف إلى هذا أنه في حالة تعرض الحكومة، بقيادة ماي، للهزيمة هذه المرة أيضًا فسيزيد ذلك من حالة الاحتقان السياسي، وحينها لن تجد الحكومة مفراً من الاحتكام لإرادة الشعب مرة أخرى. ولا تزال الصورة غير واضحة بشأن إجراء استفتاء آخر من أجل بريكست، أو خوض جولة تفاوضية جديدة في بروكسل.  
وعلى صعيد العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، فلا نكاد نرى أي جديد يسترعي الانتباه؛ فقد فقدت مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد جديتها، كما عجزت الحكومة التركية عن توفير بدائل العضوية.
وبالنسبة لاتفاق الاتحاد الجمركي الموقع بين تركيا والاتحاد الأوروبي في عام 1996، يمكن القول إنه كان سيئًا للغاية، بل وأعتقد أن إقدام الإنجليز على عقد اتفاق الاتحاد الجمركي مع الدول الأوروبية سيعود بالنفع على أنقرة في النهاية، أو بعبارة أخرى من الممكن أن يصبح  نص اتفاق الاتحاد الجمركي الخاص بلندن نموذجاً جيداً يمكن لتركيا أن تحتذي به في مفاوضاتها القادمة مع بروكسل؛ حيث تلقى فكرة إصلاح بنود اتفاق الاتحاد الجمركي مع تركيا، وتعديل بنودها المجحفة أهمية كبيرة لدى جميع الأطراف في تركيا.
وعلى الجانب الآخر، قدمت مُفَوَّضية الاتحاد الأوروبي، في مسحٍ أجراه خبراء البنك الدولي، توصيات مهمة بشأن توسيع نطاق الاتحاد الجمركي ومراجعة نص الاتفاق.
تقوم الأطروحة الرئيسة لهذه الدراسة على حقيقة أن اتفاق الاتحاد الجمركي، الذي من المفترض أن يعود بالفائدة على كلا الجانبين، يحقق النفع بشكل أكبر لدول الاتحاد الأوروبي على حساب تركيا في العديد من القطاعات تشمل قطاع الزراعة والخدمات.
والسؤال الآن، لماذا لا تقدم تركيا على إصلاح بنود هذا الاتفاق الذي لا يعود بالنفع عليها، أو تتفاوض من أجل اتفاق جديد يعود بالنفع على الطرفين معاً؟ الواقع أن الإجابة عن هذ السؤال بسيطة للغاية؛ فدول الاتحاد الأوروبي لا تريد أن تعطي الضوء الأخضر لنظام أردوغان القمعي؛ لأن هذا سيمثل له رسالة تأييد، وهذا ما تأباه أوروبا.  
من المؤكد أن جميع الدول الأوروبية لا ترغب في أن تخطو خطوة واحدة باتجاه خوض مفاوضات جديدة مع تركيا من أجل تعديل بنود الاتفاق السابق؛ بسبب الصورة السلبية التي رسمها أردوغان في أذهان الأوروبيين حول تركيا في الوقت الراهن.  
وعلى الرغم من هذا، فربما تكون النقطة المضيئة في نموذج اتفاق الاتحاد الجمركي الذي أبرمته تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي هي أن يكون بمثابة طوق النجاة لبريكست، وقد تفيد تركيا من نموذج التفاوض الذي سيطرحه الإنجليز عندما يخوضون مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي من أجل إبرام اتفاق اتحاد جمركي مماثل. 
ولكن أوروبا، في الوقت الراهن، توجه نظرها إلى لندن، أما أنقرة، فتدير وجهها الآن باتجاه سوريا، وليس بروكسل.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/brexit/brexit-cikmazi-ve-turkiye-ornegi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.