مؤشرات ديون تركيا وميزانيتها

تسير علاقة السببية بين الدين والعجز في العادة من العجز في الميزانية إلى الدين الخارجي، لكنني أود هنا أن أتطرق بالتحليل إلى المؤشرات ذات الصلة بالديون أولاً.
تُشير الأرقام التي نشرتها الإدارة إلى أن هناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية فيما يتعلق بمؤشرات الدين التركي. وأود أن أبدا هنا بالأخبار السارة.
يبلغ مستوى الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 28.5 بالمئة، وهو ما يقل كثيراً عن مستوى ماستريخت القياسي البالغ 60 في المئة. وهذا أمر جيدٌ ومُرضٍ. 
وصافي الدين العام عند نحو 272 مليار ليرة، وهو رقمٌ منخفض نسبياً، لكن هناك زيادة مطردة بقيمة 161 مليار ليرة منذ عام 2015، وهذا أمر مثير للقلق.
ووفقا للبرنامج الاقتصادي الجديد الحكومي، فإن نسبة العجز في الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي دون اثنين في المئة بقليل هذا العام، وهو ما يُحتمل أن يكون جانباً إيجابياً للاقتصاد التركي في الوقت الحالي.
وبالتوازي مع التراجع في عجز الميزانية، انخفضت نسبة نفقات الحكومة المركزية في بند الفائدة إلى الإيرادات الضريبية من مستويات مرتفعة للغاية بلغت 86 بالمئة في أوائل العقد الماضي إلى 11 بالمئة، واستقرت إلى حد ما عند هذا المستوى. لكن من الصعب بعض الشيء توقع أثر رفع أسعار الفائدة في الآونة الأخيرة على هذه النسبة في المستقبل. والأرجح أن هذا المؤشر سيبدأ في الارتفاع، لكن في الصعب جداً أن نتوقع حجم ذلك الارتفاع.
وبالمثل، انخفضت نسبة إنفاق الحكومة المركزية على الفائدة للناتج المحلي الإجمالي إلى اثنين في المئة من 15 في المئة خلال السنوات الأولى من هذه الألفية. لكن رفع أسعار الفائدة في الآونة الأخيرة خلق أيضاً حالة من الضبابية في الأجل المتوسط لهذا المؤشر. وحتى على الرغم من أن احتمال العودة إلى نسبة 15 في المئة يبدو ضعيفاً، فإنه ليس مستحيلاً بالكلية.
والآن إلى الأخبار السيئة.
يُظهِر إجمالي حجم ديون الحكومة المركزية زيادة مطردة في الالتزامات المستحقة عليها بالعملات الأجنبية، والتي قد تزيد الضغط على الميزانية إذا وضعنا في الاعتبار انخفاض قيمة الليرة التركية في الآونة الأخيرة.
وتشير الأرقام إلى أن نسبة إجمالي حجم الديون الصادرة بالعملات الأجنبية ارتفعت إلى 44 بالمئة من 28 بالمئة في عام 2012. في المقابل، انخفضت ديون الحكومة بالليرة إلى 56 بالمئة من إجمالي حجم الدين مقارنة مع 72 بالمئة في السابق.
وبلغ إجمالي حجم الدين الخارجي التركي، بما في ذلك ديون القطاع الخاص، 468 مليار ليرة في 2018؛ ويبلغ حجم ديون القطاع الخاص 326 مليار دولار، منه نحو 100 مليار دولار تستحق في الأجل القصير.
وفي عام 2010، كان حجم الدين الخارجي المستحق على القطاع الخاص 191 مليار دولار، ومنه 71 مليار دولار في الأجل القصير. وهذا الارتفاع في الدين الخارجي المستحق على القطاع الخاص من 191 مليار دولار إلى 326 ملياراً في السنوات الثماني الأخيرة من دون الكثير من التغيير في الإنتاجية التركية ربما يكون أحد العوامل الرئيسية في التراجع الاقتصادي الذي حدث في الآونة الأخيرة.
وزاد صافي الدين الخارجي التركي مقابل الناتج المحلي الإجمالي إلى 35 في المئة من 21 في المئة في عام 2012؛ ويبدو هذا الارتفاع خطيراً لأن تركيا فشلت في زيادة الإنتاجية أو إيجاد قطاعات تنافس في التجارة العالمية. 
وانخفض متوسط آجال استحقاق القروض النقدية المحلية إلى 69 شهراً من 72 شهراً في 2012، وهذه إشارة على أن الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين يفضلون القروض الأقصر أجلاً، وإن كانت عند مستويات منخفضة، وهذا مؤشر آخر مثير للقلق.
وانخفض متوسط آجال استحقاق السندات الدولية المقومة بالدولار الأميركي إلى عشر سنوات مقارنة مع 18 عاماً في المتوسط في 2017، وهو مؤشر آخر على أن الأسواق العالمية تتخوف من إصدار أدوات دين طويلة الأجل لصالح تركيا. 
وانخفض نصيب غير المقيمين في الدين المحلي إلى 15 بالمئة في عام 2018 من 23 بالمئة في عام 2012. ويؤكد هذا التطور أن تركيا سيكون عليها أن تمول ديونها ذاتياً في وقت قريب وإلا ستواصل أسعار الفائدة ارتفاعها.
ولم يتمكن القطاع العام التركي منذ عام 2015 من الحفاظ على فائض أولي؛ وقد كان تحقيق فائض أولي والحفاظ عليه عاملاً أساسياً في التغلب على الأزمة المالية التي وقعت في عام 2001.
والمشكلة الرئيسية في تحقيق عجز أولي الآن، وإن كانت هينة، تزيد عوامل المخاطرة في المستقبل. فهل سيقبل الساسة بالعودة إلى تحقيق فوائض أولية على حساب النمو كما فعلوا في عام 2005؟ تلك مشكلة حقيقية.
لماذ إذاً هناك احتمال لأن تواجه تركيا زيادات كبيرة في حجم الدين؟
تعاني البنوك التركية وعددٌ لا بأس به من الشركات التركية من خسائر مستمرة بسبب أزمة العملة أو العجز في ميزان المعاملات الجارية التي تعاني منه البلاد. وإذا اختارت الحكومة التركية أن تتحمل هذه الديون لتنقذ هذه البنوك والشركات وتحول جميع الديون الرديئة إلى البنوك العامة، فإن مشكلة عجز الميزانية وزيادة حجم الديون ستبدأ في التفاقم بسرعة.
وربما يكون تأسيس صندوق ثروة هو ناقوس إنذار مبكر يشير إلى نيتهم تحمل الديون الرديئة.
إذاً، هل العجز في الميزانية الذي بلغ نحو مليار ليرة في أغسطس 2018 إشارة على أمور ستحدث تِباعاً؟
ولماذا لم تتفاعل الأسواق مع الإعلان عن البرنامج الاقتصادي الجديد؟
سيزور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ألمانيا هذا الأسبوع؛ وقد ذكرت الصحافة أن مواطناً ألمانياً جرى الإفراج عنه من محبسه كبادرة حسن نية قبل الزيارة. ويقوض هذا تأكيدات الحكومة التركية على استقلال القضاء. ومن ثم فإن اقتصاد تركيا يحاكي قضاءها.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/turkish-budget-and-debt-indicators
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.