أوليفر رايت
يوليو 30 2018

ماتت الديمقراطية في تركيا.. والأمل يتبدد سريعاً

في مكان ما ثمة تركيا أخرى، دولة لديها محاكم محايدة، دولة يمكن لمواطنيها التعبير بحرية عن آرائهم، مكان تلقى فيه الأقليات قبولاً.
في مكان ما ثمة تركيا حيث تكون الانتخابات حرة ونزيهة، حيث يمكن للمواطنين الوصول إلى المعلومات واتخاذ قرارات مستنيرة، تركيا التي يقبل قادتها سيادة القانون ويتحملون المسؤولية عن قراراتهم.
في مكان ما ثمة بلد حيث يتلقى الأطفال تعليماً بدلاً من التلقين. 
في مكان ما ثمة تركيا تشرق بالنور.
في مكان ما فوق قوس قزج، في مكان بعيد جداً.
تركيا ليست أي شيء من هذه الأشياء اليوم.
أولئك الذين يبحثون عن ذلك يتلمسون طريقهم في الظلام بلا مصباح. أولئك الذين أناروا الطريق حينما  تجمع الظلام هم الآن، معظمهم، في المنفى أو السجن أو جرى ترويعهم حتى التزموا الصمت.
في تركيا، ليست الديمقراطية هي التي ماتت فحسب. بل أن الأمل يتبدد سريعاً.
أولئك الذين ما زالوا يحلمون يفقدون أحلامهم، واحداً تلو الآخر ويغلقون أعينهم ويسمحون للظلام بالتسلل.
ربما، في الديمقراطيات الغربية، ثمة حزن وقلق على انحدار تركيا. لكن الغرب لديه ما يكفي من مشكلاته الخاصة ولا يملك رغبة تذكر أو تفويضاً في واقع الأمر للتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.
هذه الدول التي تفتقر إلى الروح ربما تلوح بالجزرة الغريبة في اتجاه تركيا، دون الكثير من التهديد بأي عصي تحت تصرفها. لكن تركيا في هذه الأيام ذئب وليست أرنباً، والغرب أقل تنسيقاً وأقل توحداً وأقل تركيزاً على تركيا من أن يجعلنا نصدق فيلق أصحاب نظريات المؤامرة، الذين يتصرفون نيابة عن الحكومة التركية. لن يفعل الغرب أي شيء ما لم تكن تركيا غبية بما فيه الكفاية لتضرب بقوة. 
لذلك، لا يوجد فرسان لإنقاذ تركيا. لم يكن هناك أبداً. وإذا كان هناك، أقترح: فهل من الممكن ألا تكون القوى التركية المصابة بجنون العظمة على حق، هذه المرة فحسب، لتطلق عليهم اسم الصليبيين؟
ينبغي على الأتراك الذين يتطلعون إلى بلد يحترم القيم المدرجة في إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان أن يعرفوا ذلك. الاعتقاد بخلاف ذلك هو للاستمتاع بأمل كاذب. لكنهم يحتاجون أيضاً إلى معرفة أن الآمال التي يتشبثون بها، مهما كانت غير مستقرة ومجردة وغير ملموسة، قد تكون هذه الآمال جديرة بالثقة. فهم بحاجة إلى معرفة أن الأحلام يمكن أن تتحقق.
إذا كان أكثر ما يمكن للغرب تقديمه عملياً هو الأمل، فإنه لا يزال يستحق تقديمه. كل تغيير يبدأ بالأمل. عندما يموت الأمل، يتم إخماد جذوات الأمل الأخيرة وبعد ذلك، عندما تهب الرياح، لا شيء يشتعل. لا يمكنك أن تشعل النار دون شرارة. حتى شرارة صغيرة سوف تفعل ذلك.
ويعرف رئيس تركيا العبقري القوي رجب طيب أردوغان ذلك أيضاً. وإلا كيف يمكن أن نفسر سحق أنصاره بقوة للمجتمع التركي؟ إنهم يبحثون عن الأحجار الأخيرة، ويستأصلون الرماد الساخن ويسحقونهم.
يجب على الديمقراطيات الغربية من جانبها أن تدرك أنها من خلال غض الطرف عن إساءة استخدام أردوغان للسلطة في خدمة مصالحهم على المدى القصير، فإنهم يكتفون فقط بتأجيل حل المشكلات. إنهم يأملون في الأفضل، ولكن في جميع الاحتمالات، توفر تصرفاتهم مساحة ووقتاً لتزيد هذه المشاكل.
اتفاق اللاجئين الذي وقعته تركيا والاتحاد الأوروبي في عام 2016 يضرب مثالاً على ذلك. فقد كان الهدف منه في المقام الأول منع اللاجئين السوريين من الوصول إلى أوروبا. ولكن مع تدهور الاقتصاد التركي وتفاقم الأوضاع الاجتماعية، فإن الأعداد القليلة من الأتراك الذين فروا من غضب أردوغان الانتقامي قد يتحولون إلى سيل لا يقتصر على أولئك الذين يفلتون من غضب الاستبداد، بل يضم أيضاً أولئك الذين يفرون من بلد حولها ذلك المستبد نفسه إلى إيران أخرى، فنزويلا أخرى ولكن دون النفط.
إذا حدث ذلك، فإن اتفاق اللاجئين سيبدو مثل الحجامة على غرار العصور الوسطى وهي طريقة يتم خلالها علاج الأعراض، وليس المرض، ومن خلال القيام بذلك يظهر مرض جديد، أقرب إلى القلب من المرض الأول.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المأساة الحقيقية لتركيا الحديثة ليست ما هي عليه ولكن ما قد يحدث. عندما جاء أردوغان إلى السلطة لأول مرة في العام 2003، كان ينظر إليه، لسبب وجيه، كمصدر للأمل - ليس فقط من قبل الجماهير السنية الوديعة، ولكن من قبل كثيرين من هؤلاء الأشخاص أنفسهم الذين تبددت آمالهم الآن.
نفس الأيدي التي شكلت هذه الآمال وحملتها هي التي بددتها.
ومن المثير للسخرية أيضاً أنه بينما تنطفئ الأنوار في تركيا، فإن رمز حزب أردوغان السياسي هو المصباح الكهربائي. كان الظلام أفضل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا

https://ahvalnews.com/turkey/somewhere-over-rainbow
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.