كرم سعيد
ديسمبر 18 2017

ماذا بقي من علمانية تركيا في مدارس غولن وأردوغان؟

سعى الإسلام السياسي في تركيا منذ بروزه للعلن في عهد أربكان أن ينفى عن نفسه صفة الديني بشكل قاطع، إلا أن الطبيعة البراغماتية لهذا التيار، وخصوصا نسخته المعدلة تحت مسمي "العدالة والتنمية" ونظيره الأيديولوجي "خدمة" التي يتزعمها فتح الله غولن، لم تفلح في التغطية على طابعهما.

كان التعليم الكلمة المفتاحية لدي حركة "خدمة" وحزب "العدالة والتنمية" لتجذير الأفكار والقيم المحافظة في المجتمع التركي، لذا اهتمت الأولى بالدرجة الأولى بالتعليم وإنشاء المدارس بمختلف مستوياتها داخل وخارج تركيا.

وتعتبر الحركة التي تقدم تصوراً للدين يقوم على مبدأ التقية الذي يخفى أكثر مما يظهر أن التعليم خير وسيلة للنفاذ إلى قلب الدولة ومؤسساتها الصلبة.

وتعتقد "خدمة" التي تتبنى فكرة الإسلام الروحي، أنها تستطيع من خلال مؤسسات التعليم والتغلغل في المجال الاجتماعي أن تصل لمرحلة "التمكين" السياسي.

في المقابل يشهد قطاع التعليم في تركيا منذ صعود "العدالة والتنمية" للسلطة في العام 2002 كمًا من التغييرات والتعديلات، تتضمن تقليص سيرة أتاتورك وإنجازاته في المناهج الجديدة ونزع ملامح القدسية عن شخصيته، ناهيك عن زيادة نطاق المدارس الدينية التى ترعاها الدولة، وتكثيف المحتوى الدينى فى المناهج الدراسية فى المدارس الحكومية العلمانية.

والأرجح أن غولن وأردوغان نجحاً في تطويع التعليم، كلاً على طريقته، لتحقيق رؤيته الخاصة التي ترتكز على بناء جيل تقى، تراه "خدمة" ضروريا للوصول إلى قلب السلطة من وراء ستار وترسيخ "الإسلام الروحي"، بينما استهدف أردوغان من خلال الهيمنة على منظومة التعليم بناء جيل أقل انسجاما مع القيم العلمانية الأساسية لجمهورية أتاتورك، وأكثر اتساقا مع القيم الدينية للدولة العثمانية السابقة.

تمتلك "خدمة" عددا معتبرا من المدارس المنتشرة في عدد كبير من دول العالم، وتدير الحركة أكثر من 1500 مؤسسة بمختلف مراحل التعليم، إضافة إلى 15 جامعة، منتشرة في أكثر من 140 دولة في مختلف أنحاء العالم، بهدف التأسيس لمجال ديني وسياسي خارج تركيا لخدمة الحركة مستقبلا، إذا تجاوزت مرحلة "التمكين" وتحكمت في مفاصل الدولة التركية.

من أهم ملامح هذه المؤسسات التعليمية أنها تتبع مبدأ "التقية"، فتؤكد في برامجها التعليمية أنها تتفق مع علمانية تركيا، ولا تطبق برامج تحمل مواصفات دينية، وتطرح نفسها كتيار إصلاحي داخل الإسلام يدعو إلى التعليم العلماني والتعاون مع الكنائس، والحوار بين الأديان.

كما تتبنى برامج التعليم التي تقدمها "خدمة" من باب إعمال مبدأ "التقية"  مفهوماً غير مسيس للدين، وترى أن "الإسلام ليس أيديولوجية سياسية أو نظام حكم أو شكلاً للدولة"، وصاغت رؤيتها للعلاقة بين الدين بالسياسة في شعار "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة".

لكن المفارقة المثيرة للجدل، أنها لم تمانع في بناء علاقة مع الأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها وتوجهاتها شريطة الحصول على الدعم والامتيازات، ما يساعد أعضائها على التغلغل في مؤسسات الدولة والتقدم في المناصب الهامة.

وتنشر مدارسها في أنحاء تركيا لتصل إلى نحو ألف مدرسة و 5 جامعات في تركيا مقابل مئات المدارس حول العالم، فهناك 17 مدرسة خاصة في الدنمارك.

 وفي ألمانيا يُوجد 14 معهدا ومدرسة  تديرها جماعة "خدمة"، و تأسست أولى مدارس غولن في شتوتغارت بألمانيا في عام 1995، فضلا عن 11 مدرسة تخضع لإشراف الحركة في هولندا، ومدرستان في فرنسا.

في بريطانيا نجحت حركة "خدمة" منذ العام 1993 في تحقيق انطلاقة تعليمية، مع تأسيس وقف Axis التعليمي، ويمتلك الوقف عددا كبيرا من المعاهد التعليمية.

وفى الولايات المتحدة التي يقيم فيها مؤسس الحركة "فتح اللة غولن"، هناك ما يقرب من 200 مدرسة ومركز تعليمي وثقافي للحركة. كما تنتشر مدارس الحركة في أفريقيا والدول العربية ودول آسيا.

غير أن المؤسسات التعليمية التابعة لـ "خدمة" تعرضت للتراجع عشية ما شهدته تركيا في يوليو 2016، وطالت الحملة الأمنية كل مدارس الحركة وجامعاتها، كما ألغت السلطات التركية تصاريح عمل 27 ألفًا و242 من العاملين في قطاع التعليم بينهم 21 ألف معلم كانوا يعملون في مدارس تابعة للحركة.

 كما أبعد مجلس التعليم العالي نحو ستة آلاف أكاديمي وإداري عن العمل بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، كانوا يعملون في المؤسسات التعليمية التابعة لغولن.

الأرجح أن السلوك الخشن للحكومة التركية ضد "خدمة" التي سعت من خلال سبل القوة الناعمة، كالتعليم والإعلام والتركيز على نخبة المجتمعات، إلى التمكين السياسي للإسلام الروحي.

وتم إغلاق بعض مدارس الحركة في أفريقيا وبعض الدول العربية والأسيوية، وقيام حزب "العدالة والتنمية" المهيمن على السلطة بافتتاح مدارس بديلة تروج لقيمه ومبادئه، أبرزها 12 مدرسة جديدة بالسنغال افتتحت مطلع ديسمبر 2017، لتحل مكان مدارس "خدمة" التي تم وقف الترخيص لها.

وفي سياق محاصرة نفوذ الحركة ومدارسها أوقفت أفغانستان في 11 ديسمبر الجاري عددا من المدرسين التابعين لحركة "خدمة" في كابول.

بنكهة مختلفة يكرس حزب "العدالة والتنمية" التعليم الديني، وبدا ذلك في تمرير قانونين أساسيين فى مجال التعليم خلال العامين 2012 و2014، ينص الأول على التوسع في  نظام مدارس "إمام خطيب" الدينية التى ترعاها الدولة، وارتفع عدد الطلاب في المدارس الدينية (إمام خطيب) التي تخرج منها الرئيس رجب طيب أردوغان من 71 ألف طالب عام 2004، إلى  نحو 500 ألف طالب في العام 2016، بواقع زيادة 9 أضعاف خلال 12 عاما.

بينما سعى القانون الثانى إلى ضمان هيمنة الأشخاص المحافظين دينيا من الموالين للحزب الحاكم على البيروقراطية التعليمية فى تركيا.

وبدأت مديرية الشؤون الدينية التركية منذ مطلع العام 2015 خطة لبناء مسجد داخل أكثر من 80 جامعة، وافتتح أكثر من 60 مسجداً منها للصلاة، الأمر الذي زاد من مخاوف الغرب والتيارات العلمانية من التوغل في أسلمة المجتمع.

مثلما ابتعدت مناهج "خدمة" التعليمية عن ترسيخ البرنامج الذي يُعلى قيم المواطنة والدولة الوطنية وكثفت على طلابها الدروس الدينية والبرامج الأخلاقية، ذهب "العدالة والتنمية" باتجاه تحفيز الدروس الدينية وتحفيظ القرآن واللغة العثمانية في المدارس التركية.

علاوة على اقرار وزارة التعليم التركية في 5 ديسمبر 2014 مجموعة توصيات، أهمها فرض دروس دينية على التلاميذ من الصف الأول الابتدائي، بدلاً من الرابع الابتدائي كما هو معمول به حالياً.

وفي مطلع العام 2017  أعلن وزير التعليم التركي عصمت يلماز عن عملية واسعة لتغيير مناهج التعليم الابتدائي في تركيا، وتركزت بالأساس على تقليص الحديث عن سيرة أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة.

وتم حذف نظرية النشوء والارتقاء التي وضعها البريطاني تشارلز داروين من المناهج الدراسية، مقابل إدخال تغيرات على منهاج مادة "التربية والدين والأخلاق" بحذف موضوعات تتحدث عن الأخلاق والفضائل العامة، لمصلحة التركيز على الشريعة الإسلامية، مع دخول مفهوم الجهاد في سبيل الله والاستشهاد في منهج الصف السابع، وتضمين المناهج شروحا عن محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا باعتبارها دفاعا عن الديمقراطية.

القصد أن مناهج التعليم في مدارس غولن وأردوغان تستهدف بالأساس صياغة الوعي الجمعي العام في تركيا لمصلحة التمكين السياسي لكليهما، والسعي من وراء ستار لتقليص حضور العلمانية في المجتمع، والدليل غض "خدمة" الطرف عن التوسع الذي شهدته تركيا في مدارس إمام وخطيب الدينية.

بالاضافة إلى الجدل الذي شهده البرلمان التركي في 24 نوفمبر الماضي، على خلفية فيديو أعدته وزارة التربية والتعليم للاحتفال بعيد "المعلم"، وعدم ظهور أي صورة لمؤسس تركيا "أتاتورك" أو أي إشارة إليه، وتأكيد أردوغان في يوليو الماضي في خطابه بنادي الجامعات والمؤسسات التعليمية، على ضرورة الاعتماد على ثقافة الحضارة الإسلامية والابتعاد عن الثقافة الأوروبية، وعدم استيراد الأفكار الغربية عن تاريخ وتراث البلاد.