ماذا نتوقع من زيارة أردوغان لألمانيا؟

توشك ألمانيا، التي لطالما صنفت باعتبارها عدوا لدودا لتركيا، أن تنتقل إلى خانة الأصدقاء، على الأقل لو صدقنا حديث وزير الخزانة والمالية التركي بيرت البيرق، صهر الرئيس والوريث المنتظر.
قال البيرق بعد اختتام محادثات مع مسؤولين ألمان بينهم وزير المالية أولاف شولتس ووزير الاقتصاد والطاقة بيتر ألتماير "لقد دخلنا حقبة جديدة."
للبيرق أسبابه الخاصة للتفاؤل. فالعملة التركية، الليرة التي عانت من تراجع حاد في الشهر الماضي، تسلك الآن طريق التعافي في مقابل العملات الكبرى.
كما أن كبار الشخصيات الألمانية تقدم كامل الدعم لليرة على ما يبدو، بغض النظر عما قد يعنيه هذا على أرض الواقع.
غير أن زيارة البيرق لألمانيا ليست التمهيد الوحيد للصفقة الحقيقية: فرئيسه أردوغان في طريقه لزيارة المانيا هو الآخر.
وفي إطار زيارة الدولة التي تستمر لثلاثة أيام، سيحل أردوغان ضيفا على مدينة كولونيا لتدشين أكبر مشجد في ألمانيا.
نبرة التفاؤل واضحة في وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة؛ وهو حديث يختلف كليا عما شهدناه في يونيو عام 2017، حين شن الإعلام التركي هجوما حادا على السلطات الألمانية إثر رفضها التصريح بمسيرة يقودها الرئيس التركي بنفسه.
لكن العفو الصفح هو عنوان المرحلة الحالية.
أمام ألمانيا وتركيا الكثير مما يمكنهما الحديث بشأنه. فللشركات الألمانية حصة كبيرة في الاقتصاد التركي. كما يقف اتفاق اللاجئين الذي أُبرم عام 2016 وتم تجديده خلال اجتماع لرؤساء حكومات دول مجموعة الثماني والعشرين في أواخر يونيو الماضي في صدارة جدول الأعمال أيضا.
هناك مخاوف من ارتفاع عدد طالبي اللجوء مرة أخرى إذا فشلت تركيا في منع هجوم تعتزم الحكومة التركية وحلفاؤها القيام به ضد جيب تسيطر عليه المعارضة السورية المسلحة في محافظة إدلب بشمال سوريا.
قد يتسبب هذا في نسف كل الجهود في السياسة الداخلية بألمانيا. فحزب البديل من أجل ألمانيا - وهو حزب معارض ينتمي لليمين المتطرف - يحقق نتائج جيدة في استطلاعات الراي تتساوى مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي وهو الشريك الأصغر لحزب المستشارة أنغيلا ميركل في الائتلاف الحاكم ببرلين.
وينتظر أن تشهد ولاية بافاريا انتخابات إقليمية في الرابع عشر من أكتوبر المقبل. ويشعر حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي، وهو الشريك الأصغر للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تنتمي إليه ميركل، بالضغط مع اشتداد عود حزب البديل المتطرف.
وهناك نحو ربع الناخبين تقريبا ممن لم يحسموا أمرا حتى الآن، وفقا لبعض استطلاعات الرأي.
الأمر المهم هنا هو أن السياسيين في برلين وميونيخ لديهم رغبة واضحة في الحفاظ على تركيا حليفة لألمانيا قدر الإمكان.
رغم أن أردوغان يحمل في يده غصن زيتون (ليس كذلك الذي عرفناه في عملية عفرين العسكرية بشمال سوريا)، فإن هناك حدودا واضحة للمدى الذي يمكن للسياسة التركية تجاه الغرب أن تصل إليها.
ستتحرك ميركل من واقع خبراتها وستتصرف بطريقة واعية على الأرجح. فآخر ما تريده هو انتقادات من عينة التودد أكثر من اللازم لزعيم سلطوي.
ستكثر الكلمات الرقيقة، لكن الحديث لن يخلو من انتقادات هنا وهناك. فقبل لقاء أردوغان، كررت ميركل أن ألمانيا – رغم مصالحها الاقتصادية القوية – ستضع قضية حقوق الإنسان في تركيا ضمن المباحثات المرتقبة.
وحذر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وهو زعيم سابق للحزب المسيحي الديمقراطي، من أن الحديث مبكر للغاية عن إعادة إطلاق العلاقات. لكن الرئيس التركي لا يشعر بأي قلق على ما يبدو. فالحقيقة الواضحة التي تصله من الجانب الألماني هو أن انتصاره قد تحقق بالفعل.
القضية الثانية هي العلاقات الثنائية، وأكثر ما تريده تركيا منها رهن بقرارات جماعية تتخذ على مستوى الاتحاد الأوروبي.
فهل ستخفف ألمانيا موقفها من قضايا من قبيل تخفيف القيود على منح تأشيرات الدخول للأتراك إلى الاتحاد الأوروبي أو تطوير اتفاق الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا؟
لن يحدث شئ قبل أن يتخذ أردوغان الخطوة الأولى. وبعدها تخيل رد فعل حزب البديل من أجل ألمانيا على تطوير اتفاق الاتحاد الجمركي مع أنقرة أو من السماح لملايين الأتراك بالسفر إلى دول منطقة شينجن دون تأشيرة دخول.
لا يبدو أننا إشارات متفائلة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي حيال تركيا. فلجنة الموازنة بالبرلمان الأوروبي على سبيل المثال وافقت على اقتراح بإلغاء مساعدات بقيمة 70 مليون يورو إلى تركيا في إطار مفاوضات انضمامها للاتحاد.
وعللت اللجنة قرارها بعدم وفاء تركيا بتعهدها بتطوير سيادة القانون بها. وينتظر أن يصوت البرلمان الأوروبي بكامل هيئته على القرار في الثالث من أكتوبر المقبل.
سبعون مليونيورو ليست بالمبلغ الكبير، خاصة إذا ما جرت مقارنته بثلاثة مليارات يورو ستحصل عليها أنقرة كشريحة ثانية بموجب اتفاق اللاجئين، لكن رؤية اللجنة البرلمانية تعكس الشعور السائد في الاتحاد القاري.
يشير تصويت البرلمان إلى أن فرص حصول تركيا على مساعدات اقتصادية أوروبية، في حالة تعثر الأوضاع ورفض أنقرة سلك الطريق المعتاد للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، ربما تقترب من الصفر.
يأتي القرار كجرس إنذار بقرب حدوث حرب كلامية محتملة، وهذه المرة بين تركيا وبروكسل. لا شك في ذلك.
تحدثنا هنا، بطريقة ما، عن العلاقات الخاصة مع قوى أوروبية منفردة كعلاج جزئي للتعثر في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي كتكتل.
وفي مايو الماضي، حطّ أردوغان الرحال في لندن، وبدا أن بريطانيا التي قررت الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ستكون الحليف المقرب الجديد لتركيا.
وقبل ذلك، في يناير من هذا العام، نظم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقبالا حارا للزعيم التركي في باريس.
ولا تزال فرنسا الرسمية تؤيد التفاوض وبناء علاقة استراتيجية مع تركيا.
لكننا، على الأقل في الوقت الراهن، لا نرى ترجمة للكلمات الرقيقة إلى سياسة حقيقية.
على سبيل المثال، لا يبدو أن قمة رباعية مرتقبة بخصوص سوريا يراد لها أن تجمع تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا في طريقها للحدوث قريبا.
ومن المحتمل أن يخرج أردوغان ومضيفته ميركل بعد لقائهما الثنائي ببعض العناوين العاجلة بخصوص هذه القمة، لكني أنا شخصيا لا أعلق الكثير من الآمال على هذه القمة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-merkel/what-expect-erdogans-visit-germany
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.