جنكيز أكتار
يناير 08 2018

ماكرون في مواجهة أردوغان.. ما جدوى إبقاء الحوار مع الحكومات غير الديمقراطية؟

إذن، فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره التركي رجب طيب أردوغان لزيارة باريس لعقد مباحثات حول مجموعة من الموضوعات يوم الجمعة الماضي. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل: ما هي الجدوى وراء التفكير في هذا الاجتماع في إطار السياسة الواقعية البحتة المغطاة من الخارج بمزاعم الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان؟ وبشكل أعم، ما هو مدى النفوذ الذي لا تزال بعض الديمقراطيات الغربية تتشدق بأنها تملكه على العديد من الأنظمة الاستبدادية الناشئة في يومنا هذا؟
فمن المجر وبولندا إلى روسيا وتركيا، ومن السودان إلى الصين وباكستان، لا ينفك النهج الودود والمتخاذل للغرب فيما يسمى بـ"سياسة الحوار" مع الحكومات الديكتاتورية عن إصابتنا بالحيرة والاندهاش.
وبالفعل، استندت محادثات ماكرون وأردوغان الثنائية منذ البداية إلى افتراضات كاذبة، حتى على الرغم من أن سياسة فرنسا الراسخة بالإبقاء على الحوار مع نظام أردوغان قد أعطت حجة جيدة للمتشككين الذين كانوا يحاولون جاهدين إيجاد أعذار مناسبة للزيارة، حيث قال الكثير منهم "لكنه من المؤكد أن ماكرون سوف يثير أيضا مسألة الأوضاع المتردية لحقوق الإنسان في تركيا!" وهذه كانت ورقة التوت التي رفعت كذلك من آمال جميع الأشخاص الذين رفعوا أصواتهم بالاحتجاج على الانتهاكات الجسيمة التي تحدث حاليا في تركيا.
وللأسف، ليس هناك أي شرط مسبق للحفاظ على هذا الحوار، ولم يكن هناك واحد أصلا، وقد قال الرئيس التركي بكل وضوح في مقابلة تلفزيونية أجريت قبل زيارته إلى باريس إنه لا يبالي كثيرا إزاء احتمالية تطرق ماكرون لمسألة حقوق الإنسان، لأن ما يهمه فقط هو إرادة الشعب التركي الذي انتخبه.
وفي المؤتمر الصحفي المشترك، استمر أردوغان في صب لعناته وجام غضبه على الكل في تركيا وخارجها ممن لا يفكرون بنفس طريقته، واصفا إياهم بالإرهابيين والانقلابيين. أما ماكرون فقال إن انتهاكات حقوق الإنسان تمت مناقشتها أثناء "الحوار" الذي استخف من خلاله أردوغان بجميع المخاوف فيما يتعلق بهذا الملف. وفي الواقع، لن يحدث أي تطور إيجابي للكثير من الكتاب والصحفيين المحتجزين في تركيا دون وجه حق بعد زيارة باريس.
أما على الجانب الفرنسي، فاتضح أن عامل النفوذ الحقيقي الوحيد على تركيا هو عضوية الاتحاد الأوروبي، وبما أن احتمالية حدوث هذا أصبحت بعيدة المنال ، فإن أي حديث عن حقوق الإنسان لا يتعدى كونه خطاب أجوف.
وفي الواقع، كان الاتحاد الأوروبي يغض الطرف في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ عام 2015، عن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في تركيا. ولم تأخذ المفوضية الأوروبية ولا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي في الاعتبار منذ فترة طويلة. ومن الغريب أن كل هذه الانتهاكات الهائلة في تركيا لم تدفع الاتحاد الأوروبي إلا للاقتناع بنتيجة واحدة: طالما أن الرئيس التركي قد تخلى عن مساعيه بجعل تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، فإن الأخير سيدعمه تماما في كل ما يفعله في وطنه وسيسعده التعاون معه أيضا، سواء كان الهدف هو الحد من تدفق اللاجئين أو محاربة الإرهاب الإسلامي أو..أو..إلخ، تماما مثل أي بلد آخر، أو أي حكومة استبدادية أخرى.
وبالتالي، مع تنحية الافتراض المضلل بالدفاع عن حقوق الإنسان جانبا، فإن ما يبقى هو مبدأ السياسة الواقعية بشكل بحت وصريح.
ففرنسا تتطلع إلى إبرام صفقات تجارية كبرى مع تركيا في العديد من المجالات مثل الأسلحة والطائرات، فضلا عن مشاريع البنية التحتية التي تعد العمود الفقري لاستراتيجية النمو التركي في العقود المقبلة والتي تعتمد بصورة رئيسية على التكنولوجيا المستوردة. ولا يهم حقا إن كانت جميع مشاريع البناء الضخمة التي تجري في تركيا حاليا تفتقر إلى أي تحليل حقيقي لأثرها البيئي، أو إن كانت وزارة الخزانة التركية لا تملك الموارد المالية اللازمة لتطويرها، فكل هذه المشاكل لا تتعدى كونها تفاصيل هامشية بالنسبة لمصالح الشركات الفرنسية العاملة في تركيا. فرغم كل شيئ، تعد فرنسا سادس أكبر شريك تجاري لتركيا من حيث الواردات والصادرات مع وجود فائض في الميزان التجاري بينهما قدره 1.3 مليار يورو لصالح فرنسا في عام 2016.
وهناك أيضا مقاتلو داعش الفرنسيون الذين تحركوا بحرية لسنوات بين فرنسا وسوريا من خلال "الطريق التركي السريع"، حيث بدأ النظام التركي يتصرف فجأة كما لو أنه يتعاون في هذا الملف الشائك مع مواصلة سياسة "التلاعب بالألفاظ"، كما يضم جدول الأعمال التركية الفرنسية أيضا الإجراءات التركية لتشديد الرقابة على حدودها الغربية بموجب ما يسمى باتفاق اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في 16 مارس 2016.
ولكن في نهاية المطاف كان من الممكن أن تعالج كل هذه القضايا على نحو معقول من خلال الوزارات المعنية من كلا الجانبين، لكن الرئيسين اتفقا على التفكير عكس ذلك، وهنا تكمن غرابة ذلك الوضع بشكل يبعث على التشاؤم.
فبدون الحصول على أي شيء ملموس في المقابل، منح ماكرون أردوغان الفرصة الذهبية التي كان يبحث عنها جاهدا من أجل إضفاء الشرعية على نفسه في أعين ناخبيه وشركائه الغربيين منذ الانقلاب المثير للريبة الذي وقع في 15 يوليو 2016 وبعده الاستفتاء على النظام الرئاسي، أو بالأحرى على النظام الديكتاتوري، في 16 أبريل 2017، والأفعال الشنيعة التي يرتكبها نظامه القمعي، مثله مثل أي زعيم استبدادي آخر يسعد بزيارة باريس أو أي عاصمة أوروبية أخرى لتعزيز صورته.
وحصل أردوغان على مراده بالكامل! أما أولئك الذين لا يزالون يعتقدون أن احتمالات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي امر كان قائم خلال هذه الزيارة فهم يتمسكون بأضغاث أحلام، وذلك لأن أردوغان نفسه تخلى عن هذا الهدف منذ فترة طويلة وإلى غير رجعة، كما أنه ليس فقط لا يبالي بمسألة انتهاكات حقوق الإنسان، وإنما يعتز بها ويفتخر بشكل لا لبس فيه.
لذا، يبقى السؤال: "ما هي الطريقة الأفضل للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية عندما تتغلب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للديمقراطيات الغربية الصناعية على المبادئ الديمقراطية؟"
الإجابة السحرية هي "الاسترضاء"، وهي سياسة عكفت جميع الديمقراطيات الغربية، إما عن علم أو عن جبن، على انتهاجها على الرغم من نتائجها الكارثية في الماضي.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/france-turkey/macron-vs-erdogan-keeping-dialogue-non-democracies