ماكرون يتدخل، وقرّاء "لوبوان" يعتمدونها مرجعا لفهم سر تبخّر الديمقراطية في تركيا

باريس - اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الاثنين أنه "من غير المقبول إطلاقا" إزالة ملصقات دعاية لمجلة "لو بوان"، التي تصف في غلافها الرئيس التركي أردوغان بـِ "الديكتاتور"، من أكشاك الصحف "كونها لا تروق لأعداء الحرية".
وكتب في تغريدة على تويتر أنّ "حرية الصحافة لا تقدر بثمن، فمن دونها ستكون هناك ديكتاتورية".
ونددت المجلة الفرنسية الأسبوعية بـ "مضايقات" استهدفت آخر أعدادها خصوصا في جنوب فرنسا.
وذكرت المجلة على موقعها الإلكتروني أنه "بعد أسبوع من المضايقات والشتائم والترهيب والإهانات المعادية للسامية والتهديدات التي وجهت إلينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ها هم أنصار حزب العدالة والتنمية (حزب الرئيس التركي) يهاجمون رموز حرية التعبير وتعددية الصحافة".
وفي ضواحي مدينة افينيون في جنوب البلاد في قرية بونتيه، أجبر بائع صحف في كشك على سحب إعلان دعائي عبارة عن صورة للغلاف الأخير للمجلة إثر ضغوط مارستها مجموعة من الناشطين الأتراك من أنصار أردوغان.
وقال كزافييه ماغنان مدير مكتب عمدة بونتيه جوريس ابرار من حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف "قامت مجموعة من الأتراك من أنصار أردوغان بتهديد صاحب الكشك لترهيبه وإجباره على سحب صورة دعائية لغلاف المجلة".
وكتب فوق صورة أردوغان على غلاف المجلة "الديكتاتور. إلى أين يمكن أن يصل أردوغان؟".
وقال مدير المجلة اتيان غيرنيل ردا على سؤال لفرانس برس "هذا غير معقول إنهم يعتقدون أن بإمكانهم فرض رقابتهم في فرنسا".
يُذكر أنّ العلاقات الفرنسية – التركية شهدت مؤخرا توترا كبيرا على كافة الصعد وفي كثير من الملفات التي تخصّ الشأن التركي الداخلي والخارجي على حدّ سواء، وآخرها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية المبكرة الشهر القادم، والتي ترى فرنسا عدم مشروعيتها في ظلّ قانون الطوارئ المفروض منذ نحو العامين في تركيا.
وقد ظهرت بوادر الأزمة خصوصا بعد المعارضة الفرنسية الشديدة لقيام الجيش التركي باحتلال منطقة عفرين السورية. وأعقب ذلك استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفدا من منطقة الإدارة الكردية في شمال سوريا في مارس الماضي، وعرضه للوساطة الفرنسية بين الأكراد وتركيا، وهو الأمر الذي رفضته أنقرة مُعتبرة أن لا تفاوض مع من تُسميهم "الإرهابيين".
ولوحظ مؤخرا التزايد الكبير للقوات الفرنسية في سوريا لمواجهة التهديدات التركية للأكراد، فقد كشفت مصادر كردية سورية مُقربة من قوات سوريا الديمقراطية، أن تعزيزات عسكرية فرنسية كبيرة وصلت الأسبوع الماضي إلى شمالي سوريا عقب التهديدات التركية بالدخول لمناطق نفوذ التحالف الدولي خصوصا في مدينة منبج السورية. وأشارت المصادر إلى أنّ بعض تلك القوات انتشرت بالفعل في مناطق التماس مع القوات التركية والفصائل الموالية لها في منطقتي جرابلس والباب شمال شرق حلب.

"أردوغان، هل هو هتلر جديد؟"

وبشكل عام، فإنّ الصحافة الفرنسية لا تتوقف عن مُهاجمة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان واضطهاد الأكراد والتدخل في دول الجوار، وسعيه لتغلغل الإسلام السياسي في أوروبا. وكان آخرها مجلة "لو بوان" التي خصّصت له في عددها الأخير هذا الأسبوع تحقيقا شاملا وموسعا ضمّ العديد من المقالات والدراسات التحليلية، وزيّنت المجلة العدد بصورة كبيرة للرئيس التركي شغلت غلافها الأول بالكامل، وعنونته بـِ "الدكتاتور.. إلى أين سيذهب أردوغان".
وفي حين أشارت المجلة على غلافها إلى أنّ الملف يتحدث عن جنون العظمة لدى أردوغان ويفتح العديد من الملفات السياسية، ومنها شبكة علاقاته الإسلامية في فرنسا، والجرائم التي يتم ارتكابها، فإنّ افتتاحية العدد في الداخل جاءت تحت عنوان: "أردوغان، هل هو هتلر جديد؟".
وتحدّث العدد الخاص بأردوغان، عن بقاء الرئيس التركي في السلطة لمدة 15 عاما، مُشيرا إلى أنّ أردوغان وهو يستعد لانتخابات مبكرة في 24 يونيو الحالي هربا من مشاكل بلاده الاقتصادية وخوفا من تفاقمها، إنّما يقوم ببناء نظام استبدادي يهزّ ويُهدّد أوروبا كلها.
واستعرض المقال، وفقا لما تمّ نشره في موقع 24.ae، نقاط التشابه الكثيرة بين هتلر وأردوغان، وخاصة فيما يتعلق بإصرار الرئيس التركي على وصف أكراد سوريا بالإرهابيين، بل إنّه يُعامل أكراد بلاده على أنهم أقل درجة من الإنسان وفقا للمجلة الفرنسية، وذلك نتيجة التمييز الكبير بحقهم لدرجة عدم تمكّنهم من استخدام لغتهم الأم فيما بينهم، كما ويتم اعتقالهم وقتل كثيرين منهم من قبل الشرطة والجيش بدون أيّ أسباب. ويؤكد المقال بالمقابل أنّ للأكراد حركة ثورية مشروعة لا تتم إدانتها إلا من قبل الدولة التركية فقط.
كما ورد في المجلة مقال آخر تحت عنوان "عفرين، القرية الشهيدة"، هاجم فيه كاتبه الجيش التركي وعمليته العسكرية التي سمّاها "غصن الزيتون" وشنّها مع الجيش السوري الحر وفقا للإعلام الرسمي التركي، بينما ينتمي أعضاؤه الذين شاركوا في حرب عفرين في الواقع لتنظيمات إسلامية مُتشدّدة مُختلفة التوجّهات والمصالح.
بالمقابل نصح قراء المجلة في انطباعاتهم حول المقالات المنشورة عن الرئيس التركي وفترة حكمه الطويلة، تدريس العدد الأخير من "لو بوان" في المدارس لتعليم الطلبة كيف تختفي الديمقراطية وأساليب النظام الديكتاتوري. فيما عبّر كثيرون منهم عن رفضهم لأيّ استئناف لمفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في ظلّ حُكم أردوغان، وذلك بسبب التفاوت الكبير في قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بنظرهم.
تحقيق "لو بوان" وملفها الشامل الصادم لحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، استدعى هجوما تركيا حكوميا وإعلاميا واسعا ضدّ المجلة وفرنسا والحكومات الأوروبية عموما. لكنّ المُلفت هو بيان ما يُسمى مجلس العدل والمساواة والسلام الدولي في باريس المؤيد للحزب الإسلامي الحاكم في تركيا، والذي استهجن ما نشرته المجلة الفرنسية ضدّ أردوغان، وضدّ مؤسسات وأشخاص تابعين له من أصول تركية موجودين في فرنسا. وذكر البيان أنّ "الثقافات المختلفة التي تعيش في أوروبا وعلى رأسها فرنسا، ترى في أردوغان "نيلسون مانديلا القرن الـ21"، وهو ما تنفيه تقارير الإعلام الغربي في أوروبا كلها وليس في فرنسا فقط.