عمر تاشبنار
ديسمبر 12 2017

ما الذي يؤجج المشاعر المناهضة لأمريكا في تركيا؟

تعد المشاكل الداخلية في تركيا والتراجع في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا أمورا ليست بالجديدة بالنسبة لذوي الخبرة من صناع السياسة الأمريكية.

فبنظرهم، لطالما مثلت تركيا أرضا خصبة مليئة بالتحديات الكبرى وأيضا بالفرص الوافرة، لدرجة أن المزحة القديمة التي تقول إن "البرازيل هي أرض المستقبل، وستظل ذلك دائما" تبدو أنها تنطبق أكثر على تركيا.

ومع ذلك، فإن تركيا، مقارنة بالبرازيل، تقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية جغرافية أكبر وأكثر قوة في العالم. كما أن المخاطر أعلى بكثير لأن تركيا لها أهمية رمزية إضافية في عصر يشهد "صراع حضارات" آخذا في السوء بين الإسلام والغرب.

وتمثل تركيا أيضا البلد الإسلامي الأكثر تمتعا بطابع مؤسسي غربي في العالم، وذلك بوصفها بلدا عضوا مسلما فى حلف شمال الأطلسي ومرشحا "دائما" للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى.

وعلى الرغم من جميع انتهاكات حقوق الإنسان وتراجع الليبرالية في تركيا، فإنها لا تزال أيضا البلد الأكثر ديمقراطية وعلمانية في العالم الإسلامي. (وهذا الوضع ينبغي أن ينبئنا بأمر في غاية الأهمية عن حال العالم الإسلامي).

تركيا، مع كل هذا، لديها سجل حافل من الانتخابات التي أدت إلى انتقال سلمي للسلطة السياسية في العديد من المرات منذ بدء الانتخابات متعددة الأحزاب عام 1946.

وبفضل نظامها الرأسمالي النشط القائم على المشاريع الحرة والنمو الذي تقوده الصادرات، وشبابها الذين يشكلون النسبة الأكبر من عدد سكانها البالغ نحو 80 مليون نسمة، والطبقة الوسطى المتعاظمة بها، تتمتع تركيا أيضا بمقعد في كل من مجموعة الـ20 ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتكتل الأطلسي المكون من معظم الدول الغربية.

كما أنها دولة سخية عندما يتعلق الأمر بفتح حدودها للاجئين، حيثما سيؤكد ثلاثة ملايين سوري هربوا من جحيم الحرب الأهلية الدائرة في بلادهم وجاءوا إلى تركيا.

كل هذه العوامل تثبت أن تركيا تمثل نموذجا مثاليا عن التناقض، إذ تجمع بين الإمكانات الكبيرة والواعدة وخلل جسيم في النظام في الوقت ذاته وبنفس القدر.

ولا تنفك السياسات التركية تخيب ظن الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي دائما ما يكون لديها آمال كبيرة في التعاون مع أنقرة.

وأدركت إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش هذا الأمر بطريقة ليست بالسهلة عام 2003 حينما كان تعاون تركيا يمثل أمرا حاسما في خطط الحرب لغزو العراق باعتبارها البلد العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي الذي يحتضن قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة وله حدود مع العراق.

ومع ذلك، وبعد ما يقرب من عام من المفاوضات الصعبة وتقديم حوافز مالية بمليارات الدولارات، رفض النواب الأتراك في اللحظة الأخيرة مشروع قانون يهدف إلى فتح الأراضي التركية أمام القوات العسكرية الأمريكية.

وقتها، كما هو الحال الآن، لعبت النظرة السلبية السائدة للرأي العام التركي تجاه الولايات المتحدة دورا حاسما. وبصفة منتظمة، يظهر الأتراك في قمة استطلاعات الرأي حول مدى انتشار النظرة السلبية إزاء الولايات المتحدة في المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، تدهورت المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في تركيا من سيئ إلى أسوأ بسبب قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بتسليح القوات الكردية السورية.

وفي يوليو 2017، أظهر استطلاع للرأي أن 72 في المئة من سكان تركيا يرون أن الولايات المتحدة تشكل تهديدا أمنيا للبلاد. وهذه النسبة وغيرها من الأرقام التي تُظهرها مثل هذه الاستطلاعات لها دلالتها الهامة، حيث أن تركيا، بخلاف معظم دول الشرق الأوسط، تتمتع بنظام سياسي تحدد فيه الانتخابات من الذي سيحكم البلاد.

وما يجعل الاستياء الشعبي تجاه الولايات المتحدة أمرا ذا عواقب كبيرة هو هذا المزيج من السياسة الانتخابية والشعبوية الفجة التي نراها في تركيا هذه الأيام. ونظرا للنزعة الاستبدادية الحالية في البلاد، فإنه من السهل في بعض الأحيان أن ننسى أن الانتخابات واستطلاعات الرأي تشكل أهمية حقيقية هنا.

ولذلك يشكل ما يعتقده الناس ومن يرونه مسؤولا عن المشاكل في المنطقة أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للرجل القوي المتربع على عرش الرئاسة التركية والمعروف بخبرته في الفوز بالانتخابات.

وإردوغان بكل بساطة سياسي شعبوي انتهازي، وفي الوقت الذي يؤجج فيه المشاعر المعادية للولايات المتحدة ويستمتع باستغلالها، يسارع إلى السياسيين الأمريكيين للتحذير من عواقب سياساتهم.

وظهر آخر مثال على ذلك في 16 أبريل 2017 حينما فاز إردوغان بفارق ضئيل في استفتاء حاسم بعد حشد مؤيديه عبر الاستعانة بخطاب قومي عدائي مناهض للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، غالبا ما يتساءل صناع السياسة الأمريكية عن كيفية مواجهة حالة العداء للولايات المتحدة في تركيا. الجواب على هذا السؤال يتطلب تشخيصا حقيقا للمشكلة.

في رأيي، حالة العداء التركية للولايات المتحدة ترجع في الأساس إلى مشاكل الهوية الخاصة بتركيا أكثر مما ترجع إلى السياسة الخارجية الأمريكية. فتركيا لديها مشكلتان رئيسيتان فيما يتعلق بالهوية: المسألة الكردية والإسلام، وكلاهما مصدر أساسي لكمية هائلة من نظريات المؤامرة حول الولايات المتحدة.

فمن ناحية، يعتقد معظم الأتراك أن واشنطن تريد دولة كردية مستقلة في الشرق الأوسط، وبالتالي فإنها تدعم القومية الكردية. ومن ناحية أخرى، يؤمن الأغلبية من الأتراك أيضا، وخاصة العلمانيين منهم، أن الولايات المتحدة تدعم الحركات الإسلامية السياسية في تركيا (غالبا الشخصيات الإسلامية المعتدلة مثل فتح الله غولن أو إردوغان في الماضي) على حساب الحركة الكمالية.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الأتراك تعرضوا لعملية تضليل وباتوا متحيزين أيديولوجيا، لأنه من الواضح أن الولايات المتحدة لا تدعم الاستقلال الكردي، كما رأينا في العراق. كما لا تعني مساعدة الولايات المتحدة للأكراد في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا أنها تدعم استقلالهم.

وعندما يتعلق الأمر بالإسلام السياسي، فإن فكرة أن واشنطن تدعم إردوغان أو غولن مثيرة للضحك، لأن أمريكا بكل واقعية ستتعامل مع من هو في السلطة في تركيا.

ونتيجة لذلك، ليس من الصعب الاستنتاج أن ما يغذي المشاعر المعادية لأمريكا ليس في الأساس ما تفعله الإدارات الأمريكية وإنما عجز تركيا عن إيجاد حل ديمقراطي لمشكلة هويتها العرقية والدينية.

ويمكننا فقط إثبات صحة هذه النظرية إذا ما اعترفنا أن معظم الأتراك ما زالوا يرغبون في إرسال أطفالهم إلى أمريكا للتعلم أو حتى للهجرة إذا كانت هناك فرصة لذلك. وهذا هو السبب في أن نسبة التقديم للحصول على البطاقة الخضراء الأمريكية عادة ما تتساوى مع مستويات معاداة الولايات المتحدة المرتفعة في تركيا.

هذا هو السبب في أننا لكي نفهم حقا ما وراء الاستياء التركي تجاه أمريكا، لا بد من إجراء تحليل نفسي لشعار "أيها الأمريكي عد إلى ديارك، لكن خذني معك!"

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: