Ergun Babahan
أغسطس 15 2018

ما الذي ينبغي على الشعوب الديمقراطي فعله في تركيا؟

تنزلق تركيا سريعا جدا نحو أخطر أزمة مالية في تاريخها في وقت تُحكم بقبضة نظام ديكتاتوري.

تعرض المجتمع برمته لعملية إسكات ممنهجة من خلال الضغط وممارسات الترهيب. وفي بيئة تراجع فيها سعر الصرف ليصل سعر عملتها (الليرة) إلى سبع ليرات أمام الدولار، لن تجد حتى رجل أعمال يجرؤ على الجهر بالشكوى.

وسائل الإعلام أيضا أصبحت بمثابة لسان يتحدث باسم الحكومة ويخفي الحقائق عن الشعب.

في هذا الوقت، تردى وضع المعارضة السياسية لحالة مزرية. فتجد حزب الشعب الجمهوري، الحزب اليساري الأكبر بين أحزاب المعارضة، منشغلا بالاقتتال على زعامته.

وبالتالي فلن يتيسر لنا معرفة ما أصاب حزب الشعب الجمهوري من انهيار قبل حلول موعد الانتخابات المحلية العام المقبل.

من هنا يتحول الانتباه بشكل تلقائي نحو حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، لكنه بدوره غارق حتى أذنيه في محاولات مسرحية داخل البرلمان.

وفي الواقع ليس هذا الوقت المناسب للتظاهر بأن البرلمان التركي يؤدي دوره، وليس هذا الوقت المناسب لبدء استجوابات برلمانية لا طائل من ورائها.

بل هذا هو وقت التراجع للوقوف في صف الجماهير، فكثير منهم لم يلمسوا حتى الآن مدى ضخامة الأزمة، لكنهم سيشعرون بوطأتها حتما حين تبدأ المصانع في التوقف عن العمل فيخسرون وظائفهم ويعجزون عن تدبير ثمن قوت يومهم.

في وضع كهذا، قد يتحول حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا إلى كيان أشبه بحزب سيريزا في اليونان. ولعل الأمر كان سيختلف لو أن زعيمه صلاح الدين دميرطاش، صاحب الشخصية الجذابة، لم يكن قابعا في السجن. لعل الحزب كان سيؤدي دوره بقدر أكبر من الفعالية.

قد تتحول أزمة مالية كتلك التي تعيشها تركيا إلى نقطة فاصلة. وسنرى كيف سيكون رد فعل أنصار أردوغان، الذين خرجوا بالآلاف للمشاركة في مسيرات مؤيده له، حين يواجهون شظف العيش بوجهه الحقيقي.

ستتحول هذه المسيرات إلى عمليات للبحث عن الأمل، وربما تكون الفرصة مواتية لحزب الشعوب الديمقراطي وعليه أن يحسن التعامل مع ذلك الأمل.

قد يفلح الحزب الموالي للأكرد في ذلك، ليس فقط من خلال مخاطبة الأقلية الكردية في تركيا، بل أيضا من خلال إقناع بقية الناخبين بأنه سيحمل صوتهم، وسيتعامل مع الأزمة المالية ويطرح حلولا ذكية لتخفيف معاناتهم.

بوسع الحزب الانخراط مع العمال الذين يفقدون وظائفهم، ومع المصابين الذين يعجزون عن تدبير ثمن العلاج. يمكنه تنظيم صفوف الفقراء والمحتاجين والمهمشين ليحمل صوتهم مطالبا بحقوقهم.

ليس هذا الوقت المناسب للوجود في البرلمان، بل هو الوقت المثالي ليكون الحزب في الشارع. هذا هو وقت العودة لصفوف الجماهير، من قرية لقرية، هذا هو الوقت المناسب للسفر في مختلف أنحاء البلاد وإخبار الناس بالحقيقة.

لا تزال في تركيا فرصة للتغيير وللديمقراطية. وبعد الدمار، سيكون علينا جميعا تنظيم صفوفنا والقيام بعمل جاد.

وهنا تبرز أهمية بيان دميرطاش:

"القضية الحقيقية هي أننا لم نكن مستعدين، وفي وضع هش، ولم نعمل من خلال خطة صالحة بشأن ما كان يتعين علينا فعله بعد الانتخابات. إن أكبر مأزق يواجه حزبنا هو أننا لم ندرك أن تلك الانتخابات لم يكن مقدرا لها أن تكون انتخابات عادية ولم ندرك أنها مهما حملت من نتائج، فلن تكن لتحمل سوى المزيد من الفاشية لهذا البلد. لم تتوفر لدينا (خريطة طريق) قابلة للتطبيق لاستراتيجيتنا بعد الانتخابات.

"بعد الانتخابات، تقف المعارضة بعيدة كل البعد عن امتلاك القدرة على إشعال حماس الناس وبث الأمل فيه نفوسهم. وفي مواجهة الفاشية، يبدو وكأن المعارضة تظن أنها فعلت الشيء الممكن الوحيد، وهو خوض الانتخابات وبالتالي لم يعد لديها شيء لتقوم به. وهذا منهج لا يمت للسياسة بأي صلة، بل يترك الناس تحت رحمة الفاشية."

ويضيف البيان "لكن أول شيء يتعين على القادة القيام به هو تشكيل جبهة جديدة للمقاومة. إن الاستمرار في هذه الممارسات المسرحية في البرلمان وكأنها ديمقراطية حقيقية هو بالضبط ما يريده التكتل الفاشي لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

"ولهذا السبب على وجه التحديد، سيكون من المهم أن يعود حزب الشعوب الديمقراطي من حالة السكون التي يعيشها حاليا وبأسرع وقت ممكن. فكيف يتسنى لأي حزب معارض منح الأمل لشعب لا يستخدم حقه في الاحتجاج، حين يتعمدون إبطال دستور البلاد، حين تفرغ القوانين من مضامينها ويتم تجريد البرلمان من سلطاته؟

"يحتاج قادة الحزب لأن يكونوا أكثر جرأة وأشد تصميما. لا يمكنهم قيادة جموع الشعب بينما هم في بحث مستمر عن تسويات وحلول وسط مع الفاشية. لا يمكن أن تتوقع من أحد دفع ثمن لا تدفعه أنت نفسك. وإن خلصت إلى أن هذه المرحلة الفاشية من عمر هذا البلد - حيث يتعرض الدستور للانتهاك - تحتاج لمعارضة ديمقراطية فعالة، فمن الضروري في هذه الحالة أن توافق ممارستك ما تؤمن به.

"إن أفضل طريق أمام أحزاب المعارضة لمواصلة هذا النضال تتمثل في تنظيم الصفوف من القاع. ينبغي على المعارضة أن تكرس القدر الأكبر من طاقاتها لتنظيم أنشطة وممارسات ديمقراطية. نحن مطالبون بقيادة الجموع للاحتجاج ضد هذا النظام الظالم اللا قانوني وضد ممارساته."

التغيير حتمي إذاً ولا مفر منه في بلد يمر بأزمة كهذه. ووحده حزب الشعوب الديمقراطي يملك المؤهلات اللازمة لقيادة هذا التغيير، عليه فقط أن يوسع رؤيته وتتوفر لديه العزيمة والإصرار للقيام بكل ما تتطلبه المرحلة الراهنة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: