Yavuz Baydar
أغسطس 17 2018

ما العمل مع معارضة تركية عاجزة وقاصرة؟

يتمثل أحد أهم أسباب الأزمة السياسية والمالية العميقة التي تغرق فيها تركيا هذه الأيام في المأزق الذي تعانيه أحزاب المعارضة بها.

فبعد نفور قطاع كبير من الناخبين منها، فإن كثيرين في الوقت الراهن ينظرون إلى المعارضة التركية باعتبارها كيانات عاجزة وقاصرة. ومثل هذه النظرة تصيب المعارضة بالشلل، وتجعلها تتراجع لتقف فقط في خانة المغيبين سياسيا.

ولا يمكن النظر لحالة اليأس التي تواجهها أحزاب المعارضة التركية باعتبارها فقط نتاجا للأزمة الحالية، بل هي مكون بالغ الأهمية في الأزمة المقبلة المتوقعة.

علينا في البداية أن نخرج حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد من هذه المعادلة. فهذا التحليل كان سيختلف كل الاختلاف لو أن أحزاب المعارضة الأخرى – التي تدعي أنها تنتمي سياسيا لليسار أو لليمين – لم تقرر تجاهل حزب الشعوب الديمقراطي قبل الانتخابات العامة التي جرت في يونيو عام 2015.

لكننا ندرك جيدا أن هذه الأحزاب بتأييدها قرار الحكومة رفع الحصانة من الملاحقة عن أعضاء البرلمان من الأكراد، وبتساهلها مع المواقف العدائية التي اتخذها حزب العدالة والتنمية الحاكم في اللجان البرلمانية، وبتجاهل دعوات منطقية للمقاطعة من داخل دوائرها الانتخابية ذاتها، ومن خلال تصرفاتها التي لا تحمل أي بعد نظر، فإن هذه الأحزاب التي تدعي انتماءها لتيارات الوسط السياسي قد لعبت دورا شديد الأهمية في انزلاق تركيا إلى الأزمة الحالية.

لقد فشلت أحزاب المعارضة في إدراك أبعاد الأفق السياسي الجديد، واندفعت بدلا من ذلك في سباق للحصول على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الذي يكاد الشلل يعجزه.

ولقد ساعد نظام التحالفات الانتخابية أولئك الساعين وراء المقاعد الانتخابية أيضا لأسباب لعل أهمها أنها مُنحت كل من يصنفون في خانة المؤيدين لزعيمهم، وليس لمن يستطيعون بحق تمثيل القاعدة الانتخابية.

وهذا النظام، الذي فرض من قبل أردوغان في الأشهر التي سبقت انتخابات الرابع والعشرين من يونيو الماضي، سيؤدي تقريبا إلى تحييد الدور التشريعي للبرلمان. لكن الطبقة السياسية المتعفنة لا تأبه على ما يبدو بما قد يحدث.

نتيجة لذلك، فإن الأحزاب التي احتفلت بكل حماس بحصولها على مقاعد في البرلمان تحولت اليوم إلى حاملي أختام لتمرير قرارات الحكومة، أو لعلها تكتفي وتراقب في صمت ما أوصلها إليه أداؤها السلبي.

لطالما شعر حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي، وأعضاؤه بالرضا عن أنفسهم. ولن تجد من المنتقدين من يختلف في الرأي على أن هذا الحزب يجد نفسه في دور المحلل لقرارات النظام.

والآن، وبعد ضمان حصولهم على الرواتب البرلمانية السخية، فإنهم سيتصرفون بتساهل أكبر. هذه حقيقة لا تقبل الشك.

كثير من نواب المعارضة في البرلمان لا يحضرون من أجل نقل مطالب من يمثلونهم، بل بحثا عن مصالحهم الخاصة و/ أو مصالح الطوائف والقبائل التي ساعدتهم في الوصول لما هم فيه.

ويعكس السلوك القبلي لهؤلاء النواب حقيقة مريرة عن السياسة في تركيا. فهذا النمط اللا أخلاقي كان قد توقف لفترة قصيرة بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في عام 2002، لكنه وجد طريقه للعودة مرة أخرى مع انتخابات الرابع والعشرين من يونيو.

كما أن هذا الملمح من السياسة التركية هو أيضا جزء من الأزمة السياسية والمالية المقبلة.

لكن، وبغض النظر عن كل هذا، فإن السلوك الواهن للمعارضة يأتي في قلب الأزمة الحالية، وهو سلوك أثار قدرا غير مسبوق من الازدراء، أو لنقل الملل، في أوساط القواعد الانتخابية.

يتابع أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارك التي تدور داخل الحزب منذ ما يزيد على شهرين. وللمفارقة، فإن أغلبية من يريدون التغيير في الحزب هم أشخاص غير منتخبين لعضوية البرلمان، أو بعبارة أخرى، من فقدوا رواتبهم السخية. أما المنتخبون أعضاء برلمانيين فيرغبون في استمرار الأمور على حالها.

كثيرون من الناخبين المؤيدين لحزب الشعب الجمهوري يقولون إنهم لن يمنحوا أصواتهم للحزب مرة أخرى، ولعل  الانتخابات المحلية المقبلة المقررة العام المقبل ستعكس هذا الأمر.

وحتى الآن، لم يفلح المعارضون للزعامة الحالية لحزب الشعب الجمهوري في الحصول على توقيعات كافية لعقد مؤتمر للحزب من أجل اختيار زعيم جديد.

وأمام هؤلاء الآن ثلاثة خيارات:

- أن تحاول جميع ما يكفي من توقيعات لعقد مؤتمر استثنائي للحزب.

- أن تحصل على 250 توقيعات وهو العدد اللازم لعقد مؤتمر وفقا للوائح الحزب.

- العمل على الاستعداد لخوض الانتخابات المحلية.

قد يخرج البعض ليطالب بالصبر أثناء هذه المرحلة المؤلمة البطيئة، لكنه أمر اعتدناه من حزب الشعب الجمهوري بعد كل هزيمة انتخابية تقريبا، مرارا وتكرارا، عاما بعد عام.

البعض يزعم أن العقبة الأساسية التي يواجهها الحزب الآن هي دستوره. لكني أتمنى لو أن الأمور كانت بهذه البساطة. فهذا وهم.

آخرون يزعمون أن الحزب سيتحول إلى ملجأ للعلويين وسيغلق بابه في وجه الآخرين. حسنا، بما أن السياسة التركية تتشكل على الهوية هذه الأيام، فلا جدوى من إنكار أن هذا ربما يكون جزءا من المشكلة.

بل إن المشكلة الحقيقية هي أن حزب الشعب الجمهوري ينجح في الاختباء في أركان عميقة لحالة اللا وعي الجماعية التي يعاني منها: أيدولوجية الحزب، برنامجه، أو عدم امتلاكه لأيديولوجية أو برنامج من الأساس.

فالأثر السياسي لحزب الشعب الجمهوري قد استنفد بمرور الوقت كل مخزونه؛ لننظر كيف فقد الحزب تأثيره على القواعد، ويتوقع من الناخبين أن يقتنعوا بأنهم لا يملكون أي خيار آخر وأن يأتوا للحزب صاغرين، وليس العكس.
وهذا بالتحديد ما يحدث الآن بعد أحدث هزائمهم.

في الوقت نفسه، فإن تركيا تنزلق نحو أزمة مالية وسياسية كاسحة. ولا يمكن لأي من الأحزاب السياسية المعارضة، وبصفة خاصة حزب الشعب الجمهوري، أن ينسب لنفسه الفضل في وجود الأزمة السياسية التي يكتوي أردوغان بنارها اليوم.

فطيلة السنوات الست عشرة الماضية لم يكن لأردوغان من منافس حقيقي إلا الاقتصاد. فالاقتصاد كان مرشحا للانهيار ما إن يترنح أردوغان ويسقط ليسقطه معه.

وهذا بالتحديد ما يحدث اليوم.

لكن الأمر المحزن هو أن حزب الشعب الجمهوري يعجز عن استغلال الفرصة لمنافسة أردوغان، بل لعله لا يدرك أن هناك فرصة للحشد من أجل توفير بديل واقعي وذي مصداقية.

بل الأسوأ هو انضمام الحزب لجوقة الحكومة في لوم قوى خارجية واعتبارها المتسبب في المشاكل التي تعانيها تركيا. فلو أن حزب الشعب الجمهوري يتبنى نفس السياسات التي تتبناها حكومة أردوغان، ويفكر بنفس العقلية، فما الذي يدفع الناخبين لتفضيله عن حزب العدالة والتنمية الحاكم؟

يشعر أردوغان الآن باليأس ويبحث عن حلفاء وعن سبيل للخروج من المأزق، لكنه يجد نفسه محاطا بطبقة من المقربين المتملقين قليلي الفائدة.

لعل من يقول إن حزب الشعب الجمهوري قد اقترب من نهايته على صواب، وربما كانت المخاطرة لبدء حزب اجتماعي ديمقراطي جديد أمرا ضروريا.

فطريق تركيا للعودة إلى المسار الديمقراطي سيكون صعبا وشاقا بعد هذا التغيير الذي شهدناه في النظام.

من المحتمل كذلك أن يؤدي نفور الناخبين من الحزب إلى تكبده هزيمة جديدة في الانتخابات المحلية.
لك

ن دعونا نتبنى وجهة نظر عادلة. فحزب الشعب الجمهوري ليس الحزب المعارض الوحيد الذي يعاني أزمة. فكل أحزاب المعارضة التركية تمر بنفس الوضع.

خذ مثلا وضع الحزب الصالح. فبعد أخذ ورد انتخبت ميرال أكشينار مرة أخرى زعيمة للحزب القومي المعارض في وقت سابق هذا الأسبوع. فما الذي ربحه الحزب من وراء ذلك. لا شيء.

فأكشينار لا تملك حتى القدرة على أن تقول أي شيء في خطاباتها.

حسنا سنعرض عليكم هنا بعضا من أكثر عباراتها قوة:

"لن نقول ما لم يسبق قوله. لن نأتي بأفكار لم يفكر فيها أحد قبلنا. لن نؤدي ألعابا سحرية. لا نملك عصا سحرية لنلوح بها. لكننا ندرك أن كل كلمة من القلب سيكون لها أثرها على الجموع. ندرك أن كل خطوة نتخذها بثقة ستكون لنا عونا. نتحدث بما نعرف، بما يعرفه الحكماء من الناس."

لم تقدم أي برنامج ولم تطرح أي وعود.

فالحزب الصالح، شأنه شأن حزب الشعب الجمهوري، باستثناء عدد قليل من نوابه البرلمانيين، يجيد الأقوال لا الأفعال.

إن الحزب الصالح بخطابه السياسي الفارغ جزء من الأزمة السياسية في تركيا.

حزب الشعوب الديمقراطي هو الآخر بأدائه المتحفظ جزء من الأزمة السياسية.

عانى الحزب بالطبع من التهميش والتصنيف من قبل الأحزاب السياسية التي تدعي انتماءها لتيار الوسط، لكنك لن تجد إلا القليل من نوابه البرلمانيين الذين لا يزالون يؤمنون بقدرتهم على معارضة الحكومة بفعالية وطريقة بناءة.

من الواضح تماما أن حزب الشعوب الديمقراطي يملك نظرة أفضل من غيره من الأحزاب السياسية الأخرى، ولعل هذا السبب وراء التزامه الصمت.

للحزب زعيم هو سليمان دميرطاش الذي يقبع الآن في السجن. وهو واحد من قلائل ممن نجحوا في تقديم تشخيص صحيح للموقف الراهن.

وحين يقول دميرطاش لأعضاء حزب الشعوب الديمقراطي بأن "عودوا إلى الشعب، عودوا إلى الشوارع"، فإن بطريقة أو بأخرى يقول لهم "لا تمارسوا اللعبة بطريقة الحكومة فتمنحوها الشرعية."

في خطاب بعث به من داخل السجن قال دميرطاش "القضية الحقيقية هي أننا كنا غير مستعدين، وفي وضع هش، ولم نعمل من خلال خطة صالحة بشأن ما كان يتعين علينا فعله بعد الانتخابات. إن أكبر مأزق يواجه حزبنا هو أننا لم ندرك أن تلك الانتخابات لم يكن مقدرا لها أن تكون انتخابات عادية ولم ندرك أنها مهما حملت من نتائج، فلن تكن لتحمل سوى المزيد من الفاشية لهذا البلد. لم تتوفر لدينا ‘خريطة طريق’ قابلة للتطبيق لاستراتيجيتنا بعد الانتخابات.

"إن الاستمرار في هذه الممارسات المسرحية في البرلمان وكأنها ديمقراطية حقيقية هو بالضبط ما يريده التكتل الفاشي لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. كيف يتسنى لأي حزب معارض منح الأمل لشعب لا يستخدم حقه في الاحتجاج، حين يتعمدون إبطال دستور البلاد، حين تفرغ القوانين من مضامينها ويتم تجريد البرلمان من سلطاته؟

لا أنقل هنا فقرات من رسالة دميرطاش لأقدم تصورات للطريقة التي يمكن لأعضاء حزب الشعوب الديمقراطي التصرف من خلالها؛ فهذا قرار يرجع لهم، هذه استراتيجيتهم. لكن ما ينبغي علي قوله هو أن دميرطاش هو الزعيم الوحيد الذي تحدث بصراحة وبانفتاح عن الأيام الحالكة التي تمر بها البلاد حاليا.

دعونا نلخص ما عرضناه في هذا المقال. إن الأزمة السياسية والمالية التي تمر بها تركيا حاليا هي أيضا أزمة المعارضة التركية. فأي معارضة تكتفي بالتحرك في نطاق الحدود التي يرسمها الحزب الحاكم هي معارضة محكوم عليها بالفشل.

على سبيل المثال، لو طلب أردوغان من أحزاب المعارضة بإظهار الوحدة والتضامن، فهل ستغض الطرف عن كل سياساته الفاشلة التي طبقها على مدى السنوات العشر الماضية؟ أغلب الظن أن هذا هو ما سيحدث فعلا.

هذه الأزمة الراهنة هي بمثابة نقطة فاصلة في التاريخ التركي. ومهما كان حجم الضرر الذي أصاب ديمقراطيتنا، فمن المهم والأساسي أن تعبر المعارضة السياسية هذه الأزمة بسلام.

فهي إن فشلت في البقاء، فقد تختفي المعارضة السياسية لتحل محلها قوى مقاومة، وستكون النتيجة مأساة حقيقية.
على حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، أن يوحد صفوفه. ومهما كان الطريق الذي سيقع عليه الاختيار، سواء باستبدال القيادات الحالية للحزب، أو تقسيمه، فإن حزب الشعب الجمهوري يحتاج إلى قرار سريع، من أجل الإبقاء على الفكرة المتمثلة في إمكانية تغيير النظام قائمة من خلال السبل الديمقراطية.

الوضع سيّئ بحق، وهناك حاجة حقيقة لأن تلتفت المعارضة السياسية لأزماتها وتحسن التصرف.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.