مارك بنتلي
يونيو 11 2018

ما قبل الانهيار.. النكران التركي في مواجه تحذيرات موديز

في قرار وكالة موديز للتصنيف الائتماني خفض تصنيف أكبر البنوك التركية تحذير دقيق في توقيته من متاعب تنتظر اقتصادا تضربه أزمات انهيار سعر العملة وارتفاع أسعار الفائدة.
لكن بالنسبة لمحمد علي أبكين، الذي يجلس على رأس كبرى المؤسسات الرقابية على البنوك في البلاد، فإن قرار موديز بخفض تصنيف 17 من البنوك التركية يوم الخميس يعد "غير أخلاقي". وقال أبكين إن هذه المؤسسات المصرفية تتمتع برأس مال جيد مع نسبة ضئيلة من الديون المعدومة.
غير أن قرار الوكالة الائتمانية ذائعة الصيت، الذي يأتي بعد قرار مماثل لنظيرتها فيتش في وقت سابق هذا الشهر، يصيب كبد الحقيقة مسلطا الضوء على المشاكل الاقتصادية والمالية التي تواجهها تركيا.
فبينما أفلح البنك المركزي التركي في السيطرة على تراجع قيمة الليرة من خلال رفع أسعار الفائدة بواقع 425 نقطة أساس لتصل إلى 17.25 بالمئة منذ مايو الماضي، فإن هذه الخطوات المتأخرة بهدف إنقاذ العملة التي تراجعت لمستوى قياسي مسجلة 4.92 أمام الدولار، تهدد بإطلاق موجة ثانية من المشاكل في صورة أزمة اقتصادية صغيرة كتلك التي أصابت تركيا على مدى الأشهر الثلاثة الماضية.
وفي قلب عاصفة المشاكل تقف البنوك التركية.
يوم الجمعة أشار أبكين إلى أن القطاع المصرفي يتمتع برأس مال قوي إذ تزيد نسبة كفاية رأس المال على 15 بالمئة. وأضاف أن نسبة الديون المعدومة إلى إجمالي الديون منخفضة للغاية، مسلطا الضوء على كفاءة المقرضين في إدارة أموالهم.
لكن نسبة كفاية رأس المال، التي تقيس قدرة البنوك على تحمل الخسائر دون الوصول إلى حافة الإفلاس، تتخذ منحنى تنازليا. فهذه النسبة في القطاع المصرفي بلغت 16.8 بالمئة بنهاية عام 2017، من واقع بيانات فريق أبكين نفسه.
ومن ناحية أخرى، فإن النسبة بين البنوك الأوروبية، التي عانت لسنوات جراء أزمة مالية، تجاوزت 18 بالمئة بنهاية العام الماضي مقارنة مع 17.3 بالمئة في العام السابق وفقا لبيانات البنك المركزي الأوروبي.
ويتوقع أن تشهد نسبة كفاية رأس المال مزيدا من التراجع حيث يتسبب تآكل قيمة الليرة في ارتفاع أسعار العملات الأجنبية وبالتالي زيادة قيمة أصول قياس المخاطر.
الأمر الأكثر صلة بالأزمة التركية هنا هو تراجع كفاءة الأصول لدى البنوك. تحدث أبكين عن أن نسب الديون المعدومة في القطاع المصرفي هي نسبة منخفضة، إذ مثلت فقط 2.9 بالمئة من إجمالي الديون بنهاية عام 2017 مقارنة مع 4.9 بالمئة في أوروبا.
لكن الأرقام تشير لثلاثة عوامل مهمة خادعة.
أولها أن لدى البنوك التركية ميلا متناميا لبيع الديون المعدومة لشركات تحصيل ائتمانية وبخصومات كبيرة من أجل الحفاظ على سجلات نظيفة.
على سبيل المثال فإن بنك يابي كريدي، رابع أكبر البنوك التركية المدرجة، باع ديونا غير منتظمة بقيمة 500.8 مليون ليرة (112 مليون دولار لشركات تحصيل بينها حياة فارليك في أبريل الماضي بقيمة إسمية لم تتعد 5.6 بالمئة؛ وهي نسبة ضعيفة للغاية مقارنة بالمستويات العالمية.
ثانيا، نسبة الديون غير المنتظمة للشركات التركية الصغيرة والمتوسطة بلغت نحو خمسة بالمئة من إجمالي الديون لشركات صغيرة ومتوسطة بنهاية عام 2017، وفقا لأرقام هيئة الرقابة على البنوك.
ومن المنتظر أن تزيد الديون غير المنتظمة كلما شاب الأداء الاقتصادي بطء – إذ يؤدي التراجع الاقتصادي عادة إلى ضعف المبيعات وتأخر العملاء في السداد، سواء مقابل بضائع أو خدمات.
كما قد تعاني الكثير من الشركات لسداد ديون بالعملات الأجنبية بعد الانهيار الذي أصاب قيمة الليرة.
يتسبب بيع الديون غير المنتظمة بأحجام كبيرة في خلق سوق موازية سريعة النمو، غير أن الأسعار تظل في انخفاض. ولا تتوفر بيانات رسمية عن الحجم الإجمالي لمثل هذه التعاملات.
ومن المنتظر أيضا أن تسفر الطلبيات الملغاة، ربما بسبب التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي، عن المزيد من التراجع في الأسعار وزيادة الفجوة بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية للديون غير المنتظمة المستحقة لصالح البنوك.
وستكون النتيجة مزيدا من الخسائر ومزيدا من التآكل في رأس مال البنوك.
العامل الثالث هو النسب الكبيرة التي تعلنها البنوك في عمليات إعادة هيكلة الإقراض، وهي عملية يتفاوض فيها العميل على شروط القرض لتخفيف وطأة الصعوبات التي تواجهه في السداد.
لنأخذ بنك على سبيل المثال (إيه.كي بنك)، وهو واحد من أكبر ثلاثة بنوك في تركيا، الذي قال إن القروض التي تخضع لديه لرقابة دقيقة، وبينها أجزاء من ديون أُعيدت هيكلتها، قد زادت بمقدار ثلاثة أمثال بنهاية الربع الأول لتبلغ 22.3 مليار ليرة، أو ما قيمته نحو عشرة بالمئة من إجمالي الديون.
ومثلما أشارت مؤسسة موديز، فإن "التراجع الحاد في قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي يتوقع أن تؤدي إلى زيادة في القروض التي تعثر فيها المقترضون في السداد إذ استدانت الكثير من الشركات التركية بالدولار دون أن يتوفر لديها غطاء كاف".
وتبلغ قيمة الديون غير المغطاة بالعملة الأجنبية للشركات غير المالية إلى 226 مليار دولار، أو نحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وفقا لبيانات البنك المركزي التركي.
بعض التكتلات التركية الكبرى، مثل يلديز هولدنج التي تصنع شوكولاتة جودفينا وبسكوت مكفيتيز، تقدمت بالفعل بطلبات للبنوك المحلية من أجل تحسين الشروط الخاصة بقروض بقيمة عشرة مليارات دولار.
ولا تتوفر بيانات خاصة بالشركات الصغيرة والمتوسطة، رغم أن من المؤكد أن تتسبب إعادة التفاوض على الديون في زيادة معتبرة في التراجع الاقتصادي وارتفاع كبير في أسعار الفائدة.
توقعت موديز أن ينمو الاقتصاد التركي بواقع 2.5 بالمئة هذا العام ثم اثنين بالمئة في 2019، مقارنة مع نمو بواقع 7.4 بالمئة في 2017 بفضل عمليات ائتمانية.
كانت توقعات موديز لعام 2017 قد شملت تحذيرات من الانكماش الاقتصادي، ربما في الربع الثالث من العام. وتتوقع الحكومة أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول بأكثر من سبعة بالمئة.
وتتوقع موديز كذلك أن يزيد التضخم في تركيا إلى 16 بالمئة من 12.2 بالمئة في مايو الماضي و10.9 بالمئة في أبريل على خلفية خفض قيمة الليرة وارتفاع أسعار النفط.
إن الزيادة الكبيرة في نسب التضخم تعني ارتفاع أسعار الفائدة. وبالفعل تصل نسبة الفائدة على الديون المقدمة للشركات إلى أكثر من 20 بالمئة سنويا، مثلما تشير بيانات متاحة على موقع شركة هانجي كريدي دوت كوم لإدارة الأسواق.
ويقول الموقع أيضا إن جارانتي بنك، وهو ثالث أكبر البنوك التركية المقرضة المدرجة، يعرض بيع ديون غير المنتظمة قيمتها 500 ألف ليرة أجل ثلاث سنوات بفائدة مركبة نسبتها 1.72 بالمئة.
ومن المنتظر أن تزيد أكثر وأكثر تكلفة إقراض الشركات نتيجة لقرار البنك المركزي برفع أسعار الفائدة، وهو أمر يسفر مباشرة عن زيادة الفائدة على الودائع ويجبر البنوك على زيادة الفائدة على الإقراض من أجل تحقيق هامش ربح.
تشير مؤسستا موديز وفيتش كذلك إلى تراجع قدرة الحكومة التركية على إنقاذ البنوك التي تواجه أزمات نتيجة لانهيار الملف الائتماني للبلاد وانخفاض احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي.
فالبنك المركزي الذي يرأسه مراد جيتنكايا لا يملك سوى 26 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية الصافية يمكنه التصرف فيها لتنفيذ عمليات إنقاذ محتملة، وهو ما يعني أن مسؤوليه سيفكرون مليا قبل تقديم أي دعم مالي للبنوك من خلال أسواق المال.
إن العجز الحالي في ميزان المدفوعات التركي، الذي يبلغ حاليا نحو ستة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتزامن مع تراجع في الاستثمارات الأجنبية في الأسهم والسندات، يعني أن احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية قد تقل أكثر مع اضطرار صناع القرار إلى اللجوء لهذه الاحتياطيات من أجل تمويل العجز.
ولا يمكن الآن الحكم إن كانت تلك الاحتياطيات ستكفي للتعامل مع أي ضغوط مالية على القطاع المصرفي دون اللجوء للحصول على حزم إنقاذ، ربما من صندوق النقد الدولي.
وفي النهاية يقف القطاع المصرفي التركي في انتظار غرامة كبرى محتملة قد تفرضها وزارة الخزانة الأميركية بينما تمضى التحقيقات في ممارسات بنك خلق الذي تديره الدولة التركية بسبب دوره في انتهاك عقوبات مفروضة على إيران.
وتسببت القضية بالفعل في سجن محمد حقان عطا الله وهو مسؤول تنفيذي في بنك خلق، لدوره في المخطط.
وقد تصل الغرامة المتوقعة على بنك خلق إلى عشرات المليارات من الدولارات حسب توقعات محللين، وهناك خطورة من أن ضم بنوك أخرى في لوائح اتهام قد تصدر عن محاكم أميركية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: