سزين اناي
نوفمبر 23 2017

ما مدى سلبية قضية ضراب على مستقبل العلاقات الأميركية التركية؟

1. غونول تول، مدير مركز الدراسات التركية، معهد الشرق الأوسط:

ذكرت مصادر أميركية مطلعة أن رجل الأعمال التركي ذي الأصل الإيراني، رضا ضراب، يتعاون مع مدعين فيدراليين أميركيين فى قضية غسيل أموال، يشتبه بالتورط فيها مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، مايكل فلين. وعلى ما يبدو أن المدعين الأميركيين ربما يبحثون عن وجود أى علاقات تربط بين الحكومة التركية وفلين. 
ويجري المستشار الأميركي الخاص، روبرت مولر، تحقيقاً لكشف ما إذا كان أردوغان منح فلين ما لا يقل عن 15 مليون دولار خلال عملية انتقال الرئاسة الأميركية فى ديسمبر الماضي لإعادة فتح الله غولن من الولايات المتحدة إلى تركيا والتأكد من اسقاط قضية ضراب. 
كل هذه الأمور تضع تركيا، ولا سيما أردوغان، على طاولة النقاش في الولايات المتحدة، مما سيلفت انتباه الجمهور الأميركي لمراقبة الأوضاع التركية عن كثب في الفترات القادمة. وسيزيد هذا حتماً من تمسك الكونغرس بسياسة انتقاده لأنقرة وبالتالي سيستمر بممارسة ضغوطه على الرئيس ترامب من أجل اتخاذ نفس الموقف تجاه تركيا.

2. هوارد آيسن ستات، أستاذ التاريخ بجامعة سانت لورانس وزميل غير مقيم في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط:

يبدو أن منتقدي الرئيس أردوغان متحمسون لرؤية نتائج قضية ضراب أكثر مما ينبغي. وعلى ما يبدو لن تستطيع هذه الفضيحة في النهاية الإطاحة بأردوغان من منصبه، فلقد واجه ما هو أصعب من ذلك. وأياً كانت نتيجة هذه القضية فمن السهل عليه جداً أن يتملص من ذنبه بدعوى أنها مؤامرة "غولينية" أو أنها محاولات غربية لزعزعة الاستقرار في تركيا. 
ومن جانبه يتضح أن أردوغان يأخذ القضية على عاتقه بمحمل الجد. فقد بذل ما في وسعه من أجل عرقلة التحقيق. وعلى الرغم من تعاطف إدارة ترامب من الخارج مع القضية، إلا أن تدخلهم في المحاكمة سيزيد الأمر سوءاً. ستمضي القضية قدماً ولا سيما أن هناك أدلة فعلية تؤكد على أن ضراب قد أبرم اتفاقاً.  
وستعتمد التداعيات بشكل كلي على المعلومات التي سيتم الكشف عنها في المحاكمة. ومن المؤكد أيضاً أن التحقيق سيتسبب في إحراج الحكومة التركية، ولكن تكاليف اهتزاز مكانة أردوغان المحلية ستكون أقل بكثير مقارنة باحتمال زيادة تقويض الاقتصاد التركي. 
وكنتيجة للقضية ستفرض الولايات المتحدة الغرامات الحادة على البنوك التركية ما قد يؤدي إلى إضعاف أسواق الأوراق المالية غير المستقرة بالفعل في تركيا. وتكشف هذه القضية أيضاً عن أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة هي علاقة تحالف بالاسم فقط، ولكن الشعور الحقيقي الذي يشوب العلاقة الآن هو شعور بعدم الثقة والاستياء سواء من جهة واشنطن أو من جهة أنقرة. ومن المرجح أن تؤدي قضية ضراب إلى تصعيد هذا الشعور. 

3. عمر تاشبينار، خبير السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، وأستاذ في جامعة الدفاع الوطني بالولايات المتحدة: 

تشكل قضية ضراب مصدر قلق كبير بالنسبة لأنقرة في علاقتها بالولايات المتحدة. ناقش أردوغان هذه القضية عدة مرات مع إدارتي أوباما وترامب على أمل أن تؤثر قوة السلطات التنفيذية في النظام الأميركي على مسار قضية التي وقعت في يد القضاء منذ البداية. ولكن على ما يبدو لا تعمل الأمور بهذه الطريقة في الولايات المتحدة. 
وحقيقة أن فريق دفاع ضراب قد استطاع ضم عمدة نيويورك السابق، رودي جولياني، إلى قائمته هو مؤشر آخر على مدى أهمية القضية بالنسبة لصانع القرار الرئيسي في تركيا. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنباء عن الاستراتيجية التي ينوي جولياني اتباعها لتحويل القضية إلى مسألة دبلوماسية دولية يتم من خلالها التوصل إلى اتفاق بين الدولتين. 
وعلى الرغم من ذلك، لم يُسفر لقاء جولياني بالرئيس أردوغان عن أي تقدم في هذه الجهود، بل وكشفت التقارير عن أن ضراب على استعداد الآن للاعتراف بذنبه وأنه سيتعاون مع المدعين العامين في الولايات المتحدة مقابل تخفيف مدة العقوبة. 
هذا التعاون بين ضراب والسلطات الأميركية لن يُرضي أردوغان لسببين رئيسيين. أولاً، ستُفرض عقوبات مالية كبيرة على البنوك التركية المتورطة فى تجارة الذهب مع إيران فى تحدٍّ للأمم المتحدة والعقوبات الأميركية المفروضة. 
ثانياً، من المحتمل أن يُعلن ضراب في اعترافاته عن أسماء قريبة جداً من محيط أردوغان وعائلته. 
وعلى الرغم من أن صورة أردوغان السياسية ستهتز قطعاً بمجرد حدوث ذلك، إلا أن العقوبات المالية التي سيتم فرضها ستزيد من تفاقم الوضع الاقتصادي في تركيا الذي يحظى بصورة سيئة فعلياً في أعين المستثمرين. وباختصار، ستضر قضية ضراب الاقتصاد التركي بشكل عميق، كما ستزيد هذه القضية من تفاقم العلاقات المتوترة بين أنقرة وواشنطن.

4. ريتشارد فالك، من مؤسسة ألبرت ميلبانك وأستاذ فخري في القانون الدولي بجامعة برينستون: 

هناك نوعان من الشكوك الرئيسية التي ترتبط بشكل وثيق بقضية ضراب. أولاً، هل كان هناك دافع سياسي وراء توجيه الاتهام لرضا ضراب، وهو ما يعكس موقف الولايات المتحدة المعادي لتركيا والمعارض لأردوغان؟ وبمجرد بدأ المحاكمة في قضية ضراب فإنه من المستحيل، نظراً لاستقلال السلطات القضائية الأميركية، على السلطة التنفيذية، بما في ذلك الرئيس ترامب، التدخل في الإجراءات القانونية. 
ولكن إذا كان الدافع وراء هذه القضية هو دافعاً سياسياً مصحوباً بأساليب مريبة لجمع الأدلة، كما تدعي أنقرة، فإن ذلك يُحتّم وضع الشكوك والاعتراضات التركية في عين الاعتبار. 
ثانياً، ما هو أكبر من قضية ضراب هو الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تدعم بشكل غير مباشر الحملات المعادية لتركيا والمعارضة لأردوغان، مثل حركة غولن، والأكراد، والمجتمعات الأرمنية في الخارج، والكماليون المتشددون، ومراكز الأبحاث الإسرائيلية والصهيونية. 
وقد شهدت علاقة تركيا بدول الغرب هزة عنيفة، وخاصة الولايات المتحدة، بسبب مجموعة من الأحداث التي حدثت على مدار الـ 15 عاماً الماضية، بدءاً من رفض تركيا انضمامها كعضو في الاتحاد الأوروبي، وحتى موقف الغرب السلبي تجاه محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو التي نقلت انطباعاً داخل تركيا أن أوروبا والولايات المتحدة لا تدعم حكومة منتخبة ديمقراطياً وحليفاً عندما واجهت تهديد الانقلاب، وأيضاً تردد هذه الدول في إدانة الحركة الغولينية الإرهابية "فيتو" على الرغم من وجود الأدلة الدامغة التي تؤكد تورط هذه الحركة في التخطيط للانقلاب. 
علاوة على ذلك، فإن التردد في احتجاز أو تسليم فتح الله غولن تركيا يعكس مدى توتر العلاقات الأميركية التركية ولاسيما بعد الدعم العسكري الأميركي لوحدات حماية الشعب السورية على الرغم من صلاتها بحزب العمال الكردستاني. 
وجاء تعليق واشنطن لتأشيرات دخول الولايات المتحدة بالنسبة للأتراك رداً منها على حادث قبض السلطات التركية على موظف قنصلي فى اسطنبول قبل بضعة أسابيع كضربة أخرى للعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. 
وباختصار، يبدو من المستحيل تفسير هذا الاتهام الأميركي الموجه لتاجر الذهب التركي الذي تلاعب بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران دون الأخذ بعين الاعتبار الخلفية العدائية التي تسمم العلاقات بين الدولتين في السنوات الأخيرة.
ضراب ما هو إلا مجرد قطعة واحدة في لغز العلاقات الجيوسياسية المتوترة بين الدولتين.

5. بول كوبيسك، أستاذ بقسم العلوم السياسية، جامعة أوكلاند:

قضية ضراب ليست سوى واحدة من العديد من التحديات التي تواجه العلاقات الأميركية التركية. فعلى الرغم من قلة أهميتها مقارنة بمسألة دعم الولايات المتحدة لغولن أو للأكراد السوريين، إلا أن هذه القضية تتمتع بدرجة عالية من الحساسية لدرجة أنها تستطيع أن تضر بسمعة حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان بشكل مباشر. 
وسواء تم إدانة ضراب أم لا، فهذا ليس مهم. ولكن ما يهم هنا حقاً هي المعلومات التي يعرفها ضراب وما إذا تم نشر هذه المعلومات. ومع ذلك، وبالنظر إلى قلق الحكومة التركية بشأن هذه القضية، يبدو فعلاً أن ضراب لديه بعض المعلومات الحساسة سياسياً. 
وإذا تبين أن الحكومة التركية، وربما أردوغان نفسه، قد تورطت بالفعل في قضية التلاعب بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، فذلك حتماً سيعرض الحكومة التركية لخطر محدق، وسيؤكد فكرة أولئك ممن يؤمنون أن تركيا "حليف" لا يمكن الاعتماد عليه، وهذا من شأنه أن يزيد الأمر سوءاً.

6. د. ليزل هينتز، أستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية والدراسات الأوروبية، جامعة جونز هوبكنز: 

يساور الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية قلق عميق إزاء محاكمة رضا ضراب لعدة أسباب جميعها ليس واضحاً إلى الآن.  
أولاً، وهو السبب الأكثر وضوحاً، شعور أردوغان بالقلق إزاء المعلومات والأسماء التي يمكن أن يكشف ضراب عنها للمدعين العامين الأميركيين. كما أن غياب ضراب عن الجلسة الأخيرة، على الرغم من تقدم تركيا بأربعة مذكرات دبلوماسية إلى الإدارة الأميركية تستفسر فيه عن مكان وجود ضراب عقب انقطاع الأخبار عنه في سجنه، إن كان يدل فإنما يدل على أنه ربما يكون ضراب قد تحول إلى مجرد "شاهد" أمام الحكومة الأميركية. 
وهذا بدوره لن يثير مخاوف انتقام تركيا فقط، بل إيران أيضاً. فقد أقرت طهران عقوبة الإعدام على كل من تورط في وقت سابق في قضايا فساد متعلقة بمخططات تجارة النفط، مثل باباك زنجانى ومحفار امير خوسرافي. وعلى الجانب التركي، يتزايد القلق من توريط مسؤولي حزب العدالة والتنمية أو أردوغان وأفراد عائلته إذا ما وشى ضراب بالمعلومات التي يحتفظ بها. 
ونجح أردوغان في تجنب التداعیات التي أعقبت فضيحة الفساد لعام 2013، ولكن في الانتخابات البلدیة التي جرت في مارس 2014، قام حزب العدالة والتنمية بزیادة حصته من الأصوات، بعد تلاعبه بنتائج الانتخابات لاعتقاد المؤيدين أن زعيمهم يمكن أن يفعل أي "خطأ" طالما أن ذلك يخدم الصالح العام في النهاية. 
ما يقلق أردوغان بشكل مباشر في هذه القضية هو مدى تأثيرها على الاقتصاد التركي، الذي يتأرجح فعلياً منذ فترة. ويبدو أن المستثمرين الأجانب لا ينظرون للفساد الداخلي الذي يحدث بنفس الطريقة التي ينظر بها مؤيدو حزب العدالة والتنمية. ومع استمرار هبوط قيمة الليرة التركية، سيُصعّب هذا الأمر على الحكومة التركية سداد الديون الخارجية ما سيؤدي حتماً إلى انسحاب الاستثمارات الأجنبية. من جانبه يحاول أردوغان أن يحافظ بقدر الإمكان على استقرار الاقتصاد لمواصلة الحفاظ على الدعم الانتخابي قبل الانتخابات البلدية والعامة والرئاسية لعام 2019. 
 ويمكن أن تؤدي الغرامات المحتملة التي ستُفرض على ستة من البنوك الرئيسية في تركيا، كنتيجة للحكم الصادر من محاكم الولايات المتحدة، إلى إلحاق أضرار بالغة بتصنيفات تركيا في المؤشرات المصرفية والتجارة الدولية، ناهيك عن تقويض صناعة البناء والتشييد التي تعتمد بشكل كبير على القروض المصرفية والتي تساهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي بتركيا. 
بدأت المحاكمة المقبلة بالفعل في التأثير على العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، باعتبارها واحدة من عدة أمور شابت هذه العلاقة منها تورط الولايات المتحدة المُتصوُّر في محاولة الانقلاب في 15 يوليو، ورفض واشنطن تسليم فتح الله غولن دون أدلة كافية، ومقايضة أردوغان بتسليم غولن مقابل القس الأميركي المُعتقل أندرو برونسون، والدعم العسكري الذي تمده الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب السورية في معركتهم ضد تنظيم داعش.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: