ما هو الصواب بشأن الحد الأدنى للأجور في تركيا؟

حدد حزب العدالة والتنمية الحاكم الحد الأدنى للأجور في 2018 عند 1603 ليرات شهريا بزيادة نحو 14 في المئة لكن دون تغير يذكر عند القياس بالعملة الأمريكية حيث سجل 382 دولارا.
يأتي الإعلان في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي كما تلوح الانتخابات في الأفق. وتتجاوز الزيادة السنوية نسبة التضخم التي سجلت 13 في المئة لكن لا تعني تحسنا في الأوضاع المالية للطبقة العاملة.
ولولا تعليقات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي وجه فيها انتقادا شديدا لأصحاب الحد الأدنى للأجور ووصفهم بأنهم "جاحدون" فإن الرقم لم يكن سيجذب انتباها كبيرا على الأرجح.
وفي متابعة لتصريحات أردوغان ولكن بطابع ساخر، قال مولود تشاووش أوغلو نائب رئيس الوزراء إن الشخص الذي يتحصل على الحد الأدنى للأجور يستطيع شراء سيارة جديدة (سعة 1400سي.سي) إذا ادخر 42 شهرا من راتبه موضحا أن الرقم كان 90 شهرا عندما وصل حزب العدالة والتنمية للحكم في عام 2002.
دعنا الآن نلقي نظرة قريبة على تطور الحد للأدنى للأجور في تركيا خلال حكم حزب العدالة والتنمية ومقارنته بتطور التضخم والوقائع في تركيا وعلى المستوى العالمي.
المقارنة الصحيحة ستبدأ بالطبع بمقارنة زيادات الأجر الأدنى التراكمية على مدار السنوات مع نسبة التضخم التراكمية لنفس الفترة.

مخطط اقتصادي

وباتخاذ عام 2003 قاعدة للقياس وهو العام التالي لانتخاب حزب العدالة والتنمية فإنه ينبغي لنا مقارنة الأجور بمجموعة من مؤشرات التضخم. وبالطبع تشمل المؤشرات تضخم أسعار المستهلك "المؤقت" وتضخم أسعار الغذاء باعتبار مؤشر أسعار المستهلكين الإجمالي بين 21 و 29 في المئة على مدار الأعوام الأربعة عشر الماضية، وأيضا مؤشر تضخم الإيجارات الذي يشكل ما بين 15 و 17 في المئة من مؤشر أسعار المستهلكين ثم الملابس (ثمانية في المئة) والتعليم (2.7 بالمئة) والصحة (2.6 بالمئة) والنقل (16 بالمئة).
النتائج صادمة وتثبت بوضوح أن حكومة حزب العدالة والتنمية جعلت حقا أصحاب الحد الأدنى للأجور على رأس أولوياتها على مدار 15 عاما في الحكم. وبشكل أدق، زاد الحد الأدنى للأجور بالتزامن مع التضخم المؤقت خلال الفترة من عام 2003 وحتى 2012 ثم زاد بوتيرة سريعة منذ ذلك الحين خاصة خلال الفترة بين عامي 2015 و 2017.
تشبه الفترتان المميزتان هاتين فترتي أسلوب الإدارة الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية – وبالتحديد منح الأولوية لخفض التضخم في الفترة بين 2002 و2012 ورفع النمو في الفترة بين 2012 و2017 على حساب التضخم المرتفع.
 

مخطط اقتصادي

دعنا نتحدث قليلا بلغة الأرقام.

باتخاذ عام 2003 قاعدة للقياس، ففي الفترة بين 2003 وحتى 2018 ارتفع مؤشر الحد الأدنى الصافي للأجور إلى 705 من 100. وهذا يشبه كثيرا مؤشر تضخم أسعار المستهلك "المؤقت"الذي سجل 357 وتضخم أسعار الغذاء (411)، وتضخم الإيجارات (472) تضخم تكلفة الرعاية الصحية (278)، وتضخم أسعار النقل (349) وتضخم التعليم (352) وتضخم أسعار الملابس (242).
وبقياس ذلك بالدولار، زاد الحد الأدنى الصافي للأجور من 150 دولارا في عام 2003 إلى 405 دولارات حتى وصل إلى النقطة التي أعلن فيها مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي (البنك المركزي) عن اعتزامه تغيير سياسته النقدية. وعندما بدأت قيمة الليرة في التراجع بعد عام 2013، وهي فترة ظل فيها التضخم مرتفعا، تراجع الحد الأدنى للأجور إلى نحو 380 دولارا، ولا يزال قويا نسبيا نتيجة تعديلين كبيرين في عامي 2015 و 2017.
التعديلات التي عرضها مكتب الإحصاءات التركي (تركستات) تثبت أن الحكومة فعلت ما في وسعها لدعم الشرائح منخفضة الأجر في تركيا وقد نجحت هذه السياسة  في أمرين – الأول  أنها ساهمت في تحفيز النمو الاقتصادي ما دامت معدلات الفائدة منخفضة والثاني وربما يكون الأهم أنها حافظت لحزب العدالة والتنمية على قاعدة الناخبين خلال فترة  عاصفة في السياسة الداخلية.

مخطط

لكن هذه ليست القصة الكاملة بالطبع

باعتبار أن الحد الأدنى للأجور هو 1603 ليرات للعام الجديد 2018 فإن عدم كفاية الأجور تتحدث عن نفسها.
ووفقا لبيانات اتحاد نقابات العمال التركي عن "حد الفقر"، الذي يشمل الانفاق الضروري على الملبس وإيجار المسكن والكهرباء والمياه والتدفئة وتكلفة الغذاء فإنه يصل إلى 5238 ليرة مما يزيد كثيرا حتى على طاقة أسرة يحصل فيها الأبوين على الحد الأدنى للأجر.
لذلك، يلزم إجراء تحليل مقارن لتحديد هل أصحاب الحد الأدنى للأجور في تركيا "جاحدين" حقا كما يزعم أردوغان.
تساعدنا ورقة بحثية نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان "الحدود الأدنى للأجور بعد الأزمة" في الوصول إلى النتيجة. ففي تحليل شمل 34 دولة من حيث قيمة الحد الأدنى للأجر في الساعة بالدولار الأمريكي بعد حساب الضرائب فإن تركيا جاءت في المركز 27.
تصدرت استراليا ولوكسمبورج القائمة بتسعة دولارت في الساعة وقبعت لاتفيا والمكسيك في القاع بأجور تقل عن دولارين في الساعة.
الحد الأدنى للأجور مطبق على نطاق واسع في دول المنظمة منذ عام 1990 ومطبق أيضا في أنحاء كثيرة من العالم.
وفي دول مثل تركيا حيث لا يملك العمال سلطة تفاوض قوية خاصة في ظل زوال قوة النقابات العمالية على مدار العقدين الأخيرين فإن الحد الأدنى للأجور وأيضا القواعد التنظيمية الخاصة بساعات العمل والشروط ذات الصلة حيوية لحماية الأجور. وكما جاء في تقارير كثيرة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي فإن الهدف من تطبيق برامج الحدود الأدنى للأجور هو تعزيز النمو الإجمالي وهي قضية شائكة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

مخطط اقتصادي

لكن تحليل ذلك لا يزال صعبا نظرا لأن الكثير من الدول ومنها تركيا تعرض برامج دعم مالي أخرى لزيادة الدخل لأصحاب الأجور المنخفضة.
مؤشر آخر في الاقتصاد الكلي وهو "مؤشر مُعامل جيني" الذي يقيس توزيع الثروة وانعدام المساواة. يتراوح المعامل من صفر إلى واحد حيث يمثل الصفر المساواة الكاملة ويمثل الواحد الانعدام التام للمساواة. 
وتسجيل درجة عند 0.40 على المؤشر أمر رائع بكل المقاييس، وأبرز المعدلات كانت في الدول الاسكندنافية وتراوحت بين 0.22 و0.25
وسجلت تركيا 0.43 درجة على مؤشر جيني في عام 2006 والآن تسجل 0.41، وهو ما يعني أنه ورغم النمو الاقتصادي القوي سواء قبل أو بعد الأزمة العالمية فإن حكومة حزب العدالة والتنمية  لم تحقق شيئا يذكر فيما يتعلق بتصحيح الانعدام المتزايد في المساواة بين أغنى وأفقر الشرائح في المجتمع.
أرقام الحد الأدنى المطلق للأجور والحدود الأدنى للأجور في تركيا وأيضا أرقام "معامل مؤشر جيني" تظهر أن حزب العدالة والتنمية لم يحقق سوى القليل لدعم الشرائح الأقل أجرا خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية. 
لا تزال تركيا ضعيفة عند مقارنتها بمستويات الحد الأدنى للأجور في دول أخرى بمجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وعند النظر إلى التحسن المحدود على "مؤشر جيني" خلال السنوات الماضية يتبين أن الثروة التي تراكمت منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 على وجه الخصوص لم توزع بين الفقراء على أي نطاق ملحوظ.
لذلك، يمكن للمرء أن يخلص إلى أنه توجد مبررات تجعل أصحاب الحدود الأدنى للأجور يشعرون "بالجحود" كما قال الرئيس.
يمكن قراءة هذا المقال باللغة الانكلزية ايضا: