ما هو ثمن ابتعاد تركيا عن الاتحاد الأوروبي؟

بحث الاتحاد الأوروبي التوسعة التالية المحتملة مع ست دول بغرب منطقة البلقان، في قمة استضافتها صوفيا؛ عاصمة بلغاريا، الأسبوع قبل الماضي.

ولم تتلقّ تركيا دعوة للمشاركة. والواقع أن عبارة (غرب البلقان 6) تستخدم الآن لتعريف الدول المرشحة للانضمام للتكتل، وهو وصف جغرافي يستثني تركيا بشكل ملائم.

ومع ذلك، لم يجر استخدام مصطلح "توسعة" لوصف اللقاء الذي استضافته صوفيا، بسبب المشكلات السياسية والاقتصادية في البلدان المنضمة حديثا للاتحاد الأوروبي، بعد عمليتي توسعة في عامي 2004 و2007، وأيضا بسبب الاستياء لدى بعض الدول الأقدم بشأن مصاعب تأقلم بعض الأعضاء الجدد.

إن إدارة الاتحاد الأوروبي المؤلف من 28 بلدا ليس مهمة سهلة، وبخاصة أن كل الدول الأعضاء، بصرف النظر عن حجمها، تملك حق عرقلة القرارات الرئيسة.

ورغم أنه من المفترض أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صدارة مهمة إعادة تدشين الاتحاد الأوروبي، إلا أنه لا يفضل ضم دول جديدة، ولديه حساسية تجاه كلمة توسعة.

ورغم أن مجموعة (غرب البلقان 6) صغيرة للغاية ولا يتجاوز إجمالي عدد سكانها 18 مليون نسمة، إلا أنها مهمة للاتحاد الأوروبي. ويشكل التأثير الذي تسعى روسيا وتركيا لتأسيسه في شرق أوروبا تهديدا لقيم الاتحاد الأوروبي ومن ثم أمنها. 

وتستخدم تركيا وروسيا استراتيجيات لبسط النفوذ تعود للقرن التاسع عشر داخل منطقة ممزقة عرقيا ودينيا ولذلك أصبح البلدان غريمين للاتحاد الأوروبي. 

وتسعى روسيا على وجه الخصوص لتحقيق أهداف طويلة المدى تضر باندماج الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال وكلاء وقواعد سلطة تابعة لها بتلك البلدان. ولذلك يريد الاتحاد الأوروبي انتهاء الاضطرابات في المنطقة، ويهدف إلى تأسيس سلام دائم يكون جزءا من أمنه. 

دعنا لا ننسى أن خمسة من هذه البلدان الست جمهوريات يوغوسلافية سابقة، ولا ننسى أيضا أنه وفقا للمحصلة النهائية فإن روسيا لا يمكن أن تقدم لهذه البلدان أي شيء غير الشقاق الديني والعرقي.

وتركيا لا تختلف كثيرا.  فسياساتها في المنطقة، خلال الأيام الجارية، هي في مجملها تقريبا، ممارسة ضغوط على حكومات لإغلاق مدارس مرتبطة بحركة غولن التي تتهمها حكومة أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016. علاوة على ذلك، فإن تركيا تحاول بيع السلفية مقابل المذهب البكتاشي بين الألبان، وتسعى لتحريض المقدونيين على اليونانيين. 

وظهر تطور جديد يخص الاسم الرسمي لمقدونيا لم تلحظه وسائل الإعلام. فقد اقترحت مقدونيا، التي تحظى دوما بدعم تركيا في خلافها مع اليونان بشأن اسمها، أن يتم تعريفها باسم جمهورية إليندنسكا مقدونيا. 

وإليندنسكا هو اسم انتفاضة للسلافيين في عام 1903 ضد الامبراطورية العثمانية أخمدتها إسطنبول في نهاية المطاف بحمام دم.

وقد أجرى الاتحاد الأوروبي مراجعات مهمة لسياسته بشأن التوسيع. ويمتنع النهج الجديد عن استخدام مصطلح التوسعة، ويستند على تنفيذ برامج شاملة مشتركة تهدف لضمان الوئام مع المكتسبات المشتركة للاتحاد الأوروبي عبر 35 فصلا تفاوضيا على أساس إقليمي علاوة على التحضيرات الخاصة لكل بلد مرشح. 

وفي ضوء النهج الألماني، فإنه سيتم الحكم على ملفات الدول المرشحة وفقا لما قامت به من إجراءات، وليس بشكل جماعي مثلما حدث في عام 2004.

وقد حددت المفوضية الأوروبية عام 2025 موعدا مستهدفا بشكل مبدئي لعضوية الجبل الأسود وصربيا، لكن بمقدور دول أخرى مثل مقدونيا الانضمام إليهما، كما يحق للاتحاد الأوروبي أن يقرر أن جميع المرشحين غير جاهزين.

ورغم أن الميزانية الجديدة للاتحاد الأوروبي للفترة من 2021 وحتى 2027 لا تتوقع أية عملية توسعة، إلا أن تخصيص 14.5 مليار يورو للدول المرشحة للانضمام قد يكون كافيا لعملية توسعة محدودة، وخاصة أن تركيا خارج المعادلة الآن.

وإذا تمكنت بعض الدول من إنجاز شروط العضوية فإن من الممكن تعديل الصناديق الهيكلية بسهولة لتمهيد الطريق لعملية الانضمام.

أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في بلغاريا بشهر مارس 2018

ستستمر الشهية الأوروبية للتجارة ومشروعات البنية التحتية في تركيا لبعض الوقت. ويوجد في الطريق من يتعثرون ويخسرون أموالا ويفلسون، لكن هذه هي المخاطر التي تكتنف حركة رؤوس الأموال. فالشهية والطمع متقاربان بشدة. 

لكن من الواضح أن الشهية ستتوقف عندما تقع حوادث كبيرة. فالافتقار إلى ضمانات قانونية وعمليات مراجعة، والضعف المالي للبلاد ومعه المشكلات المزمنة المرتبطة بمعايير العمل والبيئة ستفجر في النهاية مشكلات للشركات الأوروبية.

هذا ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي أصبحت أكثر وضوحا في الأسابيع الأخيرة. وباختصار، فإن الأرباح حلوة الطعم قد تتحول بسهولة إلى كوابيس. لكني لا أقصد الحديث عن هذا. إنني أود أن أشير إلى العزلة الدائمة البادية في الأفق ليس لأن شهية شركات الاتحاد الأوروبي قد تنتهي لكن بسبب نهاية التطلع التركي لأوروبا. 

وفي هذا السياق، دعنا ننظر في الصناديق الهيكلية والاستثمارية بالاتحاد الأوروبي من منظور تركي. دعنا نجري تقييما للموارد الموجهة إلى 12 دولة أصبحت أعضاء في الاتحاد الأوروبي في الفترة بين عام 2004 و2007 ضمن فترة الميزانية الجارية من عام 2014 وحتى 2020. 

قدمت الصناديق الهيكلية والاستثمارية الأوروبية 453 مليار دولار إلى 28 دولة. ومعظم هذه الموارد عبارة عن منح وليست قروضا. وقد اخترت أربع دول أصبحت أعضاء في الاتحاد خلال موجة التوسعة الأخيرة تتشابه اقتصاداتها مع الاقتصاد التركي.

هذه الدول هي بولندا ورومانيا والمجر وجمهورية التشيك، وقد اخترتها أيضا وفقا لعدد الإجمالي للسكان الذي يقترب من عدد سكان تركيا وهو 78 مليون نسمة.
لقد حصلت هذه البلدان على 169 مليار يورو من بين 453 مليارا في المجمل.

لماذا هذه المقارنة؟

هذه المقارنة تعيد إلى أذهاننا معنى علاقات تركيا بأوروبا التي تبدو قد نسيت بالكامل، وربما حذفت من بيانات أحزاب المعارضة الخاصة بالانتخابات.

بالطبع، الاتحاد الأوروبي لا يعني فقط الموارد المالية، إنه يعني أعلى مستوى من القيم والأعراف والمعايير والمبادئ في العالم. لكن اليوم وفي ظل حديث الجميع عن المال فإن تصور الوضع في ظل الاتحاد الأوروبي وبعيدا عنه أمر له مغزى.

ففي السنوات الأولى من عملية مباحثات الانضمام سخر الناس من المنح التي حصلت عليها تركيا من الاتحاد الأوروبي. وبدأت تلك المنح متواضعة وزادت بمرور الوقت لكن ليس على قدر متكافئ.

والآن لم يجر استخدام حتى نسبة العشرة بالمئة من الميزانية المخصصة لتركيا للفترة من 2014 وحتى 2020 وقيمتها 4.5 مليار يورو.

ووصل المأزق الاقتصادي اليوم إلى نقطة قد يكون من المفيد معها تذكر موارد الاتحاد الأوروبي ومعنى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

وتركيا منهارة ماليا وبعيدة عن أوروبا لا تقدر سوى على التقدم إلى "صديقها " القديم وهو صندوق النقد الدولي. بينما مد الاتحاد الأوروبي يده إلى اليونان عضو التكتل التي شهدت هي الأخرى إدارة سيئة على مدار سنوات، عندما وقعت في أزمة اقتصادية. وسواء تتفق مع وصفة الانقاذ التي كتبها الاتحاد الأوروبي لليونان أو لا فإن التضامن موجود بينما تقف تركيا وحيدة تماما.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/price-turkey-breaking-away-eu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.