ديسمبر 06 2017

ما هي أسباب استهداف أنصار البيئة في تركيا؟

نتيجة لزيادة نضال أنصار البيئة في تركيا من أجل الحفاظ على البيئة فإنهم يُستهدفون من قبل شركات الطاقة، ويتذكر أنصار البيئة مقولة علي بويوك نوهوتشو الذي قُتل خلال الأشهر الماضية: "كلا، إنني لا أخاف. لأن من يقف أمامي ليس قويًا. إن صاحب الحق هو القوي. أما غيره فهو الضعيف. نحن أقوياء. ولأنني أؤمن بذلك أشعر بأنني قوي. أصحاب الحق هم نحن أنفسنا!"، يتذكرون ذلك ويضيفون: إننا لن نبرح الشوارع!

وقد نشرت منظمة "غلوبال ويتنس" العالمية للبيئة وحقوق الإنسان تقريرًا في يوليو 2017؛ أفاد أنَّ 200 من أنصار وعلماء البيئة فقدوا حياتهم قتلًا في 24 دولة.

وتمثل البرازيل وكولومبيا والهند أكثر البلدان ارتفاعًا في نسبة القتلى من علماء البيئة. ويشير التقرير نفسه إلى أن هناك أدلة وبراهين مهمة حول وقوف رجال من الشرطة والجيش خلف 43 حالة من تلك الجرائم، وأن هناك حوالي 52 من موظفي الأمن العاملين لصالح القطاع الخاص أو القتلة المأجورين كان لهم دخل في حوادث الموت هذه.

وثمة سبب في أن يُستهدف هذا القدر الكبير من أنصار البيئة في العالم هو أنَّ تزايد استثمارات الطاقة والمناجم يؤدي إلى تسارع وتيرة نضال وكفاح البيئيين لأجل حماية مناطق الحياة فيها، كما تزداد كل أنواع الضغط والقمع بما يتناسب مع ذلك.

وإن لم يكن الوضع بالنسبة لأنصار البيئة في تركيا سيئًا إلى هذا الحد في الوقت الراهن، إلا أنَّ البيئيين الأتراك في مرمى الخطر أيضًا.

إن أقدم جريمة قتل لعالم بيئي معروفة في تركيا هي حادثة قتل المحامي جهان أرن، وهو من ريزا على البحر الأسود؛ حيث عارض إنشاء الطريق الساحلي هناك، وقد أُعلن بعد موته ب10 سنوات أنه كسب القضايا التي كان رفعها بهذا الشأن حال حياته. لقد قُتل أرن عام 2015 في مركز فندقلي في ريزا شمال تركيا على يد قاتل مأجور اعترف بارتكابه الجريمة، وقال: "لقد تأثرت بمسلسل "وادي الذئاب" لقد قتلته." إن أنصار البيئة الأتراك الذين لم يشهدوا لسنوات طويلة حوادث قتل لأفراد من أنصار البيئة استيقظوا صباح 10 من مايو على خبر قتل الزوجين علي وآيسن بويوك نوهتشو اللذين تصديا لشركات المحاجر في آنطاليا.

وقد سُجِّلت حادثة قتل الزوجين في بداية الأمر على أنها عملية سرقة بسيطة، وانتهى التحقيق في الواقعة بالقبض على علي يوماتش البالغ 31 سنة من العمر والقاتل المأجور من قبل مالكي المحجَر.

وكان انتحار يوماتش في السجن سببًا في توقية وتعزيز القول بأن الزوجين بويوك نوهتشو قُتلا من قبل شركات المحاجر. هذان هما المثالان فحسب لحوادث قتل علماء بيئيين أتراك. إلا أنّ هناك العديد من المدافعين عن علماء البيئة يتعرضون لتهديدات  شتّى.

ومن المعروف أن هناك عشرات من البيئيين في تركيا تلقوا رسائل تهديد إما عبر الهواتف أو الرسائل الشفهية؛ كل ذلك لإثنائهم عن مواصلة نضالهم وكفاحهم للحفاظ على البيئة.

على سبيل المثال قاومت كل من طوبى وبيرهان اللذان يعيشان في بلدة آلاقير مشروع إنشاء سنترال كهرومائي في منطقتهما، وشاركهما التصدي لهذا المشروع أورجون قراجيق أيضًا عضو جمعية "حماية غابات الشمال" وبينما أطلق الرصاص على منزلي طوبى وبيرهان تم طعن أورجون قراجيق في أثناء محاولته التصدي لعملية قطع الأشجار جرت 9 نوفمبر في منطقة أُصقمرو كوي في صاري ير.

أنصار البيئة في تركيا

وقد أجاب أورجون قراجيق على هذا التساؤل عنوان هذا الخبر فقال: "إن أنصار البيئة والمدافعين عنها يريدون عالمًا يمكن العيش والحياة فيه. ويطالبون بحماية الإنسان والحيوان والنبات والجداول والبحار. أي إننا نمنع النظام دون أن نعلم. وأظن أنني صرت أكثر شخص مستهدف في أُصقمرو كوي. لذلك فقد رغبوا في إخافة الجميع بالتعامل معي هكذا. إننا نستطيع أن نبطأ ونعرقل مطامعهم ببعض المشكلات البسيطة فحسب."

وقد ذكّر قاياجق بإنشاء الجسر الثالث بالرغم من عدم قانونيته، ونوّه إلى أن مسيرة نضال أنصار وعلماء البيئة وإن لم تمنع التعديات على البيئة إلا أنها بطأت من وتيرتها على الأقل. وبحسب قاياجق يعتبر المعتدون أنفسهم محقين فيما يرتكبون من اعتداءات على علماء البيئة وأنصارها.

وأشار قاياجق إلى أن العديد من البيئيين زاروه في المستشفى إثر تعرضه للجهوم، وأنه رفع دعوى قضائية لدى محكمة اسطنبول بشأن المعتدين عليه.

وقال قاياجق إنه بالرغم من مرور حوالي أسبوعين على الواقعة إلا أنه لم تتم إضافة أية معلومات جديدة إلى ملف القضية باستثناء المعلومات التي أدلى بها شخصيًا. كما انتقد عدم اتخاذ أي إجراء بحق المعتدين.

ونوَّه قاياجق إلى أن الاعتداء عليهم لم يوقف نضالهم ومسيرتهم لأجل البيئة، وأردف قائلًا: "يمكن أن تتكاثر الأشجار والنباتات والحيوانات في فترة معينة، ولكن حجرًا صغيرًا قد يستغرق ملايين السنوات حتى يتشكّل. وكذلك المناجم والمعادن. بل إن التربة المستخدمة في إنشاء الطرق تستخرج من المناجم. إننا نعرف قيمة بيئتنا، ولذلك نناضل من أجلها. أجل، إننا نخاف بعض الشيء، ولكننا حتى وإن خفنا فسنبقى في الشوارع والساحات وكل مكان نقاوم من أجلها."

ومن أشهر علماء وأنصار البيئة المعروفين في تركيا إسماعيل آق ييدلز الذي أصبح مدار حديث الكثيرين بسبب مقاومته لمشاريع السنترالات الكهرومائية في منطقة البحر الأسود.

يقول آق ييلدز إن التهديدات التي يتعرض لها علماء وأنصار البيئة تستمر بشكل متزايد، وهناك رغبة لإسكاتهم وقمعهم في ظل تطبيق قانون الطوارئ. وقد لفت آق ييلدز الانتباه إلى أنّ أحد الأهداف المرسومة لذلك أيضًا هو قمع حركة النضال المتنامية ضد القوانين التي تسهل التخريبات البيئية، وتابع كلامه: "بفضل ردود الأفعال المعارضة لقانون الزيتون تم مؤخرًا سحب هذا القانون. ونظرًا لاستمرار عمليات الهجوم المكثفة على ميادين وساحات الحياة في تركيا حيث أُخرست المعارضة المجتمعية ثمة نية مُبيَّتةٌ للتصدي لمقاومة ونشاط حركة البيئيين."

وذكر آق ييلدز أنه كلما زادت أبعاد الاعتداءات على أنصار وعلماء البيئة زادت لديهم فكرة التوحد والتكاتف، وأشار إلى أنّه في المنتدى الذي أعقب حفل تأبين "بويوك نوهوتشو" في 27/28 مايو 2017 بدأ الحديث يدور حول فكرة عقد مؤتمر بيئي على مستوى تركيا.

وصرح آق ييلدز: "إن مساعينا وجهودنا متواصلة من أجل توفير الظروف اللازمة لعقد مؤتمر كهذا". كما أكّد: "إننا جمعية "المسافرون من أجل الحياة والتكافل(YDY)" نعمل جادين ومثابرين لتكوين شبكة بيئية على مستوى البلاد من أجل تحقيق هذا الاتحاد والتعاون لصالح البيئة." وتابع: "إن تلك الاعتداءات تزيد من مسيرة مقاومتنا ونضالنا وتجعلها أكثر فاعلية وحزمًا. إننا نحن المدافعين عن الحياة نعلم أننا نتعرض لتهديد وخطر عظيم، ولكننا لا نخاف."

وهنا يليق بنا أن نورد جزءًا مما كان قاله علي علوي بويوك نوهوتشو: "- ألا تخافون؟ معلوم من هم الذين يواجهونكم، وكم هم أقوياء. – كلا، إنني لا أخاف. لأن من يقف أمامي ليس قويًا. إن صاحب الحق هو القوي. أما غيره فهو الضعيف. نحن أقوياء. ولأنني أؤمن بذلك أشعر بأنني قوي. أصحاب الحق هو نحن أنفسنا! هذا هو الفهم والمنطق الذي يعكس روح نضالنا وكفاحنا. إن أنصار البيئة أكثر إدراكًا لأنهم يمثلون ضمير المجتمع."

ويؤكد آق ييدلدز أن اتحاد أنصار البيئة وعلمائها وتكوينهم منتدى من أجل هذا صار أمرًا حتميًا عقب تلك الاعتداءات التي تقع، وختم كلامه: "يجب على حركات أنصار البيئة أن تقف على أقدامها وتثبت. ثمة محاولة لإجهاض حركة البيئيين وضمها إلى الأحزاب السياسية الحالية والقضاء عليها. علينا أن نفسد هذه اللعبة والمخطط البغيض، وأن نتعلم كيف نثبت ونقف على أقدامنا. إن حركة البيئيين لديها القدرة على جمع المعارضة وتوحيدها."

وتؤكد أليف آق ييلدز أيضًا أن تلك الاعتداءات والهجمات التي يتعرض لها البيئيون ستجعلهم أكثر قوة وصلابة. وتُذكِّر بأن الرأسمالية غالبًا ما تتنامى على حساب تخريب البيئة، ولأن البيئيين يحاربون ذلك فإنهم مستهدفون من قبلها.

وتشدد آق ييلدز على أن البيئيين ليسوا هدفًا في تركيا فحسب، بل في العالم أجمع؛ فتقول: "إن البيئة لديها القدرة على التوحيد وجمع المعارضة المجتمعية في صف واحد كما حدث في أحداث متنزه "غزي بارك" ولذلك فإنَّ المخربين يخافون منها."

وقد أجابت آق ييلدز إجابة صريحة وواضحة تمامًا عما يجب القيام به تصديًا لتلك الاعتداءات، ورأت أن الحل الأكثر فاعلية هو النضال الجماعي وشبكات التواصل المشترك.

وصرحت آق ييلدز أنه لم تبق أية فعالية ولا نشاط بسبب قانون حالة الطوارئ، وقالت إنه تم تعزيز خطى وسائل الإعلام الاجتماعي للمقاومة. وأردفت: "هناك محاولة لخلق رأي عام في وسائل الإعلام الاجتماعية على الأكثر. وهناك تبادل للتعليقات والهشتاجات. انتهى القانون لكن المحاكم لا تزال مستمرة؛ حيث يتم اللجوء إلى المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، بيد أن الشركات تكون أنهت أعمالها في تلك الأثناء. كما أن هناك أناسًا أكثر راديكالية، إنهم قليلو العدد، لكنهم شريان المقاومة النابض، ينتشرون في الشوارع والطرق والميادين، وبالطبع يُعتقلون بسبب ذلك."

إن منظمة "صحفيون بلا حدود" أصدرت تقريرًا في ديسمبر 2017 ذكر أن هناك 10 صحافيين متخصصين في شؤون البيئة قُتلوا منذ 2010 وحتى اليوم.

وبحسب التقرير فإن 90 % من جرائم القتل التي وقعت في آخر خمس سنوات وقعت في الجنوب والجنوب الشرقي في آسيا، وتحتل دول الهند وكامبوديا والفلبين وإندونيسيا المراكز الأولى في وقوع هذه الجرائم.

أما في روسيا فقد قام ميخائيل بيتوف رئيس تحرير إحدى الصحف المحلية في منطقة خيمكي التابعة لموسكو بالتصدي لمشروع إنشاء طريق سريع في منطقة غابات؛ فضربوه ضربًا مبرحًا أولًا، ثم فقد حياته بعد خمس سنوات من ذلك.

وهناك صحفيان هنديان كانا يُحققان في قضايا التعدين غير القانونية هما: جاغندرا سينغ وسانديب خوثري، قتل الواحد منهما بعد صاحبه بفاصل 12 يومًا، وحرقا في شهر يونيو. كما قُتل أربعة صحفيين بيئيين في كامبوديا لنقلهم أخبارًا تتعلق بقطع الأشجار والصيد غير القانوني في الفترة منذ 2012 وحتى 2014.

وفي فيتنام حُرق أولًا منزل نغوين نغوك كوانغ الذي يحقق ويهتم بنشاطات التعدين غير القانونية هناك، ثم طعن في وسط الشارع 44 طعنة بعد بأسبوع واحد من حرق منزله. وفي ربيع هذا العام تعرض 10 صحافيين على الأقل في بيرو للعنف والشدة. ولما قام الصحافي الأوزبكي سوليدجون عبد الرحمنوف بنشر أخبار حول عمليات قطع الأشجار في والتخريبات البيئية عند بحيرة أرال وتأثيراتها السلبية على صحة سكان المنطقة أُلقيَ في السجن سبع سنين.

أما في تركيا فإن جميل آقصو الباحث ومؤلف الكتب البيئية فقد تم اعتقاله وسجنه تذرعًا بكتاباته في وسائل التواصل الاجتماعي قبل حوالي شهر.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية: