متين أوجا: نحن في مرحلة تراجع بطعم "فاكهة التنين"

يضع متين أوجا حداً بينه وبين وسائل الإعلام التقليدية، وهو الآن في وسائل الإعلام الرقيمة. تحدثنا معه عن أشياء كثيرة إلى جانب الحديث عن ذهاب رئيس الجمهورية أردوغان إلى حفل "فاضل صاي" الموسيقي، وعن الرقابة الذاتية في مناخ الخوف السائد في تركيا بسبب عملية الحرمان والإقصاء التي تشهدها وسائل الإعلام.

أنت أيضًا تحولت إلى الإعلام الرقمي، وبدأت البث عبر موقع يوتيوب. إن طلبت منك عقد مقارنة بين الإعلام التقليدي والرقمي فماذا تقول؟

لقد وصلت وسائل الإعلام التقليدية حدّ الإفلاس. إنها تشهد خسارة حقيقية في المصداقية والكرامة. وبدلًا من القيام بعمل سيّئ في هذا المناخ فضلت عدم القيام بشيء. أما في وسائل الإعلام الرقمية فتدركون أنكم أكثر حرية. وقناتنا على يوتيوب التي نبث من خلالها حاليًا تسير بشكل جيد إلى حدّ كبير. نرى أننا في الترتيب الـــ 15 في المائة بين إجمالي المتابعين. لم أجرِ بحثًا جديًّا على وسائل التواصل الاجتماعي (مثل فيس بوك، وإنستغرام، وتويتر)، ولكنني أعتقد أنني وصلت إلى حوالي 25 في المائة من الشعب. وهذا أمر مهم جدًا بالنسبة لي من حيث الأعمال التي أنتجها حديثًا، ومن حيث وصولها إلى الناس على حد سواء.

إن جاءك عرض من القنوات التلفزيونية هل تقبله؟

إمّا أن أقدم برنامجًا صحيحًا ومناسبًا، وإلا لا أفعل أي شيء للتلفزيون.

هل أنت محظور في وسائل الإعلام؟

إنه أكثر من مجرد حظر، إنه قلقهم وخوفهم "هل نقع في مشكلة إن تعاونا مع هذا؟" وإلا فإنني أنا أيضًا لا أريد عمل شيء سوى برنامج مسابقات. أما الصحافة والأخبار فهي رد فعل، هي أسلوب حياة، ولكنني لا أفكر في القيام بذلك الآن.

لماذا توقفت عن الصحافة والعمل الإخباري؟

أكرر بدلًا من القيام بعمل سيّئ في هذا المناخ فضلت عدم القيام بشيء. ليس هناك سوى بضع قنوات يمكنكم ممارسة ذلك منها. هي أيضًا تمارس الصحافة والعمل الإخباري في ظل ظروف بدائية. ومن المؤسف أن القيام بعمل في ظروف بدائية لا يجعله جذابًا. لهذا السبب فإن المشاكل التقنية في القنوات الإخبارية التي تسمى بالمعارضة كثيرة للغاية، لا يمكنكم إيصال رسالتكم إلى الجمهور عندما لا تكمّلون الكلام بالمشاهد والمرئيات. لا تصبحون ناشرين عبر استضافة الناس تباعًا واستنطاقهم. لقد رأينا هذا بوضوح. يجب أن يكون لديكم بثّ على مدار 24 ساعة، وأن تحتوي القناة على مسلسلات، وكذلك برامج جذابة؛ حينها تستطيعون إيصال بثكم وموادكم الإعلامية إلى الجمهور. هذه ضروريات حتى يتابعكم الجميع. وإلا فلا معنى ولا تأثير للبث والإعلام المعارض.

قبل 10 سنوات من الآن كان الصحافيون يعترضون بدعوى أن "هناك رقابة". أما حاليًا فإنه يتمّ تطبيق نظام الرقابة الذاتية مباشرة. فكيف تقيم هذا؟

المراجعة الذاتية تحولت إلى المراقبة الذاتية أولّا. وحين لا تطبقونها تتحولون إلى عاطلين عن العمل. الآن هناك خمسة آلاف صحافي عاطل عن العمل. إن كان عدد العاطلين عن العمل أكثر من عدد العاملين في قطاع ما فإن هناك مشكلات أخرى.

عندما تفكر في حياتك المهنية ما هو أكثر ما تفتقده؟

العجز عن العثور على شرف وصفة أن تكون ناشراً واعيًا، مُحاطاً بأخلاقيات وتقاليد المهنة التي حددته لنفسك... أن يكون كل شيء محاطًا بالمحظورات والخوف... لذلك نحن نشهد أن المواد المنتجة أكثر تحديدًا وأكثر تفاهة. أستطيع القول إن الأشياء القديمة التي أفتقدها هي النشر والإعلام الأكثر أخلاقية وشجاعة.

هل تستطيع الحديث بحرية وراحة في الهاتف؟ هل تشعر بأي قلق؟

لا أستطيع القول إنني أتحدث بحرية وراحة. ولكنني لست قلقًا على نفسي، إنني أخشى أن يحدث مكروه لأولئك الذين يتحدثون معي. لا أفكر في نفسي، بل فيمن يتحدثون معي. ولا سيما أنني أعرف إلى أي مدى يتم نقل وتحويل المكالمات الهاتفية. إن ما رسمته عصابة سيئة السمعة تسمى "أتباع فتح الله غولن" واضح وبيِّن... في فترةِ ما بعد الحداثة الحالية التي لا يمكن فيها التمييز بين الحقيقة والخيال يمكننا أن نتوقع قليلًا إلى أين يمكن سحب وتحوير مكالماتنا. لهذا السبب أكون حذرًا بينما أتحدث في الهاتف.

حسنًا، هل أخذنا الدرس كدولة؟

لا أعتقد هذا. هناك غرائب تشهدها المجتمعات في فترات الجنون. ولكنني أعتقد أننا سنكابد وسنعاني آلامًا أكثر، وأن التعافي سيأتي بعد ذلك. ستزداد البطالة أكثر. هناك 29 في المائة من خريجي الجامعات عاطلين عن العمل. هذه نسبة فظيعة جدَا... وعندما ننظر إلى الأعمال والأفعال يمكننا رؤية نوع من التبذير والإسراف كالذي كان في عصر "اللاله: السلطان أحمد الثالث"... ويلزم ألا ننسى "فاكهة التنين" التي ستكون لها قيمة رمزية في الفترات المقبلة. إنني أسمي هذه المرحلة ب"مرحلة تراجع بطعم فاكهة التنين".

بماذا شعرت عندما تم منعك لأول مرة؟

لقد مُنعت عدة مرات في حياتي. إنك تتعلم ألا تتحير ولا تندهش في هذا البلد. إذا قلت أي شيء مخالف في أي من مجالات الحياة فإنه يعود عليكم همًّا وبلاءً. إن كنتم تعلم هذا فيحق لك أن تصمت، أو أن تنسحب، أو أن تُمنع.

برأيك ماذا خسرت تركيا وماذا ربحت في الــ 16 سنة؟

قطاع مهم من المجتمع رأى معنى الاستجواب وإدراك حقيقة الأمر والسؤال فيما يتعلق به. أصبح من الواضح أن خداع الناس لم يعد سهلًا. فلا الصحف تبيع، ولا القنوات التلفزيونية تُشاهد. لقد انفضحت وانكشفت مظاهر عدم المساواة في الإنتاج والتعليم والصحة. هناك دهشة وحيرة من أن يختلف امتحان أحد طفلي عائلة لديها طفلان بينهما ثلاث سنوات فارقًا عمريًا عن امتحان أخيه الأكبر منه اختلافًا كثيرًا. ناهيكم عن الاستجواب؛ فإنهم يعلمونهم الطاعة منذ الحضانة وحتى اليوم بشكل منهجي. ما ربحناه ليس بالشيء الكثير، لكننا فقدنا الكثير.

حاليًا كم هو مؤسف أن اقتصاد البلاد في نفس مستوى فترة الأزمة الاقتصادية 2001 أيام أجاويد. ولكن السيطرة على المجتمع توفر الصمت والسكوت. قد يكون هناك صمت حاليًا، ولكن هناك احتمال أن تظهر أصوات مع تزايد المشكلات في المستقبل. وكما قلت منذ قليل سنعاني أكثر، بينما يأتي التعافي والانتعاش بعد ذلك.

لو أنك كنت على رأس صحيفة اليوم فما هو العنوان الرئيس الذي تستخدمه غدًا؟

أعتقد أننا لا نمر بمرحلة هادئة بحيث يخرج موضوع واحد فحسب. ربما تتكون صفحتي الأولى من هذه المواضيع:

خبر بشأن أمن الانتخابات
خبر بشأن الاقتصاد
خبر عن مشاكل التعليم
خبر عن التحضر ومشاكل المدن الكبرى.

لا أعتقد أن أولئك الذين يديرون صحيفة انخفضت من 300 ألف إلى 30 ألفًا سيأخذون في الاعتبار هذا الذي قلته. حاليًا نرى أن المبيعات الفعلية للصحف الكبرى تبلغ 20 في المائة. هذا رمز الإفلاس. هناك المزيد من الصحف سوف تغلق.

أنت الآن تخرج أمام المشاهد بمشاهد مختلفة... 

أجل، نتجول في كل أنحاء تركيا. أتجول في العديد من مدن الأناضول مثل أنقرة وإزمير وغازي عنتاب وأنطاليا. في كل مكان أذهب إليه أرى اهتمامًا كبيرًا بالفن، وهذا يسعدني كثيرًا. أرى ما أفعله نوعًا من الفضفضة على خشبة مسرح.

الأشخاص الذين استطاعوا ترك أنفسهم في أحضان الفن مصدر أمل كبير بالنسبة لي. لأن كل ما تفعله مشترك مع هؤلاء الناس. أنا مجرد راوٍ وناقلٍ. وباعتباري رجلًا شاهد كل وجه في البلاد فإنني أسعى إلى الحديث عنه من نافذة المزاح...

حسنًا، كيف تقيم حضور رئيس الجمهورية أردوغان حفل "فاضل صاي" الموسيقي؟

كيف لمن يقول في اجتماع مجموعته الحزبية "إجبار رئيس الجمهورية على سماع موزارت قمة الفاشية" أن يذهب إلى ذلك الحفل الموسيقي؟ إما أن يعزف موزارت قليلًا وإما لا. المهم هنا ليس الاشتراك بشكل رمزي في مكان ما، وإنما استيعاب ذلك. أحاول قول ذلك لنعرف من أين أتينا وإلى أين وصلنا... عندما ننظر نرى أنه بين كل الشعراء المهمين، كيف تطورت عملية التحول من رئيس وزراء لُحِّنت قصيدة كتبها، وترددت على ألسنتنا جميعًا، إلى رئيس وزراء لا يستطيع التمييز بين بعض حروف اللغة. وليس هناك كلام آخر يُقال بعد هذا لاحقًا.

 

يمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/roportaj/metin-uca-ejder-meyveli-gerileme-donemindeyiz&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.