بيرجان ديرمنجي
ديسمبر 13 2017

مجالس الوصاية التركية تستبدل دور الحضانات الكردية بكتاتيب القرآن

أصدر حزب المناطق الديمقراطية الكردي تقريرا يسجل بالتفصيل الأضرار الجسيمة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا الناجمة عن فرض الحكومة التركية "لأوصياء" انتقتهم بنفسها لتعيينهم بدلا من مسؤولي البلديات المنتخبين الذين تم فصلهم من مناصبهم بموجب مرسوم في إطار حالة الطوارئ القائمة في المناطق الكردية.

ويتضمن التقرير تحليلا إحصائيا للأفراد والمنظمات التي تضررت من هذه التعيينات خلال العام الماضي، ومن ضمنهم أكثر من ألفي مسؤول فقدوا مناصبهم و94 بلدية وُضعت تحت الوصاية و70 من رؤساء البلديات، من بينهم 23 امرأة، تم اعتقالهم.

كما يورد التقرير بالتفصيل حجم الدمار الناجم عن استخدام الاسلحة الثقيلة فى العديد من المدن والقرى فى جنوب شرق تركيا منذ 30 أكتوبر 2014 عندما تجدد الصراع بين القوات التركية والمسلحين الأكراد، إذ ذكر أن استخدام هذه الأسلحة أسفر عن مقتل 2360 شخصا، بينهم 368 مدنيا، وتشريد أكثر من 400 ألف شخص.

وفضلا عن هذه التفاصيل الصادمة، يقدم التقرير معلومات متعمقة عن مجموعة من الممارسات الاستبدادية للحكومة التي استفادت أيما استفادة من حالة الطوارئ بشكل مباشر في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، حيث أتاحت هذه الإجراءات الاستثنائية للحكومة المركزية بسط سيطرتها بشكل كبير على البلديات المحلية من خلال تعديلات قانونية تم تمريرها دون أي مناقشة في البرلمان. ومن أبرز الأمثلة على هذه التعديلات المرسوم بقانون رقم 674 المؤرخ 15 أغسطس 2016 الذي منح الحكومة سلطة تعيين أوصياء على الإدارات المحلية وفصل المسؤولين المحليين من مناصبهم ومصادرة أصولهم المنقولة.

وكان من نتائج هذه التعديلات حملة حكومية قاسية ألحقت الكثير من الضرر بالمواطنين والمنظمات في مختلف المجالات، حيث أحصى التقرير أكثر من 110 ألف حالة لموظفين حكوميين، ربعهم تقريبا من النساء، وأكثر من 25 ألف أكاديمي تم عزلهم جميعا من مناصبهم.

هذا بالإضافة إلى إغلاق أكثر من 5000 جمعية ومدرسة ونقابة وجامعة ومؤسسة إعلامية خلال نفس الفترة، فيما وصل عدد المعتقلين إلى نحو 20 ألفا.

وكان من بين المعتقلين مسؤولون رفيعو المستوى فى حزب المناطق الديمقراطية ومسؤولون محليون من 94 بلدية سُلمت إلى أوصياء مُعينين من قبل الحكومة منذ 11 سبتمبر 2016، فى اجراءات وصفها التقرير بأنها أقرب إلى "سرقة حق المواطنين فى المشاركة فى الحكومة."

ويعدد التقرير أيضا التدابير الصارمة التي صاحبت عملية تسليم البلديات إلى الأوصياء الحكوميين، وشملت هذه التدابير التفتيش المكثف للمباني الحكومية المحلية من جانب الشرطة وطرد المسؤولين والمستشارين بالقوة من هذه المواقع وفرض تدابير أمنية حازمة لاستقبال الأوصياء لدى وصولهم إلى مقر البلديات تحت حراسة مشددة من الشرطة مصحوبة بمركبات مكافحة الشغب ومدافع المياه. ويقول التقرير إن الشرطة اعتدت على مسؤولين محليين حاولوا الاحتجاج على هذه التصرفات وقامت باعتقالهم.

وأضاف التقرير أن تعيين الأوصياء تسبب في حرمان البلديات المحلية من تنفيذ آلية حيوية لمراقبة نفقات الميزانية، حيث تجتمع المجالس البلدية عادة على مدى 20 يوما دون انقطاع لإعداد موازنة متفق عليها ومناقشتها قبل تعيين لجنة رقابية لضمان تنفيذها على النحو الملائم. لكن لم تنعقد هذه الاجتماعات في البلديات الخاضعة للوصاية، مما سمح للأوصياء بفرض سيطرتهم التحكمية على الميزانية دون وجود آلية للرقابة على عملها.

ولهؤلاء الأوصياء تأثير كبير أيضا على الحياة الثقافية المحلية يشمل العديد من الجوانب بدءا من المستوى الأساسي من اللغة، حيث تم تعيين الأوصياء في مناطق تحتضن العديد من المجتمعات المتنوعة عرقيا والمتعددة لغويا. وعلى الرغم من ذلك، تُزال اللافتات المكتوبة باللغات الكردية والآشورية والأرمنية والعربية لتحل محلها لافتات مكتوبة فقط باللغة التركية.

وبحسب التقرير، هذا لم يكن إلا مثالا واحدا من الإجراءات الرامية الى تغيير القيم الثقافية المحلية لصالح نهج يرتقي إلى ما يسمى بسياسة استيعاب الأقليات.

كما تم استبدال دور الحضانة والرعاية النهارية التي كانت تهتم بتعليم الأطفال الأكراد لغتهم الأم بكتاتيب القرآن، فيما أزيلت النصب التذكارية لضحايا مجازر الدولة ودُمرت دار سينما في مدينة "باتمان" كانت مخصصة لعرض أفلام المخرج الكردي الشهير يلماز غوني في حريق مريب بعد أن تم إغلاقها من قبل مجلس الوصاية في البلدية.

ولم تسلم المشروعات الاجتماعية كذلك من تدخلات مجالس الوصاية، لدرجة أن إحدى العيادات المكرسة لإعادة تأهيل مدمني المخدرات أُغلقت في قرار غريب من نوعه. لكن المشروعات الاجتماعية الأكثر استهدافا فعلا من جهة مجالس الوصاية كانت تلك التي تهدف إلى الدفاع عن حقوق المرأة، حيث تم فصل العاملين المعنيين بسياسات المرأة عن العمل أو نقلهم، وأغلقت عشرات المراكز والمآوى المخصصة لحماية المرأة.

وأثارت هذه الإجراءات التعسفية، جنبا إلى جنب مع عمليات الإقالة الواسعة والتعسفية ضد موظفي الخدمة العامة، إدانات دولية عديدة، حيث أصدرت لجنة فينيسيا التابعة لمجلس أوروبا تقريرا في شهر أكتوبر الماضي وصفت فيه الوضع في تركيا بأنه مخالف للقانون الدولي ولدستور البلد نفسه.

خلاصة القول، إن الإجراءات المتخذة ضد البلديات المحلية توجه لطمة للديمقراطية ككل، وقد أثبتت مساعي الحكومة طويلة الأمد لفرض نموذج موحد في كافة المناطق التركية فشلها التام في تحقيق النتيجة المنشودة، بل على العكس،  أدت إلى نتائج عكسية وتسببت في تفاقم الصراع، في حين أن محاولتها لحل المشاكل في المنطقة الكردية عبر إضفاء طابع أمني طاغ لن تؤدي إلا لإطالة أمد النزاع.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: