محاولات يائسة لوقف نزيف الليرة التركية قبل الانتخابات

يمكن لأي شخص، حتى من لا يعرف شيئا عن ديناميكيات الاقتصاد التركي، أن يدرك بسهولة وجود خلل كبير بمجرد النظر إلى الرسم البياني لليرة وأسعار الفائدة.

رسم بياني لليرة التركية وأسعار الفائدة.
رسم بياني لليرة التركية وأسعار الفائدة.

في وقت سابق من الأسبوع الماضي، خفضت مؤسسة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مستوى أقل ضمن فئة الديون عالية المخاطر، وعزت ذلك إلى ارتفاع التضخم وهبوط الليرة واتساع عجز الحساب الجاري المعتمد على الديون.

وحذرت وكالة التصنيفات الائتمانية من المخاطر المحدقة بالاقتصاد بعد التضخم، في العام الماضي، الناجم عن سياسات ضريبية ونقدية ومالية فضفاضة أخرى في التوسع الائتماني.

وعلى نحو صريح، قالت الوكالة إن حالة الطوارئ التي يجري تمديدها بشكل مستمر، منذ الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو  2016، تسمح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحكم البلاد بالمراسيم كأمر واقع، وهو ما يزيد المخاوف بشأن مركزية اتخاذ القرارات، وتآكل عمليات المراجعة والتوازن.

وخفضت الوكالة تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مرتبة أقل في فئة الديون عالية المخاطر إلى "ب ب سلبي"  من "ب".

تركيا التي كانت في السابق الوجهة المفضلة للمستثمرين، وتمكنت، بشق الأنفس، من الحصول على تصنيف استثماري بعد انهيار اقتصادي مقصود في عام 2001، باتت الآن أقل من مستوى الاستثمارات بدرجتين، لكن بنظرة مستقبلية مستقرة.

ولم يكن تراجع التصنيف الائتماني هو الخبر السيئ الوحيد عن الاقتصاد خلال الأيام القليلة الماضية. فقد أصدر صندوق النقد الدولي مراجعته للاقتصاد التركي قبل صدور التصنيف بيوم واحد.

وفي ظل مخاوف مشابهة لمخاوف ستاندرد أند بورز، حث الصندوق حكومة حزب العدالة والتنمية إلى اتخاذ خطوات عاجلة فيما يخص الميزانية والسياسة النقدية.

الهدف هو وقف النزيف في الليرة من خلال رفع كبير في سعرها سيساعد في كبح التضخم المسجل في خانة العشرات، وتخفيف العبء عن كاهل القطاع الخاص في تركيا التي تواجه ضغوطا من التزامات الدين الخارجي المرتفعة وعملة محلية منخفضة باستمرار.

كما حث الصندوق حزب العدالة والتنمية على عكس الصورة المتدهورة عن السياسة المالية، لأن الفائض الأساسي في الميزانية تحو ل حاليا إلى عجز أساسي، وهو ما يقضي على منطقة عازلة مهمة تفصل الاقتصاد عن الأوقات الصعبة.

وتجري تركيا انتخابات مبكرة برلمانية ورئاسية في 24 يونيو المقبل. ولا يخفى على أحد السبب الرئيسي الذي دفع الرئيس أردوغان للدعوة لانتخابات مبكرة قبل أكثر من عام على موعدها الأصلي: إنه التدهور السريع في الاقتصاد التركي الذي سيضر بشكل مباشر بقاعدة الأصوات المؤيدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

لكن، ومع دعوة حكومة حزب العدالة لانتخابات مبكرة، من المثير للاهتمام سماع نائب رئيس الوزراء محمد شيمشيك، وهو اقتصادي ووزير سابق للمالية يقول: إن توقيت تخفيض ستاندرد أند بورز لتصنيف تركيا الائتماني يثير الريبة.. أي أنه يهدف لإضعاف حكومة حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات المبكرة.

أشار شمشيك إلى أن العجز التجاري الحالي مستقر، وأن قرار البنك المركزي برفع الفائدة 75 نقطة أساس ساهم في السيطرة على التضخم.

لكن تصريحاته كانت تحتاج للمزيد من التفاصيل. عجز الحساب الجاري التركي مستمر عند سبعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في وقت يتحول فيه التيار لصالح البلدان النامية مثل تركيا التي جرى تصنيفها ضمن أكبر "خمس (اقتصادات) هشة" بالأسواق الناشئة على مستوى العالم.

علاوة على ذلك، فإن الضعف المتواصل في الليرة والتدهور الخطير في توقعات التضخم أضافا بالفعل نحو 100 إلى 150 نقطة أساس في تضخم أسعار المستهلكين بنهاية العام المتوقع أن يزحف إلى ما يتراوح بين 11 و 12 بالمئة.

وجاء قرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة الذي يساوي 500 نقطة أساس، منذ 2016، متأخرا ومتدرجا بدرجة أكثر من اللازم، يتعذر معها إحداث تأثير في ديناميكيات التضخم المتدهور.

وبينما توجه ستاندرز أند بورز وصندوق النقد الدولي انتقادات كبيرة وصريحة لأسلوب إدارة الاقتصاد التركي، فإن الحكومة التركية منشغلة بالإعلان عن "حزمة اقتصادية" جديدة، وتحظى بشعبية جارفة للفوز بأصوات في الانتخابات المقبلة.

ومع غض الطرف عن المشكلات الاقتصادية المتفاقمة، أعلنت الحكومة عن إجراءات ستكلف الميزانية ما بين 24 و 30 مليار ليرة أخرى، ليصل العجز في الميزانية العام الجاري إلى نحو ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 1.5 بالمئة في العام الماضي.

ولن تشمل الحزمة رفعا للمعاشات وحسب، بل دفعة جديدة من إعفاءات الضرائب وأخرى تتعلق بمناطق البناء.

مثل هذا الدعم المالي الذي يفتقر إلى هدف اقتصادي راسخ سيضيف بلا شك المزيد من الضغوط على التضخم، والليرة، والحسابات المالية، وأيضا أسعار الفائدة وفي النهاية تصنيفات تركيا المستقبلية.

وعندما أعلنت الحكومة في الشهر الماضي عن إجراء انتخابات مبكرة، كان التأثير الأولي على الاقتصاد إيجابيا، استنادا إلى توقعات بأن الانتخابات المبكرة ستقضي على انعدام اليقين والضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد.

وفي بادئ الأمر، كانت التوقعات تشير إلى أن حزب العدالة والتنمية سيفوز بالانتخابات، ثم سيطبق إصلاحات اقتصادية تأخرت كثيرا. لكن سرعان ما تلاشى هذا التفاؤل كما ظهر في أداء الليرة. وأيضا مع انتظار انتخابات محلية في ربيع العام المقبل، فإن الشعبوية ستستمر على الأرجح، ولو على نطاق أقل لمدة عشرة أشهر أخرى بعد انتخابات يونيو.

علاوة على ذلك، ستحتاج حكومة حزب العدالة والتنمية، المتوقع أن تستمر في السلطة، إلى اتخاذ خيارات صعبة بعد الانتخابات ومنها تعديل السياسات المالية والنقدية وفقا لواقع الاقتصاد.

والآن حيث تتسبب الإجراءات الشعبوية في المزيد في التدهور بتوازنات السوق الكلي، فإن الحكومة المقبلة ستواجه مهمة أصعب لإعادة الاقتصاد التركي مجددا إلى مساره من خلال إجراءات أكثر صعوبة.

لكن الإجراءات الشعبوية الأخيرة، التي تشبه ما حدث في التسعينيات، والتي قادت إلى الانهيار الاقتصادي في 2001، تضيف المزيد من الاختلالات إلى القصة الكلية التركية. ولتجنب تراجع حاد محتمل في الاقتصاد التركي في 2019 و2020 فإنه ينبغي التحول تماما عن سوء الإدارة الواقع حاليا.

ومن المتوقع أن يهدأ الاقتصاد التركي مقارنة بالعام الماضي مع تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي بدرجة كبيرة. لكن يصعب دفع الحكومة إلى الاستفادة من الشكوك بشأن الفترة التالية للانتخابات كي تتخذ إجراءات ضرورية لاستعادة السيطرة على زمام الأمور.   

ولصعوبة ضمان تحقيق فوز صريح في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، يبدو أن الاقتصاد سيشهد أمرا ما خلال الفترة التي تسبق الانتخابات وما بعدها.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkish-economy-somethings-gotta-give