محاولة لفهم تحرّكات الدولار في تركيا: ماندل والثلاثي المستحيل..

 

دعوني أبدأ مقالي بالقول إنه لن يكون من السهل إجراء تشخيص واضح موثوق بشأن حركة الدولار، وأنّ أيّ ادعاءات في هذا الخصوص لن تكون على درجة كبيرة من الواقعية.
في الواقع إن هناك أسباباً مختلفة كثيرة لهذه المشكلة، التي سوف نناقشها لاحقاً في هذا المقال، ولكن علينا أن نتفق الآن على الأقل أن موضوع سعر صرف الدولار من القضايا الشائكة التي لا تخضع لنظام ثابت يمكن القياس عليه، والأهم من هذا أنه على الرغم من تقلص الاقتصاد التركي، وضحالة السوق، إلا أن واضعي السياسات الاقتصادية في تركيا لا يزالون يصرون على ارتكاب نفس الأخطاء الجسيمة، ويتخوفون من الإقدام على تنفيذ إصلاحات هيكلية تُخرج الاقتصاد التركي من عثرته.
أكتب هذه السطور في عطلة نهاية الأسبوع، وقد بلغ سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية حاليًا 5.80 ليرة، على الرغم من تأكيد بعض المسؤولين في الحكومة التركية، قبل ثلاثة أيام، أن الدولار سينخفض خلال الأيام المقبلة إلى ما دون الليرات الخمس، في ذات الوقت الذي أكد فيه فريق آخر، يبدو أكثر واقعيةً من الأول، أن تخطي الدولار حاجز 5.50 ليرة قد يؤدي إلى نتائج سلبية تؤثر بشكل كبير على استقرار الاقتصاد التركي.
وها نحن اليوم نشهد الدولار، وهو يقترب اليوم من 5.80 ليرة، ولا ندري ما الذي سيحدث خلال الأيام القليلة القادمة أيضاً.
والواقع أن هذه المشكلة تكمن في الأساس في عدد من الأسباب الداخلية والخارجية معاً. دعوني أبدأ بالأسباب الداخلية أولاً:
أدَّت الأزمة الاقتصادية الحادة، التي تعاني منها تركيا في الوقت الراهن، إلى انخفاض واردات تركيا من السلع الوسيطة والسلع الرأسمالية، كما انخفضت وارداتها النفطية. وعلى الجانب الآخر، اكتفى وزير المالية التركي وصهر أردوغان بإطلاق تصريحات، تجافي الواقع، عن السيطرة على العجز في التجارة الخارجية، بل وصل به الحال إلى التأكيد أن تركيا في سبيلها إلى تخطي هذه الأزمة تماماً.
أما بالنسبة للصادرات، فالمتعارف بالنسبة للسوق الخارجية أن تكون نسبة النمو في الدول التي نصدر إليها أعلى من نسب النمو لدينا، وبالتالي لا تنخفض نسبة صادراتنا. وهو الأمر الذي يقتضي منا أن نقيم سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، ونناقش بشكل جدي أسباب القفزات الكبيرة للدولار. ولكن المشهد الحالي بعيد كل البعد عن هذا الأمر.
هناك زيادات كبيرة في أوجه الإنفاق في الميزانية، ولكن من المؤكد أن الحكومة وجدت طريقها لمنع حدوث عجز كبير؛ فقد قام البنك المركزي على سبيل المثال بتوزيع الأرباح في شهر يناير بدلاً من شهر إبريل، ولم يسجل شهر يناير عجزاً، على الرغم من أوجه الإنفاق الكثيرة خلاله. وهذا يعني أن البنك المركزي يستخدم سياسة الفوائد بأسلوب واضح أو مستتر لكبح جماح الدولار.
يفاضل البنك المركزي دائماً بين خيارين كليهما سلبي، وهو دائماً ما يختار الخيار الذي يظهر تأثيره السلبي على المدى البعيد، أو بمعنى آخر إن البنك المركزي يميل دائماً إلى رفع سعر الفائدة، على الرغم مما قد يخلفه هذا من تأثير سلبي على الاقتصاد على المدى البعيد. وعلى الرغم من هذا، لا يتعرض أحد لمثل هذه النقاط بالتحليل أو المناقشة. وها نحن في يوم انعقاد الانتخابات المحلية، في وقت بلغت فيه نسبة البطالة غير الزراعية الحد الحرج البالغ 15%.
يتابع المراقبون الاقتصاديون الوضع الاقتصادي في تركيا عن كثب، ويناقشون الآن أوجه الاختلاف بين تركيا والدول التي يُطلق عليها اسم "مجموعة الدول الهشة"، وهي عبارة عن خمس دول هي: تركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند وإندونيسيا.
يقدم الخبير الاقتصادي التركي مخفي أيلماز معلومات مفصلة حول هذه الدول الخمس الهشة على موقعه على شبكة الإنترنت؛ لهذا لا أرى ضرورة في تكرار هذه البيانات مرة أخرى هنا، لكن دعوني أستعرض معكم، في المقابل، معلومات أكثر شموليةً عن المؤشرات الاقتصادية والمالية في تركيا، من خلال ما يُنشر في الصفحات الخلفية من مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية الشهيرة.
يدرك المتابع الجيد لهذه الصفحات، أنها تتناول، بشكل أسبوعي، معلومات تتعلق بما يقرب من 50 دولة حول العالم، أو بتعبير آخر، إن هذه الصفحات تتيح لنا فرصة الاطلاع على معلومات موثوقة مختصرة عن الوضع الاقتصادي في تركيا والعالم.
عندما ندقق النظر في البيانات المنشورة في تلك الصفحات يتبيَّن لنا أن مؤشر الاقتصاد التركي يميل غالباً إلى الجانب السلبي، مقارنةً بالكثير من الدول الأخرى، بشكل يُذكِّرنا بفترة ما بعد الأزمة الاقتصادية عام 2001؛ حيث كان معدل التضخم وسعر الفائدة وعجز الميزانية أعلى بكثير، مقارنة بباقي الدول.
شهدت تركيا تحسناً واضحاً في السنوات العشر التالية لعام 2003 ، بشكل لم نلحظ معه تفاوتاً بين تركيا وباقي الدول، ولكن ما لبث أن ساء الوضع مرة أخرى  في السنوات الأخيرة، وهو أمر يمكن إدراكه بسهولة بمجرد التطلع إلى البيانات المنشورة في تلك الصفحات؛ فعاودت نسبة التضخم الارتفاع، وارتفع كذلك سعر الفائدة ونسبة البطالة، وفقدت الليرة التركية جزءاً كبيراً من قيمتها أمام الدولار الأميركي.
من ناحية أخرى، سجلت تركيا أعلى نسبة تضخم بين قائمة دول العالم، التي خلت من بعض الدول مثل فنزويلا، بعد الأرجنتين، واحتلت المركز الأول بلا منازع في أسعار الفائدة. وما دمنا نتحدث عن فقدان الليرة التركية قيمتها مقابل الدولار، فينبغي التنويه كذلك أن تركيا تحتل المرتبة الثانية بعد الأرجنتين أيضًا بين دول العالم التي تعرّضت عملاتها لهزات عنيفة، وإن كان هذا الوضع الأخير لليرة كان نتيجةً أكثر منه سبباً.
دعونا نتحدث الآن عن عبارة "ماندل والثلاثي المستحيل" التي وضعتها في عنوان هذا المقال. حصل الخبير الاقتصادي روبرت ماندل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1999؛ حيث عُرِفَ بدراساته المهمة للغاية في الاقتصاد وسوق صرف العملات. يمكننا تلخيص رأيه حول هذا الموضوع على النحو التالي:
يقول ماندل إنه من المستحيل أن تجتمع ثلاثة أشياء في مجال المال:  
1-    حرية حركة رأس المال.
2-    التحكم في سعر الصرف.
3-    سياسة البنك المركزي المستقلة (الفوائد).
أو بمعنى آخر، إذا كانت الدولة تكفل حرية حركة رأس المال، فلا مفر من وقوع كارثة، إذا حاولت، بالتزامن مع ذلك، التحكم في كل من سعر الصرف وأسعار الفائدة، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر.
يرجع السبب وراء حالة الانكماش الخطيرة، التي يعاني منها الاقتصاد التركي في الوقت الحالي، إلى أن الذين يديرون شؤون الدولة قد ابتعدوا تماماً عن دولة القانون. والأدهى من ذلك أنهم لا يدركون خطورة فعلهم هذا، وهم في ذلك لا يفقهون نظرية ماندل بشأن المستحيلات الثلاثة. لا أدري هل كان ذلك لجهل منهم، أم لغرض آخر في نفوسهم، لا يمكنني الجزم بذلك.
دعنا نعود إلى الثلاثي الذي تحدثنا عنه أعلاه؛ على الرغم من أن تركيا تتيح حرية حركة رأس المال، لكنني لا أظن أن الحكومة الحالية ستستمر طويلاً على هذا النهج. تتظاهر الحكومة الحالية بأنها لا تمارس أي ضغوط في اتجاه تحقيق الاستقرار لسعر صرف العملة المحلية، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع، في داخل تركيا وخارجها، أنها تضغط بشدة على البنوك الحكومية من أجل بيع العملة الصعبة بكميات كبيرة للحفاظ على استقرار الليرة التركية في المقابل.
وإذا كنتم من المتابعين للصحفي والخبير الاقتصادي التركي أوغور جورسيس، فسترون بوضوح كيف منعت وزارة المالية زيادة أسعار الفائدة عن طريق تأجيل المناقصات أو إلغائها. ليس من الصواب أن تمارس أية دولة ضغوطاً على سعر الصرف وسعر الفائدة من أجل ضمان ثباتهما، ولكن هناك من الوسائل والطرق الأخرى التي يمكن للحكومات اتباعها للحفاظ على ثبات سعر الصرف والفائدة كذلك.
من ناحية أخرى، فإننا إذا أخذنا إسهامات أساتذة الاقتصاد والخبراء الاقتصاديين مأخذ الجد، فربما استطعنا أن نعبر من تلك الأزمة الكبيرة.
والواقع أن النظام الاقتصادي والقانوني والسياسي في تركيا يُدار بشكل سيء للغاية خلَّف آثاراً سلبية بدأنا نشعر بعواقبها، التي تزداد وخامة يوماً بعد يوم.
أكرر دائماً أنني، بصفتي أحد مواطني هذا البلد، أعارض بشدة ابتعاد تركيا عن المؤسسات الغربية. وفي رأيي الشخصي، إنه يتعيَّن على تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، ألا تُقدم على شراء منظومة S-400 الصاروخية الروسية؛ لأنها إذا أصرت على إتمام هذه الصفقة فستدفع في المقابل فاتورة ثقيلة في كافة المجالات.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/dolar/dolarin-hareketlerini-anlamaya-calismak-mundellin-intikami
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.