محركات سفن أنقرة المتفجرة في ليبيا

لم تكن السفينة التركية الأولى تلك التي اكتشفتها البحرية اليونانية محملة بالمتفجرات قبل أن تتوجه بشحنتها الخطرة إلى الشواطئ الليبية لتأجيج الصراع، الذي أشعلته سياسات تركيا وقطر وغيرهما على مدى السنوات الخالية. 
وأوقفت أثينا من قبل سفينة أخرى كانت متجهة من ميناء هطاي جنوب تركيا إلى ليبيا، وعلى متنها نحو 20 ألف قطعة كلاشينكوف (AK-47).
شحنة المتفجرات الأخيرة أخذت حمولتها من ميناءي مرسين والإسكندرونة التركيين. وأوضح خفر السواحل اليوناني أن تحقيقا أوليا وجد أن الربان تلقى أوامر من مالك السفينة بالإبحار إلى مدينة مصراتة الليبية لتفريغ الحمولة بأكملها.
لا يمثل الحادث تحولا جذريا في سياسات تركيا حيال ليبيا، وإنما الثابت في هذه السياسات اختراق "الحظر الأممي" على بيع ونقل وتوريد الأسلحة إلى ميدان الصراع الليبي المحتدم منذ عام 2011. 
بيد أن توقيت هذا الحادث يشير إلى العديد من الدلالات، منها أن ثمة توجها تركيا لتكثيف الحركة عبر القارة الأفريقية. ففي الوقت الذي تحاول أن تتخذ فيه تركيا من السودان مدخلا للوجود العسكري على سواحل البحر الأحمر، تسعى إلى توجيه الصراع في ليبيا، على نحو يضمن أن يغدو مدخلا للوجود في شمال أفريقيا، وسواحل المتوسط الجنوبية.
توظف تركيا في ذلك أدوات عديدة، من ضمنها التحرك تجاه دول الجوار الليبي، على النحو الذي عكسته جولة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مؤخرا، والتي شملت السودان وتونس وتشاد، وهى دول مجاورة لللأراضي الليبية. 
تحركات تركيا نحو ليبيا تأتي أيضا عبر مسارين: المسار الأول عسكري، ويتمثل في محاولة إعادة تشغيل الخط البحري للسفن المحملة بالأسلحة والمواد المتفجرة بين شواطئ تركيا وسواحل ليبيا، بعد أن كانت ذروة العمل على هذا الخط خلال عام 2014.
تسبب ذلك في اعتراض السلطات الليبية عديد من السفن التي انطلقت من تركيا محملةً بحاويات الأسلحة والذخائر لدعم الميليشيات الإسلامية، بما أفضى إلى إصدار المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي أوامر بقصف أي سفينة (تركية) تحمل الأسلحة ووجهتها شواطئ ليبيا.  
حذّرت القوات الجوية الليبية أيضا من أنها ستهاجم أي طائراتٍ تركية تدخل المجال الجوي الليبي، وهو ما أكد أن الليبيين انتبهوا لطبيعة الدور الذي تقوم به أنقرة في بلادهم والداعم لكثير من الجماعات الإسلامية المتطرفة. 
 مسار تحرك تركيا عسكريا نحو ليبيا شمل كذلك العمل بالتنسيق مع السودان لإعادة إحياء الطريق البري بين الخرطوم وجنوب شرق طرابلس، والذي من أجل إيقافه أطلق الجيش الوطني الليبي عملية "الرمال المتحركة" لقطع طريق مرور الأسلحة التركية في جنوب شرقي ليبيا، عبر الأراضي السودانية.
ترتب على ذلك أن صرحت قيادات بالجيش الليبي أن كلا من تركيا وقطر كانتا يزودان الميليشيات الإرهابية بالأسلحة عبر السودان، التي طالما كانت نقطة عبور للأسلحة الإيرانية في السابق للجماعات المتطرفة بالشرق الأوسط. وحظرت السلطات الليبية الطائرات التركية من استخدام المجال الجوي الليبي. وفي خطوة تالية، أعلنت أن الطائرات السودانية لم يعد مسموحًا لها أيضا بالمرور. 
 لمواجهة هذه التحولات الدرامية على الأرض، أقدمت الحكومة التركية على التحرك عبر المسار الثاني، وهو المسار السياسي، فأعادت وزارة الخارجية التركية فتح سفارتها في ليبيا، لتكون بذلك ثاني بعثة دبلوماسية تستأنف عملها في طرابلس، بعد السفارة الإيطالية، التي أعادت فتح أبوابها.
حاولت تركيا مد خطوط التواصل مع المشير حفتر، وفق إستراتيجية أطلق عليها "ذوبان الجليد"، عبر استقبال وفد من البرلمان أجرى مباحثات في البرلمان التركي، ورئاسة الوزراء، ووزارة الخارجية، وفي مقر الرئاسة مع الرئيس التركي نفسه.
تحركات تركيا العسكرية والسياسية حيال ليبيا تستهدف تحقيق ثلاثة أهداف ثانوية: أولها، صرف الانتباه عن سياسات الدعم لحلفائها الإسلاميين بعد الضربات المتتالية التي وجهت إليهم من قبل الجيش الوطني الليبي.
ثانيها، ضمان نفوذ تركيا في ليبيا قبل تدشين مرحلة التسويات السياسية، على نحو يجعل أنقرة - بالتعاون مع قطر - قادرة على تعطيل مسار أي تسوية لا تحقق مصالح الحلفاء من التنظيمات والتيارات الإسلامية في ليبيا.
ثالث أهداف تركيا، تعلق بمحاولة التأثير على مقاربات دول الجوار لتشكيل رؤية مضادة للرؤية المصرية الخاصة بضرورة إنهاء وجود التنظيمات الجهادية والإرهابية في ليبيا. 
هذه الأهداف الثانوية تسعى تركيا عبرها إلى السير في اتجاه تعبيد الطريق أمام عودة الاستثمارات ومؤسسات الإغاثة التركية التي تمثل أذرع قوية للاستخبارات التركية إلى الأراضي الليبية.
يأتي ذلك على خلفية سابق إعلان السلطات الليبية استبعاد الشركات التركية من العمل في ليبيا، بما أفضى إلى خسائر ضخمة للجانب التركي، بالنظر إلى أن حجم العلاقات التجارية الثنائية في عام 2014 قُدِّر بـ 2,3 مليار دولار. 
وبلغت الاستثمارات التركية في ليبيا نحو 2.5 مليار دولار، كما لتركيا نحو 1.4 مليار دولار من المدفوعات المتأخرة لدى الجانب الليبي، ونحو 100 مليون دولار في البنوك الليبية منذ عام 2011. 
تسعى تركيا إلى استخدام ليبيا كأداة وظيفية للضغط على الدولة المصرية، وهذا التحرك شمل السودان مؤخرا، والتوافقات معه بشأن جزيرة سواكن، واجتماع رؤساء أركان الجيوش في تركيا وقطر والسودان، والحديث عن اتفاقات عسكرية بين الدول الثلاث، وربما تشمل في مرحلة لاحقة دولا أخرى مثل إيران وإثيوبيا. 
سياسات تركيا باتت تعكس نمط المواجهة شبه المباشرة، عبر أدوات وتحركات غير تقليدية، مع كثير من الدول العربية التي تمثل مركز الثقل العربي، في مسعى إلى الحفاظ على بقايا محور إقليمي مركزه قطر، وتركيا، وتيارات الإسلام السياسي، وأدواته تسيير السفن المتفجرة، ومساندة التنظيمات الإرهابية، ونقل المقاتلين من ميادين الصراع المتهبة إلى ميادين الصراع المحتملة في الشرق الأوسط.
 المثير أن توقيف السفينة التركية المليئة بالمتفجرات لم يحظ باهتمام دولي كبير، وكأن هناك من يعرفون طبيعة الدور التخريبي في ليبيا ويصمتون عليه، أو لديهم رغبة لاستمرار التدهور فيها، على الرغم من الخطاب المعلن المؤيد للتسوية السياسية والتمسك بحظر توريد الأسلحة للجيش الليبي.