ذو الفقار دوغان
يونيو 28 2018

محرم إينجه.. ميلاد الأمل من رحم اليأس!

استطاع محرم إينجه أن يتخطى نسبة 30%، بعد 41 عاماً مضت على تحقيق حزب الشعب الجمهوري نسبة 40%، تحت قيادة بولنت أجاويد في عام 1977؛ ليحدث بذلك فجوة في الجدار المنيع؛ كي ينفذ من خلالها ضوء الشمس إلى داخل الغرفة المظلمة.
قال محرم إينجه في المؤتمر الصحفي، الذي عقده للتعليق على نتائج الانتخابات "إذا لم تهنئوا الطرف الآخر، فهذا يعني أننا لن نخوض السباق مرة أخرى. سنخوض السباق من جديد". بثت هذه الكلمات الأمل في نفوسنا، ووسعت من حجم الفجوة التي أحدثتها نتيجة الانتخابات؛ ليدخل إلى تلك الغرفة المظلمة شعاع الأمل.
وعلى الجانب الآخر، أشاد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، ماهر أونال، بمحرم إينجه بقوله "موقف محرم إينجه اليوم يستحق التقدير"، فيما كانت جملته "لا يمكنكم أن تحرزوا نصراً بالاكتفاء بمراقبة هزيمة الآخرين. يتعين عليكم أن تعملوا كثيراً حتى تصنعوا نصركم الخاص" مؤشراً على نية الحزب الحاكم على تضييق الخناق على المعارضة، وأنه لن يسمح بنفاذ المزيد من الضوء.
والواقع أن نتائج انتخابات 24 يونيو 2018 ستظل محل نقاش، وأن تحليلها من زوايا عديدة سيستمر لفترة طويلة.
المؤكد الآن أن تركيا قد خطت بهذه الانتخابات أولى خطواتها نحو مرحلةٍ سيختفي معها النظام البرلماني، الذي عهدناه منذ عقود؛ ذلك النظام الذي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وسيتغير معه النظام الانتخابي والسياسي، وأسلوب استخدام السلطة في الدولة كذلك.  
سيسجل التاريخ أن يوم الخامس والعشرين من يونيو لعام 2018 هو أول يوم من المرحلة الجديدة، التي ستنطلق خلالها السيارة، التي لن يقودها إلا شخص واحد على الطرق إلى المجهول. 
ومن المقرر -حسب التقويم التشريعي في البلاد- أن يجتمع مجلس النواب بكامل أعضائه؛ البالغة أعدادهم 600 عضو في الثامن من يوليو؛ أي بعد يومين من الإعلان النهائي عن نتيجة الانتخابات في الخامس من يوليو المقبل.
وبعد انتهاء مراسم أداء القسم، ستبدأ أعمال تشكيل الحكومة الجديدة، وسيعين أردوغان مجلس الوزراء المكون من ستة عشر وزيراً، وسيتسلم أردوغان مهام الحكومة من رئيس الوزراء "السابق" بن علي يلدريم. وبحلول النصف الأول من يوليو، سيكون الأمر برمته قد انتهى. وعندها ستبدأ الحكومة، ونظام الحكم الجديد في ممارسة مهامه، خلال فترة جديدة، ستستمر لمدة خمس سنوات مقبلة. 
يشير الوضع الراهن إلى أن أردوغان سيبدأ فترة رئاسية ستستمر خمس سنوات، بداية من 23 يونيو الجاري وحتى عام 2023. ومع هذا، فأريد أن أؤكد هنا أن احتمال الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة - قبل انقضاء المدة المقررة، كما حدث في هذه المرحلة - لا يزال قائماً.
دعوني في البداية أوضح لكم الأمر بشكل أكثر وضوحاً؛ إن النظام الرئاسي، الذي أوجده الحزب الحاكم في عالم السياسة تحت زعم تحقيق الاستقرار في حكم البلاد، وضمان الاستمرارية.... إلخ، ووضع حد لعصر الائتلافات، هو نفسه الذي لجأ إلى تكوين ائتلاف جديد؛ جاء به من صناديق الاقتراع، ليس هذا فحسب، بل وأجبر الأحزاب، وهي تتوجه إلى صناديق الاقتراع، على تكوين ائتلافات مع أحزاب أخرى، واصطحاب هذه الائتلافات معها -بعد انتهاء الانتخابات- إلى المجلس، وحتى في إدارة البلاد.
وقضى حزب العدالة والتنمية -بهذه الخطوة- على الانفراد بالسلطة وحده، كما كان الوضع في النظام القديم ﺒ293 عضواً، وصار عاجزاً عن تحقيق الأغلبية بمفرده في البرلمان بعدد أعضاء 301 عضواً. ومع هذا فقد ضمن تحالفه مع حزب الحركة القومية "تحالف الشعب" بقاءه في السلطة. وإذا دققنا النظر في النتائج المعلنة؛ لأدركنا أن حزب العدالة والتنمية قد حصل -بشكل فعلي- على 42% من الأصوات، وأن نسبة اﻟ 10% من الأصوات، التي رجحت كفته في انتخابات الرئاسة، إنما جاءت إليه من تحالفه مع حزب الحركة القومية. وبحساب نسبة الأصوات الخاصة به وحده، يتبين أن نسبة المؤيدين له قد انخفضت بواقع سبع نقاط؛ مقارنة بما حصل عليه في الأول من نوفمبر لعام 2015.
ومما لا شك فيه أن أردوغان سيظل يبحث باستمرار عن دعم حزب الحركة القومية في كل مرة يريد فيها استصدار قانون من مجلس النواب، إذا استثنينا بالطبع المراسيم التي تخوله سلطاته استصدارها. وإذا حدث أي اختلاف بين الحزبين، فسيجد نفسه في حاجة ماسة إلى دعم واحد أو اثنين من الأحزاب المُكَوِّنة لتحالف الأمة، الأمر الذي سيجبر أردوغان شخصياً على الميل باستمرار إلى انتهاج سياسة تصالحية؛ حتى لا يخسر طرفاً قد يحتاج إليه في المستقبل.
وإذا قرر حزب الحركة القومية في وقت من الأوقات أن ينسلخ عن حزب العدالة والتنمية، حينئذٍ ستكون السلطة ائتلافية بين الحزبين. وفي هذه الحالة سيفقد حزب العدالة والتنمية الأغلبية داخل البرلمان، ولن يكون بمقدور اللجان المختصة داخل المجلس أن تُمَرِّر ما تريده من قوانين بين عشية وضحاها، الأمر الذي سيجبر حزب العدالة والتنمية على انتهاج سياسة تصالحية من جديد. أما إذا ارتضى بهجلي، وحزب الحركة القومية أن يكونا مثل "الجندي" الذي ينفذ أوامر رؤسائه من دون تفكير فهذا أمر آخر.
وبالإضافة إلى هذا، يتعين على أردوغان وحكومته الجديدة، الذين سيتعين عليهم التعامل مع الصعوبات الاقتصادية خلال فترة وجيزة، والابتعاد عن الاقتصاد الانتخابي، أن يسرعوا في القيام بالإصلاحات الهيكلية، التي طالما تحدث عنها محمد شيمشك مراراً قبل الانتخابات بقوله "سنسرع بهذه الإصلاحات بعد الانتخابات"، وبالتالي ستكون على جدول أعمال البرلمان.
سينهمر على أردوغان عما قريب وابلٌ من المشكلات؛ بداية من الوقود السائل إلى السجائر، ومن الكهرباء إلى الغاز الطبيعي.
سيجد نفسه كذلك محاصراً بفاتورة القروض الضخمة التي قدمها خلال فترة الانتخابات، وإعانات الفائدة، والخصومات الضريبية، والإعفاءات التي أقرها، واحداً تلو الآخر.
ومن المؤكد أن هناك قطاعات واسعة من المجتمع ستشعر بضيق وتذمر شديدين من الإجراءات التقشفية، التي سيتبعها أردوغان، والتي قد يصاحبها مطالب أخرى لحزب الحركة القومية. أما بهجلي، الذي يُنتظر أن يطالب في القريب العاجل بإصدار عفو عام، فسيظل على دكة الاحتياط بالنسبة إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وسيظهر باستمرار في صورة "الطرف الذي يقدم التنازلات" فحسب. وفي قناعتي، إن هذا الوضع سيجعل بهجلي يرضخ في النهاية.
وعلى الطرف الآخر، ينبغي أن ينعكس الزلزال، الذي شهده حزب الشعب الجمهوري بعد الانتخابات، على برنامج الحزب، وعلى ضخ دماء جديدة بداخله. وقد بعث محرم إينجه في خطابه اليوم بإشارات تحمل هذا المعنى.
وإلى جانب فارق النقاط الثماني بين صوت إينجه، والصوت الذي حصل عليه النائب عن حزب الشعب الجمهوري في الانتخاب، فقد ثارت ردود أفعال حول كليجدار أوغلو ومن حوله، بعدما تساوت الأصوات مع حزب العدالة والتنمية في منطقة جانكايا التابعة لأنقرة، التي تعد معقل حزب الشعب الجمهوري، بالإضافة إلى تراجع أعداد نواب الحزب عن منطقة يني محله، وإسطنبول، وإزمير، وأنطاليا.
كان كمال كليجدار أوغلو، الذي انزوى في بيته كعادته في استفتاء 16 إبريل، وفي انتخابات الأول من نوفمبر عام 2015 ليلة الانتخابات، في بؤرة ردود الأفعال التي تزامنت مع الانتخابات. ليس هذا فحسب، بل ثارت نقاشات داخل كواليس حزب الشعب الجمهوري حوله، بعد أن اختار قائمة المرشحين في مجلس النواب بمفرده، بالتعاون مع بولنت تزجان، وقام بتصفية فريق إينجه تقريباً، في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات؛ مناديةً بتجديد الدماء داخل حزب الشعب الجمهوري، وتبني وجهة نظر أكثر ديناميكية مع محرم إينجه قبل الانتخابات المحلية في 30 مارس 2019.
وعلى الجهة المقابلة، نجد أن أردوغان كان يعكف باستمرار على تجديد الدماء داخل حزب العدالة والتنمية؛ بإحداث تغييرات جذرية داخل الحزب قبل كل انتخابات. وكانت هذه التغييرات تطال الحكومة المحلية والمرشحين ورؤساء البلديات. أعتقد أن الوقت قد حان لأن ينتهج حزب الشعب الجمهوري نفس النهج فيما يخص هذه النقطة. ولا أبالغ إذا قلت إننا تأخرنا كثيراً في اتخاذ هذه الخطوة.
فيما ترددت الأقاويل بأن قول محرم إينجه - في خطابه "سنتخطى حاجز اﻟ 50% كما تخطينا حاجز اﻟ 30% في هذه الانتخابات" و "إذا قالوا لنا انصرفوا من أمامنا، فسأقول لهم أنا ههنا، إني على أهبة الاستعداد" - كان بمثابة رسالة إلى الإدارة العليا في حزب الشعب الجمهوري؛ حملت معنى "أفسحوا لي الطريق!"، فقد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ حمل عنوان "سر أمامنا!"، تفاعل معه مرتادو هذه المواقع بكثافة شديدة في سبيلها إلى تحقيق رقم قياسي.
وفيما أكدت هذه المشاركات جميعها على فكرة "لا تتركوا إينجه وحيداً!"، نجد أن كل المشاركين فيها قد وضعوا نصب أعينهم مهمة زيادة هذه المشاركات "البوستات" من 15 مليون مشاركة إلى 30 مليون مشاركة؛ رغبةً منهم في بث روحٍ من شأنها أن تحول حالة الكآبة، التي صاحبت الخسارة في الانتخابات، إلى روح حماسية تسري بين المواطنين.
يبدو أنه لم يعد أمامنا مفر آخر سوى أن تهب رياح التغيير في المستقبل القريب داخل حزب الشعب الجمهوري. فإلى جانب عدم ظهور الحزب الصالح وحزب السعادة بالنجاح المتوقع -من خلال "تحالف الأمة"- نجد أن حزب السعادة قد أخفق في أن يكون له تأثير على الكتلة التصويتية لحزب العدالة والتنمية، في الوقت الذي استطاع الحزب الصالح أن يجتذب أصواتاً من حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية. الجانب اللافت أيضاً في هذه النتائج هو تراجع الكتلة التصويتية لحزب السعادة إلى 3-4%، وعلى النقيض من ذلك اتجه التصويت إلى حزب الشعب الجمهوري في محافظات مثل أديمان، وقره بوك، وإلازيغ، وقهرمان مرعش. 
وتشير التقييمات الأولية لنتائج الانتخابات أن محرم إينجه وأصدقاءه بدؤوا على الفور في التعامل مع الأمر بحكمة؛ ليحولوا الإخفاق إلى نصر؛ وذلك بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب وليس العكس.
لم ينظر محرم إينجه وفريقه إلى فوز أردوغان على أنه انتصار ساحق، وهو الذي فقد الأغلبية بين الأحزاب الستة، التي يتكون منها هيكل مجلس النواب، وبعد أن وجد نفسه مجبراً على اتباع سياسة المهادنة، في ظل ظروف اقتصادية سيئة؛ تضغط بشدة على المواطن التركي، بل على النقيض من ذلك أخذ يستعد استراتيجياً؛ كي يحول الوضع الراهن إلى انتصار سياسي قبل الانتخابات المحلية.
ويمكن القول إن ما يقوم به إينجه من استعدادات هو بمثابة "آلام التشريح لحالة اليأس الراهنة من أجل الخروج بحل من هذا المأزق". 


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: