غوكهان باجيك
ديسمبر 26 2018

محنة العلمانية في تركيا التي يقودها الإسلاميون

القيادة التركية، التي يهيمن عليها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الجديد، لها العديد من المكونات الأيديولوجية. 

بدايةً، الإسلاميون هم الجماعة المهيمنة، لكن لهم الكثير من الجماعات الفرعية. ويمكن للمرء أن يعتبرها جماعات إسلامية كثيرة منظّمة حول الرئيس رجب طيب أردوغان. 

ورغبة أردوغان الرئيسة من تلك الجماعات ليس كسب أصواتها. فمعظم الجماعات الإسلامية صغيرة وبالتالي فهي غير قادرة على إحداث أي تأثير حقيقي على الانتخابات.

أولاً وقبل كل شيء، يستخدم أردوغان تلك الجماعات كموارد بشرية. على سبيل المثال، كثير من أعضاء جماعة المنزل الإسلامية موظفون في وزارات حساسة مثل وزارتي الصحة والطاقة. وينتمي مفتي إسطنبول إلى جماعة أرينكوي. وبالمثل، يقيم الكثير من القضاة وأعضاء النيابة العامة الموالين للحكومة علاقات اجتماعية مع جماعة إسكندر باشا.

الدعاية هي الموضوع التالي. نظراً لكونها حركات منظمة، فالجماعات الإسلامية قادرة على العمل عبر وسائل الإعلام المتنوعة، مثل محطات الراديو والقنوات التلفزيونية والصحف. تلك الجماعات تقدم قنواتها لأردوغان، وتُحدث تأثيراً كبيراً من خلال الدعاية التي لا تتوقف لصالح النظام. 

على نحو مشابه، تلعب الشخصيات العامة التي تنتمي لتلك الجماعات الإسلامية مثل الأكاديميين والخطباء وممثلي النقابات المهنية، دوراً رئيساً في إضفاء الشرعية على سياسات أردوغان في المناقشات العامة. 

بالمقابل، تتلقى الجماعات الإسلامية أشكالاً متعددة من الدعم الاقتصادي وفرص التوظيف. والحركات الإسلامية كيانات اقتصادية أيضاً، والحوافز التي يحصلون عليها من الحكومة أشدّ فاعلية من وسائل الدعم التقليدية، مثل التبرعات. 

المكوّن الأيديولوجي الثاني في النظام هو القوميون. وحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان في ائتلاف مع حزب الحركة القومية. لكن ما لا يقل أهمية عن هذا التحالف السياسي هو تعاون القوميين الأتراك داخل النظام الإداري، إذ أنهم يشكلون مجموعة كبيرة جداً داخل جهاز الخدمة المدنية التركي.

يبلغ عدد المعلمين الذين توظفهم الحكومة قرابة 900 ألف. ووفقاً لأحدث الإحصاءات، فإنّ نقابة المعلمين القوميين التي تُعرف بموقفها المؤيد لحزب الحركة القومية، تمثل أكثر من 200 ألف معلم. وفي الوقت نفسه، تم فصل 31 ألف معلم فقط من العمل في حملة التطهير المناهضة لحركة غولن في أعقاب الانقلاب الفاشل في يوليو 2016. 

وللحصول على فكرة عن الحجم الهائل لجهاز الخدمة المدنية التركي، ضع في الاعتبار أنّ كل عمليات التطهير منذ محاولة الانقلاب تمثل أقل من خمسة في المئة فقط منه. 

وحزب الحركة القومية حزب منضبط للغاية يتبع مبادئ ويملك ما لا يقل عن عشرة بالمئة من الأصوات الشعبية. ويحثّ الحزب أتباعه على اتخاذ مواقف داخل جهاز الخدمة المدنية. نتيجةً لذلك، فقد كان له دائماً وجود كبير داخل الجهاز، بما في ذلك في المناصب الإدارية العليا. 

ويجب عدم إغفال العامل القومي عند تحليل تصرفات تركيا بشأن عدد من القضايا الرئيسة مثل المشكلة الكردية. 

المكون الأيديولوجي الثالث هو جماعة أولوسالجي، أو الأوروآسيويين في تركيا. هؤلاء القوميون أكثر تشدداً فيما يتعلق باستبعاد الدين والسياسات تجاه الأكراد. وما نعرفه بشكل عام باسم "أرغينيكون" عادةً ما ينسب إلى جماعة أولوسالجي.

هذه الجماعة ليس لها في الواقع قاعدة شعبية. غير أن الجماعة، التي يمثل دوغو بيرينجيك، زعيم الحزب الوطني، وهو حزب هامشي، رمزاً لها، تملك نفوذاً ينبع من تأثيرها في المستويات العليا بالمؤسسات العامة مثل الجيش والقضاء.

في الوقت نفسه، تساعد الجماعة النظام، على نحو يدعو للسخرية، على اكتساب الشرعية بين الدوائر العلمانية الأكبر. على سبيل المثال، يشيد كثير من العلمانيين الأتراك باعتقال صحفيين مثل أحمد ألتان أو نازلي إليجاك، اللذين يعرف عنهما دعمهما لمحاكمات أرغينيكون. 

وشأنها شأن القوميين، تملك جماعة أولوسالجي نفوذاً في تشكيل سياسات تركيا بخصوص قضايا متعددة، منها العلاقات مع سوريا وروسيا فضلا عن المشكلة الكردية. 

وهكذا، فما الرابط الأيديولوجي الذي يربط كل تلك الجماعات معا؟

الإجابة تكمن في المبادئ العريضة لتقاليد الدولة في تركيا. 

أولاً، يتعين على الدولة التركية التاريخية دائماً أن تحافظ على نموذج محوره الدولة في السياسة والاقتصاد والمجتمع.

المذهب السنّي هو المبدأ الثاني، الذي ينظم المجال الديني، علاوة على العلاقات بين الدولة والمجتمع فيما يتعلق بالمؤسسة الدينية. 

المبدأ الثالث هو النزعة التركية، والتي تعني أنه لا يجوز للجماعات العرقية والثقافية الأخرى أن تطالب بالمساواة مع الأتراك. وضع وحقوق تلك الجماعات يقرره الأتراك بشكل أحادي. 

يتفق الإسلاميون والقوميون وأنصار أولوسالجي على تلك المبادئ العريضة الثلاثة، وكلهم تعرض للتهميش في وقت أو آخر. 

في التسعينيات، كان الإسلاميون هم من تحدى الوضع الراهن في تركيا، من خلال هوية أكثر عالمية. ما كان لهم أبدأ أن يكونوا على وفاق مع القوميين وأتباع أولوسالجي بشأن أي قضية. لكن تحوّل الإسلاميين مكّنهم من تقاسم نهج مماثل. 

وفي النهاية، سأتحدث عن العلمانية والتغريب.

قبل نحو 15 عاماً، كنت بالتأكيد سأضيف هذا كمبدأ رابع لتقاليد الدولة التركية. واليوم، أصبحت العلمانية أشبه باليتيم في السياسة التركية، حيث لا تجد اهتماماً يذكر من أي جماعة رئيسية أو حزب. 

نتيجة لذلك، فإن مصير العلمانية قاتم. ليس من الواضح كيف يمكن أن تنجو في تركيا التي يقودها إسلاميون من دون أي توجّه غربي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً :