سيرتاتش أوكتان
فبراير 05 2018

مخرج إيراني في وصيته للأتراك: احذروا

قدم المخرج الإيراني الشاب كيوان كريمي أول أفلامه وعمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، ويقول النقاد إن له طريقة فريدة في الإخراج تنعكس بصورة جلية في تطور تعامله مع الكاميرا من خلال اهتمامه بتسليط الضوء على الأصول المتجذرة للحياة في المجتمع.
وفي عام 2015 كان قد مر اثنا عشر عاما على انطلاقته أخرج خلالها خمسة عشر فيلما؛ حينها عوقب كريمي بالسجن لست سنوات وبالجلد 223 جلدة وغرامة قدرها 20 مليون ريال (660 ألف دولار) لمجرد رفضه حذف مقطع مدته عشر دقائق من أحدث أفلامه حينها الذي حمل عنوان "الكتابة على جدران المدينة" وهو وثائقي مدته 60 دقيقة عن رسوم الجرافيتي في طهران.
عرض الفيلم الوثائقي، الحاصل على جوائز، في الكثير من المهرجانات السينمائية في العديد من الدول في مختلف أنحاء العالم. لكن كريمي المخرج الإيراني ذي الأصول الكردية الذي يبلغ من العمر الآن 33 عاما لم يكن بمقدوره الحضور في أي مرة عُرض فيها فيلمه.
قال كريمي "أحاول الوصول إلى القصة الحقيقية وراء أي شيء.. لا يمكنني فقط أن أقبل الروايات التاريخية التي تسردها الدوائر الرسمية".
وأضاف "لا يمكنني أن أعرض أكاذيب. تلك الدقائق العشر كانت أصعب ما في الأمر لأنها كانت تحكي قصة الحركة الخضراء عام 2009. قال لي بعضهم إني أصبت بالجنون لمجرد تقديم فيلم يحتوي على هذه التفاصيل. لكني مسؤول أمام التاريخ وليس أمام الحكومة. لذا اخترت الإبقاء على تلك الدقائق العشر في فيلمي وكان الزج بي وراء القضبان هو الثمن".
أمضى كريمي في السجن سنة واحدة مع إيقاف تنفيذ بقية الحكم بسبب الانتقادات الدولية والضغوط من مختلف أنحاء العالم. الآن يقضي المخرج الشاب فترة مراقبة ويواجه خطر العودة للسجن لقضاء بقية فترة العقوبة إذا لم يعتبر أصحاب الأمر أنه "يتصرف" على نحو ملائم. لهذا السبب لم يعد كريمي يعرض آراءه السياسية في مقابلات صحفية لأنه أمر غير مسموح به.
في الخامس عشر من يناير 2018 ولأول مرة في حياته تمكن كريمي من مشاهدة أحد أفلامه على شاشة كبيرة في قاعة سينما حقيقية بالعاصمة البلجيكية بروكسل. كانت عيناه تنطقان بالسعادة والشغف بما يدل على ما في شخصيته الخجولة المتواضعة من تفاؤل وشجاعة.
لم يكن عرض أفلامه في دور سينما بالأمر الممكن في أي مكان داخل إيران. لكن أعماله منتشرة هناك كالنار في الهشيم من خلال تداولها عبر الإنترنت أو تطبيقات مثل تيليجرام وهو واسع الانتشار في إيران بفضل ما فيه من أمان وخصوصية. قال كريمي "لم يسبق أن رأيت وجوه من يشاهدون أفلامي، لم أعرف أبدا من قبل كيف يشعرون ولا كيف يتصرفون في حياتهم الواقعية".
يعرض فيلم كريمي ضمن مهرجان "بالتوقيت الشتوي" الذي يركز هذا العام على السينما الإيرانية خاصة الأفلام القادمة من طهران. لذا، وبتصريح خاص من السلطات في بلده، حضر كريمي إلى بروكسل لحضور عرض فيلمه. وبعد العرض طلب المنظمون من كريمي أن يلقي كلمة قصيرة وأن يجيب على عدد من أسئلة جمهور من مختلف الجنسيات الأوروبية لذا تحدث مخاطبا الناس في قاعة العرض.

كيوان كريمي

قال حين سئل إن كان يدرس الحصول على حق اللجوء "مهما حدث سأعود إلى إيران وسأعيش في إيران".
وأضاف "حين تكون فنانا تقدم نوعا من الفن عن بلدك من الضروري أن تكون هناك بداخلها، فالإلهام أمر بالغ الأهمية. حين تخرج بعيدا عن بلدك لن يكون بوسعك أن تضع قواعد جديدة أو أن تخرج بأساليب جديدة للاستفادة من هذا الإلهام وتحقيق أهدافك".
وتابع "في الحقيقة هناك حراك لا يتوقف بيني وبين المجتمع في إيران. من خلالهم أستخلص ما أريد من معلومات وأقدمها عبر مرآة الشاشة. لدي بعض المعجبين المتعصبين الذين يتبعونني في كل ما أقوم به، فلمَ أقضي على علاقة بمثل هذه الخصوصية؟ لن أخيب أملهم أبدا، كلا لن أغادر إيران وسأبقى هناك وسأصنع أفلاما جديدة في إيران".
وقال كريمي أيضا إن المجتمع الإيراني يموج بالتغيرات السريعة التي تتجاوز في إيقاعها ما يقدمه في أفلامه.
وقال "أنا شخصيا في السياسة أنتمي لليسار لذا أركز على التحديات التي يتعرض لها الفقراء ومعاناتهم.. الطبقات المتدنية والعاملة. لا أفترض بشكل تلقائي أني سأواجه مشاكل بسبب أعمالي لأن خطوط المسموح بمناقشته وغير المسموح.. وحدود التعبير.. هذه أشياء غير واضحة في إيران. كل هذه الحدود والخطوط تتغير باستمرار. على سبيل المثال في فيلمي "الحدود المخترقة" تناولت التهريب عبر الحدود بين العراق وإيران وهو أمر ظل من المحظورات لعشر سنوات لكني فعلتها. لذا أصبح من الطبيعي أن تُناقش هذه القضية عبر وسائل الإعلام الرسمية. قدمت فيلما آخر عن أحكام الإعدام التي تصدر ضد أطفال. بعدها تم تغيير القانون وأصبحت هذه الأحكام محظورة على من هم دون الثامنة عشرة. كانت الأمور متشابهة في آخر سبعة أفلام لي".
وأضاف كريمي "بعض القضايا تكون صعبة حين أبدأ تصويرها لكنها وبعد بعض الوقت يصبح الحديث عنها عاديا ولا يشكل أي خطورة. لا أعتقد أن أفلامي كان لها أثر كبير على النتيجة لأن تصويرها تم خارج إيران.. لكن ربما كان لها أثر غير مباشر من خلال عرضها عبر الإنترنت، فالإنترنت أداة قوية للغاية في إيران، أقوى بكثير مما تظنون".
وشرح كريمي الرسالة التي أراد تقديمها من خلال فيلم "الكتابة على جدران المدينة". وصف كيف أن الجدران أشبه بطبقة جلد تغطي المدينة وفيها يعيش الناس. ويؤمن المخرج الشاب بأن رسم الجرافيتي يشبه الأعراض التي تصيب الطبقة الخارجية من الجسم.. أو إشارة تعكس ما يوشك أن يحدث إن لم يتم الانتباه له.
وتابع "كثيرون ممن شاهدوا فيلمي في إيران قالوا لي إنهم الآن يتطلعون فيرون الجدران بعين مختلفة كليا وإنهم الآن يرون الأشياء بنظرة أكثر عمقا. ينظرون إلى الجدران ويقولون ‘هذا أشبه بفيلم كيوان’. بالنسبة لي هذا يكفي".
وقال أيضا "لدي مشاريع مستقبلية عن أشياء تحدث اليوم لكني سأبتعد عن الأفلام الوثائقية ومن الآن فصاعدا لن أخرج إلا الأفلام الروائية المباشرة".
في النهاية رأيت أن علي وأنا أجلس بين المشاهدين أن أسأله عن رأيه في تركيا. ما هي الرسالة التي يرغب في إيصالها للمخرجين والفنانين الأتراك؟
قال كريمي "لو تحدثت عن السينما في تركيا فسأقول إن بطلها بالنسبة لي هو يلمظ غوني.. فأنا الآن أعيش بهذه الطريقة بسبب ما حدث له. لقد فاز بجائزة في مهرجان كان لكن ما الذي جرى له بعدها.. لقد مات بعيدا عن الشعب الذي ينتمي إليه. نعرف أيضا ما جرى لفنان مثل أحمد كايا. كنت الأسبوع الماضي في باريس وزرت قبريهما".
وأضاف "هناك في تركيا اليوم أشياء أفضل من ذي قبل.. أتحدث هنا عن الموقف بالنسبة للقضية الكردية، فعلى سبيل المثال فإن تقديم أغنية باللغة الكردية لم يعد من الأمور المروعة. لكني لا أتصور كيف أقدم الرئيس رجب طيب أردوغان على إزاحة رجل مثل صلاح الدين دميرتاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي والزج به في السجن أو وضع أشخاص بالتعيين في إدارة بلديات كردية أو اعتقال عثمان بايديمير رئيس بلدية دياربكر".
سألته هل يمكن أن تصبح تركيا مثل إيران؟
أجاب قائلا "الأمر خطير فعلا وقد يحدث هذا.. نعم قد يحدث".
"إذا تمكنت المجموعات الإسلامية من بسط سيطرتها شيئا فشيئا على كل نواحي الحياة في تركيا.. فلِمَ لا يحدث هذا؟ وصيتي للشعب التركي هذا الحذر.. كل الحذر في اختيار الطريق الذين يختارون السير فيه".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/film/iranian-director-warns-turks-be-careful