مذابح الأرمن.. الذكرى السنوية للشر المستطير الذي قامت عليه تركيا

قامت الدولة التركية فوق جثث الأرمن. فهل من الممكن أن يكون نظام قد تأسس انطلاقا من هذا الشر المستطير وتلك الفظاعات، المتمثلة في القضاء على المواطنين غير المسلمين الذين عاشوا في كنف الدولة العثمانية، أن يمضي في طريق سويّ؟ وكيف تُفسر تلك الخسارة الفادحة الموقف في تركيا اليوم؟
إليك عزيزي القارئ بعض الأمثلة القليلة على آلاف الأسس السياسية والاجتماعية لهذا النظام الذي يتمادى في رفض المساواة في حق المواطنة، ويتملص من مسؤوليته، ويُفلت من العقاب، ويجعل الناس ينسون الماضي ولا يذكرون سوى الرواية الرسمية لما قد كان.
فيما يتعلق بالمساواة في حق المواطنة، فإن النهج اليوم لا يختلف عما كان عليه في بداية القرن العشرين. فكلا النهجين يكشفان عن الإصرار على رفض تقاسم السلطة انطلاقاً من روح الغبن والكراهية.
فهل يكون غير المسلمين متساوون مع المسلمين في الدولة التركية الحديثة، التي تأسست على أنقاض الدولة العثمانية بعد انهيارها؟ لم يحدث هذا، ولم يعد غير المسلمين قادرين على العيش على الأراضي التي احتضنتهم لقرون.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل ستُقبَل المساواة بين الأكراد والتُرك؟ لا توجد إجابة واضحة في واقع الأمر، لكن مجريات الأحداث التي وقعت منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 ترجح أن هذا لن يحدث.
كما أنّ حدث منذ انتخابات 31 مارس المحلية دليل على هذا. فالدعم التكتيكي الذي أعطاه حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد إلى أحزاب المعارضة الأخرى في الانتخابات كان دعماً كردياً من جانب واحد للتُرك ساعد بقوة أحزاب المعارضة المعادية للأكراد على الفوز بمقاعد في غربي البلاد.
ومن ناحية أخرى، هناك شعور بالابتهاج بانتخاب أكرم إمام أوغلو لمنصب عمدة إسطنبول، لكن تصم الآذان أمام الاتهامات الكردية بشأن تزوير الانتخابات في الشرق.
وتحدد حالة عدم المساواة بين من هم في السلطة، ومواطني الطبقتين الثانية والثالثة ملامحَ الرؤية الاجتماعية منذ إصلاحات التنظيمات في القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها إبان مذابح الأرمن.
وترتبط ثقافة السلب والنهب والابتزاز ارتباطاً وثيقاً بحالة عدم المساواة هذه، وتنبع من الحق في الغزو، الذي يقول إن للمسلمين الحق في الاستيلاء على ممتلكات الكفار والزنادقة. وهذه العقلية لا تقبل الاعتذار أبداً، لكنها تجعل الغير يعتذرون. وقد جُرّد غير المسلمين من جميع ممتلكاتهم تقريباً، على الرغم من الكفاح الشاق من أجل إبقاء هذه الممتلكات في حوزة المؤسسات غير المسلمة.
وباتت ثقافة السلب والنهب والابتزاز اليوم منتشرة في كل مكان؛ فممتلكات أي شخص يُصنّف على أنه خائن من الممكن مصادرتها. وفي المدن التي فاز فيها حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات المحلية، أقدم القائمون على إدارة تلك المدن – والذين كان قد تم تعيينهم من قِبل السلطة المركزية – على تجريد البلديات من أصولها قبل أن يتمكن العُمد الأكراد الجدد من تولي مهامهم. وقد صودرت أيضاً ممتلكات أعضاء حركة غولن المتهمين بتدبير انقلاب عسكري فاشل في عام 2016.
وقد فتح أول قرار بمصادرة ممتلكات الأرمن الباب الآن أمام مصادرة جميع الحقوق، بما في ذلك الحق في الحياة، واعتبار هذا الأمر مشروعاً. فضلاً عن ذلك، فإنه من غير الممكن تحميل أحد المسؤولية. أليست ثقافة الإفلات من العقاب هذه هي السبب في الدمار الأخلاقي والمؤسسي الذي لحق بتركيا وانعكس على المجتمع التركي؟
والاستثناء الوحيد هو الجرائم التي تُرتكب بحق الدولة؛ فهذا النوع من الجرائم لا يمر دون عقاب.
والمرحلة الثانية هي أن تنسى، وأن تجعل غيرك من الناس ينسون مثل تلك الممارسات.
ودعوني أضرب مثالين. أولهما هو محاكمة اثنين من الجنرالات الذين نفذوا انقلاب عام 1980 الذي أطاح بالحكومة المدنية. أُطلقت دعوى قضائية في عام 2012 ضد اثنين من جنرالات الانقلاب الخمسة – وهما كنعان أورن وتحسين شاهين كايا – في أعقاب استفتاء أًجري عام 2010 وألغى مادة في الدستور كانت تحمي الانقلابيين. وقد أصدرت محكمة في أنقرة بحقهما حكماً بالسجن مدى الحياة في يونيو 2014 وجردتهما من رتبتيهما.
وبينما كانت محكمة الاستئناف تنظر القضية، تُوفي الجنرالان وأوقفت المحكمة المحاكمة. بعد ذلك ألغت المحكمة الحكم السابق وأعادت القضية إلى محكمة الجنايات التي أصدرت حكماً نهائياً في الثاني عشر من أبريل.
رُفضت الدعوى المقامة ضد أورن وشاهين كايا استنادا إلى أن الاثنين توفيا. وقررت المحكمة أنه لا يوجد سبب يحتم مصادرة ممتلكاتهما ولا تجريدهما من رتبتيهما بعد موتهما. وكما كان الحال في مذبحة الأرمن، مرت الفظائع التي ارتُكبت خلال انقلاب عام 1980 كأن لم تكن.
المثال الثاني يحدث أمام أعيننا.
خلال حملات الانتخابات المحلية، قالت أحزاب المعارضة – باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي – إنها لن تشكك في شرعية الرئيس. وكان معنى قولهم أنهم لن يشككوا في شرعية الشخص المسؤول عن كل ما يحدث في البلاد، بما في ذلك تغيير النظام بالقوة منذ نوفمبر 2015.
دعونا نبدأ بقضية ديون البلديات. قال كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، في نهاية الأسبوع إنه أصدر تعليمات للعُمد القادمين المنتمين للحزب بعدم إثارة المشكلة.
وأبلغ الصحفيين قائلاً "هل هم مدينون؟ نعم هم مدينون. لكننا أبلغنا عُمدنا بألا يلجأوا إلى الخطاب الذي يُظهر أنهم ورثوا حطاماً".
وقد نتج دمار كبير عن نهب الحزب الحاكم للموارد خلال سيطرته على البلديات. وتفاصيل هذا السلب معروفة للجميع؛ لكن زعيم المعارضة يقول إنه لن يسعى لأي مساءلة.
وتكمن هنا أركان السياسة التركية التي يعرفها الجميع، حيث مبدأ عدم خلق مجرمين. هكذا صارت الأمور منذ المذبحة، وهو ما يعني أن بعض الأشخاص يُفلتون بجرائمهم. وتركيا مسرح كبير لأفعال الشر والجرائم التي لم يُساءل أي من مرتكبيها الذين دائماً يُفلتون من العقاب. وفي الوقت الذي تكرر هذه الممارسة نفسها فيه وتخلق مجرمين جددا، تصبح قدرة المجتمع على استيعاب المزيد من الأفعال الشريرة أكثر قوة، ويصبح الشر أمراً عادياً.
وكل ما تبقى هو عقد اجتماعي ضمني يقوم على فرضية أن الأفعال الشريرة مصيرها إلى النسيان. تتبع هذا ثقافةُ رفض المساءلة والاكتفاء بتذكر الرواية الرسمية للأحداث.
والمحللون الذي يريدون الاعتقاد بأنه من الممكن التخلص من النظام الشمولي في تركيا عبر صناديق الاقتراع يبنون توقعاتهم على فرضية أنه لن يتم خلق مجرمين جدد. ويعتقد هؤلاء أن الحكومة ستسلم السلطة بكل لُطف إلى المعارضة، وأن الحكام السابقين سيعودون إلى جحورهم آمنين مع علمهم بأنه لن تتم محاسبتهم على الجرائم التي ارتكبوها. ولو كان السيناريو مختلفاً، فإن النظام الحالي – الذي ارتكب أفعالاً شنيعة وخلّف دماراً اجتماعياً ومؤسسياً غير مسبوق – يجب أن يخضع لعملية قانونية على غرار محاكمات نورنبرغ.
غير أن شرور الماضي المنسي المتراكمة تعود من جديد في ظل الاضمحلال المجتمعي. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا الاضمحلال المجتمعي لا يمكن أن يُفرز شيئاً سوى رجب طيب أردوغان. والمفارقة هنا هي أنه لا يجعل الآخرين يدفعون ثمن هذه الشرور المتراكمة. وكما يقول المثل التركي "العدل من عند الله".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/armenian-genocide/104th-anniversary-turkeys-founding-evil
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.