أحمد سابانجي
مارس 29 2018

مراقبة تركيا للإنترنت أكثر من مجرد مراقبة

لم يعد بإمكاننا في تركيا أن ننظر إلى الإنترنت على أنه وسيلة للوصول الحر وغير المقَيد إلى المعلومات من دون التفكير في الرقابة.
لقد وصلنا إلى نقطة لم يعد أحد ينظر عندها إلى حجب مواقع جديدة على أنه أمر غريب، بل إننا في واقع الأمر صرنا نشعر بالدهشة عندما تكون بعض المواقع ما زالت خارج قائمة الحظر.
والرقابة على الإنترنت هي لعبة القط والفأر، فسهولة التحايل على الحظر تجعل الناس يشعرون بمزيد من السعادة لإيجاد سبل للالتفاف على المشكلة بدلا من مناقشتها.
بيد أن الرقابة على الإنترنت ليست مثل الرقابة على الكتب أو الأخبار، فالعواقب التقنية تخلق مخاطر أبعد من الوصول إلى المعلومة. وحيث أن تلك المخاطر ليست معروفة على نطاق واسع وأن المشكلة لم تحظ بالقدر الكافي من المناقشات، فإن الكثير من الجدل بشأن الرقابة على الإنترنت ينتهي عندما يقول الناس "لا بأس! سأستخدم شبكة خاصة افتراضية (VPN) وأتخطى ذلك الحظر".
ومن بين الأمور غير المعروفة إلى حد كبير التغيرات في تكنولوجيا الحظر. فبينما كانت المواقع الإلكترونية تُحظر من خلال وسائل بسيطة في الماضي، صارت هناك تكنولوجيات متعددة الأغراض وأكثر تقدما تستخدم منذ عام 2014 لجعل الحظر أكثر فاعلية.
وأهم تلك التقنيات ما يعرف بالتفتيش العميق للحزم (DPI) والتي يمكن من خلالها فحص جميع البيانات التي يرسلها المستخدم عبر مزود خدمة الإنترنت. تسمح تلك التقنية للسلطات بحظر محتوى بعينه بدلا من حظر موقع إلكتروني بالكامل. كما يمكن استخدامها لقراءة وتحليل جميع بيانات المستخدم غير المشفرة والتدخل إذا استدعى الأمر. 
وبعيدا عن التفتيش العميق للحزم، فإن هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية تستخدم في بعض الأحيان طرقا مبتكرة لكنها خطيرة من أمثلتها نوع ما من الترخيص.
فالأمر الطبيعي عندما تلج إلى موقع إلكتروني آمن أن تكون فاتحة عنوان الموقع "https://"، والتي تبين أن المتصفح الذي تستخدمه يقوم بعملية اتصال آمن بذلك الموقع. ولكي يكون هذا الاتصال آمنا، يجب أن تؤكد مؤسسة معترف بها دوليا الرخصة.
لكن هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية أعدت شهادة عدم أمان لصفحات تظهر أن موقعا ما تعرض للحظر. وحيث أن متصفحك الإلكتروني لا يمكنه التعرف على هذه الرخصة كرخصة آمنة، تظهر لك رسالة بها رمز حدوث خطأ في الاتصال بالموقع.
وحيث أن مستخدم الإنترنت العادي لا يمكنه فهم السبب وراء ظهور رمز الخطأ هذا، فإن هذه الوسيلة تخفي حقيقة أن ذلك الموقع محجوب.
وفي بعض الأحيان قد تؤدي الرقابة على الإنترنت بالمستخدمين إلى تعريض أمنهم وخصوصيتهم للخطر من دون دراية منهم بذلك.
وفي تركيا، يكاد يكون كل شخص بحاجة لتخطي الحجب لأسباب مختلفة. قد يكون هذا السبب الرغبة في الوصول إلى موقع أخبار معين، أو البحث عن معلومات على موقع ويكيبيديا، أو الاطلاع على ملف جي.آي.إف، أو الولوج إلى موقع إيمجور.
وعلى الرغم من أن هناك طرقا آمنة للقيام بذلك، فإن الأساليب المجانية والأسهل في الاستخدام تتمتع بقدر أكبر من الجاذبية بين المستخدمين وتنطوي على مخاطر محتملة.
فمعظم الشبكات الخاصة الافتراضية يمكنها الوصول إلى كل نشاطك في الفضاء الإلكتروني وقد تتدخل في ذلك النشاط وتجمع معلومات حول كل شيء تقوم به. ومعظم الخدمات المجانية تجمع المال بهذه الطريقة. فبينما تعتقد أنت أنك وجدت طريقة للولوج إلى المواقع المحجوبة من دون أن تدفع مقابلا ماديا، فإن الشركات التي تقدم تلك الخدمات تجني المال عبر استخدام بياناتك أو من خلال إحداث أمور غير مرغوبة بحاسوبك عبر التداخل مع المواقع الإلكترونية التي تزورها أنت.
والكثير من مستخدمي الإنترنت لا يجرون عمليات بحث عن مقدمي الخدمة، ويختارون أول خدمة شبكات خاصة افتراضية يجدونها، بينما التطبيقات الآمنة تائهة في بحر به المئات من المواقع الخطيرة والمضللة التي غالبا ما تظهر في مقدمة نتائج البحث.
والكثير من الناس يثقون في مثل تلك التطبيقات عندما يرونها في الصدارة، ويشرعون في استخدامها. وبطبيعة الحال فإن من يتشدقون بأنهم يفرضون الرقابة على المواقع الإلكترونية من أجل "حماية المواطنين" ليسوا على دراية بالمخاطر التي يخلقونها للغافلين وقليلي المعرفة الذي يسعون إلى تخطي الرقابة.
ولا يمكننا أن نتحدث عن تقدم في بيئة لا يمكن للناس فيها الوصول إلى المعلومات ومناقشتها بحرية، حيث تراقب السلطات كل ما لا يحلو لها، ويخاطر الناس بأمنهم من أجل الحصول على المعلومة. وحقيقة أننا نجد أنفسنا نناقش تلك المشكلات بينما يتقدم ركب العالم بأسره إلى الأمام هي شهادة على الوضع المزري الذي صرنا فيه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: