تانير أكشم
يوليو 01 2018

مرحبًا بالجمهورية التركية الثانية

 

ثمة جدل كبير في تركيا كما تعلمون بشأن عدد الجمهوريات التي شهدتها البلاد. فهناك من يعتبر بداية عصر الجمهوريات التركية الجديدة، تزامنت بداية فترة خمسينيات أو ثمانينيات القرن الماضي. لكن في الغالب أن الجمهورية الثانية "الأكثر حقيقية وواقعية" تأسست الآن.
ومن المعروف للجميع أن الجمهورية الأولى تأسست في العام 1923، وكان لونها ورديًا خفيفًا. أما الثانية فلونها أخضر خفيف (علينا ألا ننخدع في اختلاف الألوان). وثمة قاسم مشترك بين الجمهوريتين من حيث الأنقاض التي تأسستا عليها من بقايا وأطلال الفترات والعهود السابقة على كل منهما، من انهيار سياسي، وثقافي، واقتصادي وما إلى ذلك من تدني في كافة مناحي الحياة. وفي نفس الوقت عاشت الجمهوريتان في تأسيسهما على نوع من "الفقر" و"الفساد".
والقاسم المشترك الآخر الذي يجمع بين الجمهوريتين، هو أنهما تأسستا بعد أن تم تدمير التعددية والثراء الثقافي الذي كانت تنعم به المجتمعات السابقة.
فالجمهورية الأولى قامت بعد أن تم القضاء على السكان المسيحيين الذين كانوا يشكلون من 30 إلى 35 في المئة من إجمالي السكان آنذاك. ومن بقي منهم ونجا من تلك المجازر التي ارتكبت بحقهم، سمح لهم بالعيش لسبب بسيط للغاية، وهو أن وجودهم لم يكن يسبب أية مشكلة أو عائق على الإطلاق.
أما المعارضين في الجمهورية الأولى، فكانت أعدادهم محدودة، ومن ثم سرعان ما هربوا من استبداد ذلك العصر. لكن تمكن من بقي منهم على قيد الحياة من العودة ثانية بعد العام 1938.
وفي الجمهورية الثانية التي ذكرنا أنها بدأت بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت الأحد الماضي 24 يونيو، فلا يوجد ثمة اعتراف بالأكراد كشعب من أبناء هذا الوطن. لكن بسبب أن أعداد هؤلاء الأكراد كبيرة، فإنهم يتزاحمون على الباب بشدة ويحاولون الولوج في الوقت الراهن.
وجزء كبير من معارضي الجمهورية الثانية، لا سيما المثقفين منهم قد حرصوا على الفرار إلى خارج حدود الوطن هربًا من الاستبداد (تمامًا كما حدث مع معارضي الجمهورية الأولى). ومن بقي منهم في الداخل سنتابع معًا ماذا سيحل بهم جميعًا.
ومن ذلك نفهم أن الجمهورية التركية الأولى تأسست وقامت على أطلال وأنقاض ما تم تدميره من ثروة ثقافية، وقيمة معرفية تراكمت إبّان الفترة العثمانية. وقُدّم هذا الدمار الثقافي والفقر في كل شيء، على أنه أثَر يستحق الإشادة والثناء. وحتى حينما تمت الثورة على الحروف العربية واستبدالها بالحروف اللاتينية (الانقلاب اللغوي) في العام 1928 من القرن الماضي، قيل حينها "لا يوجد أي شيء على الإطلاق يمكننا الاستفادة منه وجلبه من الماضي". وهكذا كان الانهيار الثقافي للدولة في أبشع صوره. إذ تم الفصل بين ماضي الدولة وحاضرها بين ليلة وضحاها.
أي أن الجمهورية الأولى ظهرت وبرزت بعد تدمير الثراء الثقافي العثماني عن بكرة أبيه. وعلى نفس الشاكلة جاء تأسيس الجمهورية الثانية التي تقوم حاليًا على مبدأ تدمير القيم، والثراء الثقافي الذي تراكم من جديد خلال فترة الجمهورية الأولى. ومن أبرز النماذج على ذلك، التدمير الذي طال نظامي التعليم والقضاء، إلى جانب فرار مئات وإن لم يكن الآلاف من الأكاديميين إلى خارج الوطن. كل هذه الأمور تعتبر أمثلة صارخة على ضحايا هذا التطهير، والفقر الثقافي الذي ألمّ بالبلاد.
كما أن الجمهورية الأولى قامت على النهب والسلب الاقتصادي. فقبل انطلاق مفاوضات لوزان التي جاءت لإنهاء الحرب التركية اليونانية (1919-1922)، وبعد حريق ولاية "إزمير" الذي اندلع بعد انسحاب اليونانيين من الولاية التركية عام 1922، كان للأصول والممتلكات التي تمت مصادرتها آنذاك أثر كبير في سد جزء كبير من عجز الموازنة. وذلك بحسب ما قاله وزير المالية حينها تحت قبة البرلمان. كما أن مفاوضات لوزان شهدت تعنتًا ورفضًا تركيًا كبيرًا لأية مقترحات تدعو لإعادة الممتلكات التي سلبت من المسيحيين لهم مرة ثانية.
وعلى نفس شاكلة منطق الجمهورية الأولى بخصوص السلب والنهب الاقتصادي، جاءت الجمهورية الثانية لتضرب مثالًا جديدًا، وامتدادًا لما سبق في ذات الصدد. إذ تمت مصادرة بعض الشركات بدعوى انتماء أصحابها لجماعة "فتح الله غولن"، ليس هذا فحسب بل تمت وبالقوة أيضًا مصادرة ما يمتلكه حتى الأفراد من المنتسبين للجماعة المذكورة. وهذا واضح ويراه الجميع بشكل جلي.
الجمهوريتان أيضًا عاشتا نوعًا من الفقر والاضمحلال من حيث التجمعات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، وكذلك التنوع الديني والعرقي.
فنحن على سبيل المثال كبرنا بعد أن باتت الجمهورية الأولى واقعًا ملموسًا، أي ترعرعنا بداخلها، لكن مع الأسف لم تكن لدينا المَلَكَات التي تؤهلنا لندرك أطلال وأنقاض المقدرات والقيم التي تأسست عليها تلك الجمهورية. لم تمكنا مشاعر الوعي الموجودة لدينا من اكتشاف هذه الحقيقة آنذاك. ولا شك أن التعريف الذاتي للجمهورية الأولى، وحجر الزاوية لعالمها العقلي والثقافي، كان أهم النقاط المرجعية بالنسبة لنا. ومن ثم نحن نعتقد أن تدمير الثروة الثقافية لدى أي مجتمع، فعل عظيم له الكثير من المعاني العميقة، وليس مجرد حدث عابر يمكن أن نصمت عنه. 
حتى أننا لا زلنا لا ندرك بعد أن الحديث عن أطلال وأنقاض الجمهورية الأولى قد مهد الطريق للأطلال والأنقاض التي عاصرناها في وقتنا الراهن. ونحن في حيرة من أمرنا تجعلنا نرى أن ما يتمتع به المرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري، محرم إينجه، من مغالطات، وقدرة على تبني نوعين من الخطابات، حلًا لكل المشكلات التي نحن بصددها.
والآن الجمهورية الثانية تقوم بتنشئة أجيالها، وحتمًا ستقوم بتنشئتهم وفق إيديولوجياتها المعروفة لنا. وحتما ستقوم هذه الجمهورية بتأسيس واقعيتها الخاصة بها، والأجيال الجديدة ستفكر وتدور في فلك هذه الواقعية ولا يمكن أن تحيد عن حدودها المرسومة قيد أنملة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: عن أي تركيا سيمكننا أن نتحدث قبل اكتمال تأسيس الجمهورية الثانية هذه، وهل سيكون بمقدورنا فعل ذلك قبل فوات الآوان؟
وهل سيكون بمقدورنا أن نرى أن الجمهورية التي نريدها، من الممكن أن تتحقق من خلال إعادة فهم أنقاض وأطلال الجمهوريتين الأولى والثانية؟ أم أن هذا الأمر ستبقى معرفته للأجيال القادمة؟
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: