أكرم أوناران
مارس 02 2018

مرسوم يُنصف عمال الباطن ولكنه يطرد 60 ألف عامل تركي

 

ثمة تعديل قُدّم للرأي العام التركي على أنه "توظيف للعمال المتعاقدين من الباطن"، لكنه في ذات الوقت يعتبر سببًا في فقد كثير من الأشخاص لوظائفهم؛ على خلفية تضمنه مواد استثنائية تمّ زجها بين ثنايا سطوره.
جزء كبير من العمال رفضت طلباتهم في مرحلة إجراءات التحري والتقصي التي انتهت في العشرين من شهر فبراير الماضي. هؤلاء الأشخاص سيتم طردهم من جهات عملهم اعتبارًا من 2 أبريل المقبل. وكذلك العمال المتعاقدون من الباطن من أصحاب الإعاقات الجسدية، مجموعة أخرى سيتم تسريحها وفق الأسباب ذاتها. وبلغة الأرقام يمكننا القول إن 60 ألف عامل في 17 ألف شركة بعموم تركيا يقدمون خدمات للجمهور، سيتم تسريحهم وطردهم من عملهم في هذا الإطار.
باختصار المرسوم بقانون رقم 696 سيعمل من جهة على توظيف جزء من العمال المتعاقدين من الباطن، لكن على الجانب الآخر سيكون سببًا في فقدان عشرات الآلاف من الأشخاص لأعمالهم.
عمال متعاقدون اقترب عددهم خلال سنوات من 900 ألف عامل، سيصبحون عمالا عموميين في إطار المرسوم بقانون رقم 696 الصادر في 24 ديسمبر 2017. وعملية التوظيف في كادر وظيفي تتم على مرحليتن، الأولى منهما انتهت يوم 20 فبراير الماضي. إذ قامت لجان التقييم التي تم تشكيلها داخل المؤسسات المختلفة، من إعلان قائمة الأشخاص المشمولين بالتغطية بعد فحص الطلبات التي قدمت لها في هذا الصدد.
أما المرحلة الثانية فستكون عبارة عن امتحانات يجتازها من قبلت طلباتهم من العمال المتعاقدين من الباطن، وستشرف عليها لجان الامتحان المعنية حتى يوم 22 مارس الجاري، ومن سيجتاز منهم الامتحان سيتم تعيينه نظاميًا في كادر وظيفي.
ومن المقترح أن تستمر عملية انتقال من تم الاتفاق على ضمهم، حتى الثاني من شهر إبريل القادم. واعتبارًا من ذلك التاريخ فإن من توافرت فيهم الشروط المطلوبة سيعينون، أما الآخرون فسيطردون من عملهم بكل سهولة.
المرسوم بقانون المتعلق بعمال عقود الباطن، لم يعطِ لفصيل كبير من هؤلا العمال، الحق في تقديم طلبات من أجل التعيين بالكادر الوظيفي وفق التعديلات المذكورة، في خطوة اعتبرت تمييزًا بين العمال. كما أن ما يقرب من 50 ألف عامل متعاقد من الباطن داخل المشاريع المملوكة للدولة، لم يتم شمولهم بمسألة التعيين النظامي.
أما العاملون في الإدارات المحلية والمؤسسات الإدارية المختلفة ممن شُملوا بكادر التوظيف، فقد خضعوا لعدة معايير. ويأتي على رأس هذه المعايير عدة شروط من بيهنا شرط استناد عقود المناقصات على التوظيف، وألا تكون نفقات تكاليف التوظيف لعقود الخدمات لا تقل عن 70 في المائة بعقود شراء الخدمات.
أعمال البناء والخدمات الاستشارية خارج هذا الشمول. ومن ثم لم تشمل عملية توفيق الأوضاع، من يعملون في العديد من الوظائف الخدمية المختلفة، مثل وحدات معالجة البيانات، والطرق، والمياه، والصرف الصحي.
القوائم التي أعلنتها لجنة التقييم التي أنهت أعمالها يوم 20 فبراير، أوضحت أن عدد العمال الذين سيبقون خارج الكادر التوظيفي، من الممكن أن يصل إلى عشرة آلاف شخص؛ فعلى سبيل المثال نجد أن وزارة الصحة فيها 1020 شخص قبلت طلباتهم، وبات من حقهم خوض الامتحان الذي ذكرناه، لكن في المقابل رفضت طلبات 942 آخرين.
العمال المتعاقدون من الباطن في المؤسسات العامة، يتم تشغيلهم في إطار اتفاقيات المناقصات التي تجريها 17 ألف شركة تقريبًا مع تلك المؤسسات. ووفق هذا النظام، يتم توقيع اتفاقية مناقصة بين المؤسسات العامة والشركة.
والدولة تدفع شهريًا مقدارًا من المال محددًا في المناقصة، وذلك لهذه الشركات مقابل نفقات عدة مثل رواتب المتعاقدين، والتأمينات ، وأرباح الشركة. ومن ثم فإنه من الآن فصاعدا ستخرج هذه الشركات من التوسط بين الطرفين.
ومن يحملون الشروط المطلوبة سيتم توظيفهم كعاملين دائمين، أما من لم تتوفر فيهم المعايير، فسيتم فسخ عقود العمل معهم. وبقول موجز ومختصر فإننا أمام مشهدين، أولهما عمال بعقود يتم توظيفهم في كادر ما، وثانيهما جزء كبير لا يستهان به من العاملين، سيصحبون بلا عمل.
ولقد رفضت طلبات آلاف العمّال ممن يملكون حق التقاعد. لهذا السبب فإن العمال المتعاقدين ممن بإمكانهم الاستمرار في العمل حتى ولو داخل مقر الشركة، سيطردون من العمل اعتبارًا من 2 أبريل بسبب مسألة الكادر. كما أنهم لا يريدون التقاعد لأن مرتب التقاعد الذي سيخصص لهم سيتراوح بين 700 إلى 800 ليرة فقط. أما العمال الذين سيتم توظيفهم في إطار التعديلات الجديدة، سيتم قطع علاقتهم رسميًا بمؤسساتهم اعتبارًا من تاريخ تقاعدهم. فعلى سبيل المثال العامل الذي سيأتي موعد تقاعده بعد دخوله الكادر الوظيفي ولو بشهر واحد، سيطرد من العمل اعتبارًا من تاريخ تقاعده. لكن  هذا الإجراء غير سارٍ بحق من يعملون حاليًا كعمال عموميين. فهؤلاء الأشخاص بإمكانهم التقاعد برغباتهم  أو الاستمرار في العمل، أيهما شاءوا.
ومن الجدير بالذكر أيضا أنه لن تكون هناك أية زيادة على رواتب من سيدخلون كادر العمل، فقط يمكنهم الاستفادة من المكافآت التي تدفع خارج الرواتب للعمال العموميين. وهذا يعني أنه ستكون هناك اختلافات خطيرة بين المجموعتين من العمال من حيث حقوقهم الشخصية.
وفي ذات السياق فإن حق التقاعد المبكر الممنوح للمعاقين في إطار ما يعرف بالتمييز الإيجابي، قد تحول في ظل بنود المرسوم بقانون المذكور، إلى وسيلة من وسائل العقاب. فالعمال المعاقون، قد يتقاعدون في أعمار مبكرة قبل العمال العاديين، بسبب حق التقاعد المبكر الذي من المفترض أن يخضع للرغبات الشخصية، ولا إجبار فيه على الإطلاق. لكن المرسوم بقانون ينص على عدم تعيين العامل المعاق الذي حان وقت تقاعده، وينص على طرده من العمل مباشرة اعتبارًا من اليوم الذي يستحق فيه التقاعد.
وبالتالي فإنه بسبب هذه الأحكام سيتقاعد عدد كبير من العمال المعاقين ممن رفضت طلباتهم، في أعمار مبكرة تتراوح بين 32-40 عامًا، وسيحصلون على رواتب تقاعد قليلة للغاية. أي سيكونون مضطرين للتقاعد في سنٍ مبكرة بكثير عن أقرانهم من العمال غير المعاقين.
ولتسليط الضوء على هذه المشكلة التي يعانون منها، قال المحامي تورهان، رئيس اتحاد المعاقين " تشريع العمال المتعاقدين من الباطن، جعل من الرغبة الاختيارية في التقاعد المبكر للمعاقين، أمرًا إجباريًا، الأمر الذي يعني أنه ضدهم وليس لصالحهم. فالمعاقون الذين يضطرون للتقاعد في سن مبكرة، ولديهم أبناء يدرسون، سيجدون صعوبة كبيرة في إمكانية العيش بالمرتب الذي سيتحصلون عليه بعد التقاعد بهذا الشكل. فهذا التشريع الذي صدر من أجل المعاقين، يبدو أنه تحول ليصبح أداة ضدهم أجمعين".
وكما هو معروف فإن مسألة التعيين في الكادر الوظيفي، وفق التعديلات، أمر يتطلب إجراء الجهات الأمنية تحقيقًا أمنيًا ضيقًا يعرف باسم "التحري الأرشيفي". ومن كانت التحريات بحقه سلبية، فسترفض طلباته. والتحقيقات التي من المنتظر أن تنتهي بحق العمال بحلول 2 أبريل، وتثبت أن هناك مأخذ على تعيينهم، سيتم طردهم هم أيضا من العمل.
وعلى نفس المنوال رفضت طلبات الدخول في الكادر الوظيفي التي تقدم بها العمّال المدانون سابقا في تهم وقضايا، ويعملون في المؤسسات العامة بوساطة شركات التعاقد من الباطن. وهؤلاء العمال كغيرهم سيتم طردهم من العمل بحلول 2 أبريل. ولا شك أن طرد هؤلاء المدانين، بموجب المرسوم بقانون المذكور، أمر يتعارض ويتنافى مع قانون العمل.
قانون العمل رقم 4857 كان قد أجرى تعديلا خاصا بخصوص توظيف المدانين السابقين، وشدد على ضرورة توظيف 2 في المائة منهم في المؤسسات العامة. أما المرسوم بقانون الخاص بمسألة التعاقدات من الباطن الذي نتحدث عنه، فعلى النقيض من ذلك تمامًا، إذ يتضمن موادا وبنودًا تتعارض مع مثيلاتها الموجودة في قانون العمل. وبالتالي جعل من الصعب بمكان على المدانين السابقين، الحصول على عمل، وجعلهم عاطلين في حين أنه يتعين علينا إدماجهم في المجتمع مرة ثانية وعدم نبذهم بأي شكال من الأشكال.
تجدر الإشارة إلى أن هناك ما يقرب من 400 ألف عامل متعاقد من الباطن يعملون في وحدات الإدارات المحلية مثل البلديات والإدارات الخاصة. هؤلاء العمال وضعت لهم صيغة وسيطة بموجب المرسوم بقانون المذكور. فمن لن يتم تعيينهم في الكادر الوظيفي داخل البلديات منهم، سيتم توظيفهم في الشركات التابعة لتلك البلديات. لكنهم لن يستطيعوا الحصول على المكافآت التي تصرف خارج المرتبات. ولن يكون هناك أي تغيير على وضع هؤلاء العمال وحقوقهم الشخصية، إذ سيواصلون عملهم كعمال في شركة. لكن الفرق الوحيد هو أن الشركة التي يعملون بها شركة تابعة للبلدية، وليست شركة خاصة.
وإذا لم تكن لدى البلديات أو الإدارات الخاصة في الولايات، شركات لتوظيف العمال المتعاقدين من الباطن، فقد نصّ المرسوم بقانون على ضرورة إنشاء شركات جديدة لهذا الغرض. ولقد قامت وزارة الداخلية بتعميم منشور بخصوص هذا الغرض، وأبرزت معالم خارطة الطريق المتعلقة بشركات البلديات التي سيتم تأسيسها.
وبهذا الشكل سيتم تأسيس مئات الشركات الجديدة بهدف التوظيف، ستكون بمثابة كيان اقتصادي للبلدية المعنية. ولا شك أن المرحلة الأولى، ستشهد استخدام هذه النوعية من الشركات التي سيوظف فيها العمال المتعاقدون من الباطن، واستغلالها في الفترات الانتخابية بشكل خاص.
والشركات المذكورة ستكون تحت سيطرة البلديات، لكنها ستكون خارج نطاق الرقابة؛ نظرًا لكونها شخصة اعتبارية في القانون الخاص. وكما قلنا من قبل فإن هذه الشركات ستصبح أحد أنواع الاستثمارات التي يتم اللجوء إليها في فترات الانتخابات من أجل الإنفاق والتوظيف.
وختامًا نقول إن الدولة ستغلق 17 ألف شركة تأسست من أجل توظيف أصحاب عقود الباطن، لأنها لن توظف أي شخص من خلالها فيما بعد. وكما أوضحنا آنفًا فإن ما يقرب من 60 ألف فرد من العاملين في مراكز هذه الشركات، ويخضعون لنظام العمل بعقودٍ من الباطن، سيصبحون عاطلين عن العمل في 2 أبريل القادم.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: