مايكل ماكنزي
نوفمبر 24 2017

مركز أتاتورك الثقافي و فكرة "التحوّل الحضري",,,

عندما جاء (هاو هانرو ) المُنّسق الصينيّ في عام 2007 إلى المدينة؛ من أجل تنظيم فعالية إسطنبول العاشرة، كان مكان فعالية ذلك العام معروفاً ومُحددًا تمامًا.
 (هانرو) عندما تحدث عن هذا المكان، قال: "عندما نأتي إلى تقسيم يكون من الصعب رؤية المبنى، فهو كالنصب التذكاري بالضبط. فبمجرد أن ترونه ستدركون أنه مكان تاريخيّ رائع"، حيث لم يكن يوجد بخلاف مركز أتاتورك الثقافي سوى الأوبرا ومركز رائع للفنون، يقعان شرق ميدان تقسيم. فهو واحدٌ من أهم نماذج المعمار التركيّ الحديث، إذ يستمتع فيه قاطنو إسطنبول بالعديد من المسرحيات، وفنون الأوبرا، و الباليه، والموسيقى الكلاسيكية.
بالرغم من أن مركز أتاتورك الثقافي يمتاز بمكان مهم بإسطنبول، إلا أنه أُغْلِقَ بعد فترة قصيرة من قيام (هانرو) بتنظيم الفعالية، وعلى مدار عشر سنوات تقريبًا أصبح من الصعب التصدي للقضايا القانونية، ورُفِضَت العديد من الخطط.
وفي أعقاب ذلك، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان في 1 نوفمبر أنه سيتم هدم مركز أتاتورك الثقافي، وسيحل محله مبنى جديد.
هذا التصريح يشير إلى أن هذه هي الخطوة الأخيرة نحو توجه تاريخي سيئ. فقد افتتح مبنى مركز أتاتورك الثقافي في عام 1969 بعد تأخر 16 عامًا، وبعد عام واحد فقط أُغْلِقَ مجددًا لمدة سبع سنوات بسبب حريق اندلع عند عرض مسرحية (أرثر ميلر)  "مكان النميمة والفساد" .
هذا التصريح في ذات الوقت هو نهاية الحرب المستمرة الناشبة بين المواطنين الذين يرغبون في حماية وترميم المبنى، ومنظمات المجتمع المدني، والمهندسين، وبين الحكومة التي تسعى بحزم لهدمه.
ففي الحقيقة، أصبحت منطقة تقسيم و باي اوغلو مركزًا للعديد من النزاعات المماثلة طوال فترة حكم حزب العدالة و التنمية التابع لأردوغان.
ومن الممكن أن نرى هذا التحوّل في العديد من مشروعات "التحول المدنيّ" الموجودة في المنطقة: مثل هدم سينما "أكمك" التاريخية في عام 2012، وبناء مركز للتسوق محلها، وتحوّل حي يوناني قديم بجانبه إلى حي"طارلا باشي" الذي أصبح مكانًا للمساكن الرخيصة، وسُلِمَ شريط ساحل المنطقة بأكمله لشركة مهيمنة من أكبر الشركات الموجودة في تركيا لإنشاء مشروع "غلطة بورت" في قاراكوي على شريط الساحل الأسفل.
هذا "التحول المدني" هو فقط واحد من الطرق التي يستخدمها حزب العدالة و التنمية؛ من أجل تشجيع الاقتصاد في فترة حكمه، وجعله يمر بمراحل تالية خارجة عن السيطرة؛ لكي يخدم مصالح البلديات التجارية المهمة.
لكن الدولة تتبع مباحثات أكثر دقة فيما يتعلق بمبنى سياسي وثقافي في حالات مشابهة لمشروع مركز أتاتورك الثقافي.
فإنّ هدم المباني الأثرية التي ترجع لفترة الجمهورية، وبناء مباني عثمانية بدلاً منها، يعد توبيخًا علنيًا لتاريخ الجمهورية. ولا سيما أن منطقة تقسيم بالنسبة لتاريخ الجمهورية لها قيمة رمزية كبيرة، فقد فسروا ما يحدث على أنه بمثابة هجوم على قيمهم، ومن جانب آخر هو انتهازية للليبرالية الجديدة.
وأصبح هذا التأثر دافعًا لاحتشاد مئات الآلاف من الناس للاعتراض على مشروع مشابه. وهو مشروع إنشاء ثكنة انكشارية جديدة تابعة للعهد العثمانيّ بـ "غازي بارك"، وكان يُخَطَط أيضًا لبناء مركز للتسوق بداخلها.
و في ظل عام 2013، وبناء على أزمة مركز أتاتورك الثقافي، وبعد فترة قصيرة من احتشاد المعارضين في ميدان تقسيم، ربط أردوغان الأمرين ببعضهما بعضا وصرح بهدم مركز أتاتورك الثقافي ووقف بناء الثكنة وبناء جامع محله. لكن بالرغم من هذا طالب المعارضون بعودة مركز أتاتورك الثقافي برفع لافتة ضخمة وهتفوا ضد الحكومة.
كفّ أردوغان عن التحدث عن الجامع منذ ذلك اليوم حتى الآن، لكن كان يُكثر من الإعلان عن مشروع جديد يُصَمّم من أجل مركز أتاتورك الثقافي. ففي الثلاثاء الماضي أثناء الحوار المبرم في قصر رئيس الجمهورية، هاجم أردوغان كل فترة تركيا الحديثة.
وفقًا لرئيس الجمهورية فإنّ القوى التي كانت مشاركة في هذه اللعبة خلال هذه السنوات "قامت بتغريب الناس، وعائلاتهم، وأوساطهم، والمجتمع الذي يعيشون فيه، وكل شيء آخر في العالم."
و أيضًا فإنّ الحداثة التركية التي تكون من ضمن رموز مركز أتاتورك الثقافي، هي نتاج فترة الجمهورية المبكرة، فهي شملت المبادئ الكمالية لتلك الفترة.
وبالرغم من تعقد المباحثات الجارية، إلا أنّ التصميم الجديد للمبنى مميز. ويرأس المشروع (مراد طابانلي اوغلو) ابن (حياتي طبانلي اوغلو) مهندس المبنى القديم. ووُسِعَ المبنى على هيئة أجزاء، ففي التصميم الجديد يوجد بداخل المبنى مكتبة، ومطعم، وسينما، ومسارح، إذ ظل في عين الاعتبار مزايا المبنى القديم.
لكن معارضو المشروع لن يهدأوا بالوعود المصرح بها، ولن يقبلوا بالشروط المعلنة. فإن المبنى يُعتبر مثل قطعة الأرض التي أنشئ عليها القصر الجمهوري، أو مثل قطعة الأرض التي أخذت من (جامعة الشرق الأوسط الفنية) بطرق غير قانونية، فهي أراض كانت تحت الحماية القانونية، إذ سُجِلَت في عام 2007 في هيئة حماية إسطنبول للمؤسسات الحيوية بكونها كيانا ثقافيا.
إلا أنّ أردوغان قال في آخر تصريح له: "افعلوا ما تشاؤون، سيُهْدَم مركز أتاتورك الثقافي."  فلا يجوز التفكير في أن أي عائق قانوني سيكون أقوى من تصريحات رئيس الجمهورية.

 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: