مارس 05 2018

مزيد من يهود تركيا يسعون لحياة جديدة في إسرائيل

كان الوقت مساء ذات يوم أحد عندما علمت أن صديقي اليهودي إيزاك قد غادر إسطنبول ليستقر في إسرائيل. وبمراسلته على حسابه الشخصي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وجدته يتواصل معي على الفور من خلال حساب آخر ويطلب مني حذف الرسالة التي تحمل اسمه، قائلا إنه تلقى تهديدات بسبب تدويناته السابقة حول القضايا اليهودية، وإنه قد يتعرض لمخاطر جمة إذا وجد القراصنة الإلكترونيون منفذا لاختراق حسابه الجديد ومعرفة اسمه.
هذا الموقف قد يعطيك فكرة عما يعنيه أن تكون يهوديا في تركيا. فإيزاك البالغ من العمر 32 عاما قرر مغادرة المدينة التي أمضى فيها حياته بالكامل ليصبح واحدا من بين 400 يهودي تركي هاجروا إلى إسرائيل العام الماضي. ولم يكن ذلك قرارا سهلا.
قال لي إيزاك وقتها "فكرت في هذه الخطوة على مدى العامين الماضيين. وعندما وقعت محاولة الانقلاب في يوليو 2016، حسمت أمري بأن اللحظة قد حانت للرحيل عن تركيا دون إضاعة المزيد من الوقت. وبعد بضعة أشهر، وصلت إلى هنا."
إذن، ماذا حدث في 15 يوليو؟
في تلك الليلة، تصفح إيزاك (الذي طلب منا استخدام اسم مستعار حفاظا على سلامته) موقع تويتر للتدوينات القصيرة ليجد المئات من التغريدات الصادرة عن المستخدمين الأتراك تلقي باللوم في محاولة الانقلاب على اليهود.
وما أضاف إلى شعور إيزاك بالغربة في وطنه هو مشاهدته لمعارضي الانقلاب وهم يجهرون بمقاومتهم له من خلال استخدام مكبرات الصوت في المساجد للدعوة للحشد والصدح بالأذان وتلاوة الأدعية، وهو ما جعله يتساءل: هل يتعين عليه أن يكون مسلما إذا أراد الدفاع عن الديمقراطية؟
لذلك، وبعد الحصول على موافقة أسرته، ترك إيزاك حياته في اسطنبول وراء ظهره وانتقل إلى تل أبيب.
وعلى مدى العقود الماضية، سعت إسرائيل إلى جذب يهود الشتات للهجرة إلى أراضيها عبر منحهم المواطنة بمجرد استقرارهم في البلاد. وتشير أرقام رابطة الجالية التركية في إسرائيل إلى أن 400 يهودي تركي وصلوا إلى اسرائيل العام الماضي بنية الهجرة، أي ما يزيد على ضعف عدد الأتراك الذين انتقلوا إلى هناك قبلها بعام (164 شخصا).
وبحسب وكالة الأخبار التلغرافية اليهودية، يستمر هذا العدد في الارتفاع كل عام، على الرغم من تناقص الأعداد القادمة من جميع البلدان الأخرى إلى إسرائيل ما عدا روسيا. وعزت الوكالة في ذلك إلى ما وصفته بسياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "المعادية للسامية".
ونظرا لأن عدد اليهود في تركيا يقدر بحوالي 12 ألفا، فإن نسبة الـ400 يهودي المغادرين لتركيا في عام واحد تمثل أكثر من اثنين في المئة من أفراد الجالية اليهودية في البلاد، وهي نسبة ليست بالقليلة.
يقول هارون، وهو أحد أفراد الجالية اليهودية التركية، إن الدولة الإسرائيلية تقدم العديد من المزايا للأشخاص الذين يقررون القيام بهذه الرحلة والاستقرار في إسرائيل، وتطلق السلطات الإسرائيلية على هذه العملية مصطلح "عليا".
وأضاف "هذا بلد يرحب بالمهاجرين بأذرع مفتوحة. إنهم يمنحون الجنسية لليهود، ويقدمون برنامجا لتعلم اللغة العبرية لمدة ستة أشهر، فيما توفر الدولة نفقات المعيشة لفترة محددة، فضلا عن تقديم مزايا مالية طوال حياتك."
وعلى الرغم من كل هذه المزايا، فإن الاستقرار في إسرائيل ليس بالأمر اليسير. فمن ناحية، يجب على الوافدين الجدد أن يعتادوا على ما يصفه هارون "بحرب البلد" (مع المسلحين الفلسطينيين)، ومن ناحية أخرى، يشكل تعلم اللغة العبرية صعوبة حقيقية للمواطنين الأتراك.
ويتفق في ذلك إيزاك، الذي على الرغم من معرفته باللغات التركية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية، يجد اللغة العبرية مختلفة تماما عن باقي اللغات. لكنه يقول "للاندماج هنا، يحتاج المرء إلى التحدث باللغة العبرية على مستوى عال. ومع ذلك، فالجميع هنا يتحدثون أكثر من لغة...حتى عاملات النظافة يمكنهم التحدث بثلاث لغات."
وعلى الرغم من شهادة الهندسة التي يحملها من تركيا، كان على إيزاك أن يلجأ إلى عمل مؤقت عبر القيام بمهمات وقضاء المشاوير للغير لكسب قوته اليومي في ظل عدم إجادته للغة بلده الجديد بعد.
ويشعر إيزاك الآن بسعادة بالغة بعد أن التحق بوظيفة مكتبية، مشيدا بما يصفه باحترام القانون والنظام، وهو أمر تتميز به إسرائيل وتفتقد إليه تركيا، بحسب تعبيره.
يقول إيزاك "تذهب للعمل ثم تعود للمنزل. هذا هو روتينك اليومي. لن تجد أحدا يعاملك بشكل غير عادل. لن يتم فصلك عن العمل بشكل تعسفي. إذا تجاوزت الإشارة الحمراء، سوف يسحبون منك رخصة القيادة الخاصة بك. الوضع هنا ليس كما هو الحال في تركيا حيث تُطبق القوانين على بعض الناس وليس على البعض الآخر."
كما ينعم المواطنون بحرية شخصية أكبر بكثير من تلك الموجودة في تركيا، وفقا لما يقوله إيزاك، حيث يتعايش مثليو الجنس مع المتدينين والعلمانيين في وئام تام. وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة تتقبل الانتقادات القاسية من الصحافة، والناس يتمتعون بقدر أكبر من الحقوق في تنظيم الاحتجاجات.
على الجانب الآخر، لا يزال هارون، الذي طلب هو الآخر استخدام اسم مستعار حفاظا على سلامته، يعيش في تركيا، وهو يعتقد أنه على الرغم من أن بعض اليهود الأتراك يغادرون إلى إسرائيل بمجرد التقاعد، فإن الغالبية الآن هم من الشباب الذين ضاقوا ذرعا بحجم معاداة السامية في تركيا.
وقال هارون إن هذه الموجة من هجرة اليهود الشباب قد عجلت بوتيرة التراجع في أعداد المواطنين اليهود في تركيا، والتي كانت تتناقص بالفعل في السنوات الماضية. 
وقال رافائيل سادي، المتحدث باسم الجمعية اليهودية التركية في إسرائيل، إن العديد من هؤلاء المهاجرين الشباب انتقلوا إلى إسرائيل للاستفادة من فرص التعليم المجاني في الجامعات الإسرائيلية.
ويأتي أيضا العديد منهم للحاق بأفراد عائلاتهم الذين سبقوهم إلى إسرائيل، لكن السبب الأكثر إيلاما في اتخاذ قرار الهجرة هو الفقر، بحسب قول سادي الذي أوضح "قد يبدو اليهود أثرياء، ولكن في الحقيقة الكثير منا يعانون من الفقر. والفقراء منا يأتون الى إسرائيل بحثا عن عمل."
ويرى سادي أن التمييز ضد اليهود الأتراك هو عامل آخر يدفع إلى الهجرة، إذ يقول إن هناك العديد من الحالات ليهود فوجئوا بتغير المعاملة نحوهم من جانب زملائهم بمجرد اكتشفاهم أنه يهودي الديانة، حتى على الرغم من مرور عقود من الزمن على معرفة ذلك الشخص.
لذلك، يستخدم إيزاك اسمين في تركيا: اسم شهرة يُعرف به في أوساط المحيطين به، وآخر حقيقي تستخدمه عائلته لمناداته. وعلى مدار السنوات التي عاشها في تركيا، لم يتمكن إيزاك من استخدام هذا الاسم سواء في حياته اليومية أو على الأوراق الرسمية بسبب مثل هذه الضغوط التي تمارس على اليهود في تركيا. ولكن في إسرائيل لا توجد مثل هذه المشكلة، وهو ما مثل لإيزاك لحظة عاطفية عندما رأى اسم عائلته يُستخدم للمرة الأولى بشكل طبيعي على أوراق رسمية في إسرائيل.
يقول إيزاك "كان لوالدي اسم غير مسلم على بطاقة هويته. ونتيجة لذلك عانى الكثير من المشاكل عندما أدى خدمته العسكرية. لهذا، كانت عائلتي حريصة على كتابة اسم تركي في شهادة ميلادي وبطاقة هويتي. وبالتالي، شكلت إمكانية استخدام اسمي اليهودي في الوثائق الرسمية الخاصة بي أمرا غريبا بالنسبة لي في البداية، إنه شعور جديد تماما."
وعلى الرغم من كل ما يتمتع به في موطنه الجديد، كان إيزاك يشعر في بادئ الأمر بالإحباط وحتى الاكتئاب إزاء تغير نمط حياته الذي اعتاد عليه لفترة طويلة.
ومع ذلك، فهو سعيد الآن ببلده الجديد. 
وقال "في تركيا، يفرض عليك الناس وضعا معينا وينظرون إليك في إطار قيمة محددة، لكني أرى نفسي أستحق أكثر من ذلك. ولم أرد أن أظل مرهونا بالحالة التي أصبحت عليها تركيا."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: