Nesrin Nas
مايو 19 2018

مسؤولية تغيير النظام المستبد بتركيا مُلقاة على عاتق الناخبين

 

تركيا بصدد كتابة حكاية وقصة جديدة وهي في طريقها لفتح أشرعتها لتحلق من جديد في سماء دولة قانون ديمقراطية تتسم بالتعددية، وإذا ما كُللت هذه الحكاية بالتحول الديمقراطي طويل ومتوسط المدى، وبالإصلاحات الاقتصادية، فإن هذا كفيل بتجنيب البلاد العواقب الوخيمة للأزمة الاقتصادية، وسيؤدي لإصلاح مؤسسات الدولة الشاملة، التي تعيش حالة من الانهيار، وإصلاح وحدتنا الاجتماعية التي تضررت بشكل كبير للغاية.
لا جرم أن الشغل الشاغل للنظام الحاكم في تركيا خلال السنوات العشر الماضية، كان حرصه على تمكين قوته، وبالتالي التخلص من كل شيء من شأنه أن يطغى على مفهوم "النجاح". وكانت لدى ذلك النظام العديد من الوسائل والأدوات المتاحة في يديه لتحقيق هذا، بداية من السياسة المالية إلى السياسة النقدية، ومن قانون الطوارئ إلى المراسيم بقانون، ومن القضاء والأجهزة التشريعية إلى الشرطة، ومن الجنود إلى القوة الإعلامية الهائلة.
كل القوات كانت متاحة لديه؛ لا سيما القوات التنفيذية.
وفي خضم كل هذا كانت لا تنتهي الاتهامات التي تلقى جزافًا على هذا وذاك؛ حتى بات السياسيون، والصحفيون، والطلاب، ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي عرضة لاتهامات مماثلة، بل إن مذكرات الادعاءات بالنسبة لهم جاهزة ومعدة مسبقًا.
ألا يكفي كل هذا !
إلى جانب كل ما ذكر، فإن النظام الحاكم يرى من يفكرون في التصويت لغير حزبه، "منافقين"، بل وينظر للأحزاب المعارضة له على أنها "نجسة قذرة". ولا يتوانى وزير الداخلية، سليمان صويلو، عن إرهاب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بكافة الأشكال والأساليب.
حزب العدالة والتنمية الحاكم، رفع قبل 16 عامًا شعار مكافحة ثلاثة أشياء؛ الفقر والفساد والمحظورات، لكنه رسب في هذا الأمر، ولا يريد لأحد أن يرى هذه الحقيقة، ولا يريد من أحد رآها أن يتكلم بشأن ما رأى.
ولا شك أن مشكلتنا الحالية بخصوص الأشياء الثلاثة (الفقر، الفساد والمحظورات)، أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل 16 عامًا. فكما تعلمون تركيا في الوقت الراهن تعتبر واحدة من أسوأ الدول حول العام من حيث توزيع الدخول والثروات. فبينما كان 1 في المئة من المجتمع يمتلك 38 في المئة من الثروة عام 2002، اليوم باتت النسبة ذاتها تمتلك 55 في المئة من  الثروة. والبقية الباقية وهي 99 في المئة من المجتمع يتقاسمون الـ45 في المئة المتبقية من الثروة. وعلاوة على ذلك فإن 99 في المئة منهم تخنقهم الديون بشكل سيء.
ثلثا قروض البنوك، يقدم عليها من تكون دخولهم الشهرية أقل من 5 آلاف ليرة تركية. والأرقام تؤكد أن أكثر من 30 مليون شخص مدينون للبنوك. وبينما كانت ديون المستهكلين 6 مليارات ليرة فقط عام 2002، فإن هذا الرقم يبلغ 560 مليار ليرة في الوقت الراهن. فالمستهلكون يقترضون من أجل الحفاظ على معايير الحياة الأساسية، ويقومون بسداد الديون بديون أخرى.
وعلى الجانب الآخر نجد أن البنوك قد استنفذت طاقاتها، إذا وصل إجمالي القروض المتعثرة العام الماضي إلى 181 مليار ليرة، أُسقط منها 23 في المئة، وأُعيدت هيكلة 43 في المئة، أما البقية المتبقية في تم تحصيلها لكن بشكل متأخر عن المواعيد التي كانت مبرمجة لها. وكل هذه يعني أن المصادر التي كان تعتمد عليها البنوك في منح قروضها للشركات والمستهكلين، قد جفت تقريبًا.
وعلاوة على ذلك ثمة طلبات لا زالت تقدم للبنوك من قبل متعثرين لإعادة هيكلة ديونهم...
ولا تنسوا أن تضيفوا على هذا المشهد ما أعطي للبنوك المنهكة حقيقة، من سلطة تمكنها من منح قروض عقارية منخفضة الفائدة من أجل التخلص من مخزون العقارات الذي انفجر لدى المتعهدين والمقاولين.
وحتمًا أنتم تسمعون الآن وقع أقدام أزمة مكتملة الأركان قادمة في الطريق. لأن الأضرر والخسائر الوظيفية التي تمكنا من تفاديها بعد أزمة 2001، وكلفتنا الكثير، بدأت تظهر من جديد في أفق حياتنا بكل ما أُوتيت من قوة.
أما الفساد فقد استشرى في كافة القطاعات، وهناك الكثير من الأدلة والبراهين التي تثبت أن الفساد بات طابعا مؤسساتيا، ومن هذه الأدلة، قانون المناقصات الذي تغير عشرات المرات، فضلا عن انهيار مؤسسات الإشراف والتوازن، وشبكات الرشاوى التي تمثل أمام القضاء لدى المحاكم الأميركية (في إشارة لقضية رجل الأعمال التركي من أصل إيراني المقرب من النظام، رضا ضراب)؛ فضلا عمن حققوا ثروات كبيرة من وراء كنوز الضرائب.
وباتت كافة المناقصات تقريبًا تجري بنظام الدعوة. ولعل الكاتبة الصحفية، جيدام توكر، التي تعقبت بعناية فائقة كيف يتم إنفاق الشعب لكل قرش من نقوده، وتوصلت لحقيقة مفادها أن العام 2017 شهد أكثر من 150 مناقصة تمت بنظام الدعوة، وأن الحجم الإجمالي لها يبلغ 36.5 مليار ليرة. الكاتبة ذكرت كذلك أن الدولة غيرت الفقرة "ب" من المادة 21 المعنونة بـ"إجراءات التسويق" من قانون المناقصات، والتي تقول إن "الإدارة من حقها دعوة الشركات للمناقصات دون إعلان مسبق، وذلك حال ما وقعت حوادث طارئة لا يمكن لتلك الإدارة التبؤ بها مثل الكوراث الطبيعية، والأمراض المعدية، وخطر وقوع خسائر في الأرواح والممتلكات".
ومن المعروف للجميع، ولا يخفى على أحد أن الفساد يشكل عائقًا أمام التنمية الاقتصادية والنمو لما يسفر عنه من توجيه الموارد طويلة الأجل إلى مجالات غير مثمرة،ويؤدي الفساد أيضًا لتقليل الاستثمارات، كما يؤدي لإخلال تركيبة الإنفاق العام؛ بسبب قيام السياسيين الذين يتقاضون رشاوى بالاستثمار في مشاريع كبيرة غير منتجة، ويؤدي لتخفيض مستوى التعليم؛ حتى أنه يعزز من فكرة تغيير الأنظمة عبر الانتخابات من خلال زيادة الولاء للسلطات الحاكمة.
وكل هذه الأمور واضحة وضوح الشمس  في كبد السماء في التقارير التي يصدرها البنك الدولي في هذا الصدد، وتلك التي تصدرها شبكات مراقبة التوازن الدولية.
وبعد الفقر، والفساد، دعونا نتحدث الآن عن المحظورات ثالث الأشياء التي أعلن العدالة والتنمية في بداية حكمه أنه يعتزم محاربتها. وفي هذه النقطة يمكننا القول إن تركيا باتت من بين أكثر دول العالم من حيث ثقافة المحظورات.
فالكل يعلم أن حالة الطوارئ تدير البلاد منذ 21 شهرًا، ولا يخفى على الجميع أيضًا أن تركيا باتت دولة يرقد فيها عدد كبير من الصحفيين، والكتاب، والطلاب خلف قضبان حديدية في غياهب السجون. وبلغت درجة البطش فيها أن أقل انتقاد للنظام الحاكم يقابل بعقاب رادع لا يتناسب مع الجرم.
وخلاصة الأمر يمكننا القول إنه إذا كانت ثلاثية الفساد، والفقر، والمحظورات، في أي دولة انهارت فيها الديمقراطية، وبناء دولة القانون، والمؤسسات الشمولية،قد أدت إلى انهيار المجتمع من الداخل، فهي تفعل نفس الشيء أيضًا في تركيا.
وعلى عكس المشهد القاتم الذي حاولنا طرحه في الفقرات السابقة من المقال، نجد أن الجاثمين على صدر البلاد منذ 16 عامًا، يتصرفون وكأنه لا توجد لهم أدنى مسؤولية فيما وصلت إليه بلادهم، ويسعون لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 يونيو المقبل، في ظل حالة الطوارئ، يريدون فعل ذلك وهم يمنون الشعب بوعود كثيرة، كمحاربة ثلاثية، الفقر، والفساد، والمحظورات، فضلا عن وعود أخرى لها علاقة بمزيد من الحريات، ومزيد من الديمقراطية.
وعود كثيرة وصلت لدرجة أننا بتنا لا نتذكر عدد حزم الحوافز التي أُعلن عنها حتى اليوم، ولا عدد التعديلات التي أجريت من أجل المصالحات الضريبية.
وعود كاذبة لا تغني عن شيء، ولا تجدي نفعًا، وهم يعلمون تمام العلم أنهم فشلوا فشلًا ذريعًا بهذه الوعود، وبتلك الحزم التحفيزية...
والآن نتجه لتنظيم انتخابات ربما تكون الأكثر جدلًا في العالم بأسره من حيث الأمن، والمساواة، والأمان والعدالة والإنصاف في التمثيل النيابي.
ستجري الانتخابات وكأن حالة الطوارئ غير موجودة، وكأن من العادي أن يكون أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية أن يكون في السجن (في إشارة لصلاح الدين دميرطاش، مرشح حزب الشعوب الديمقراطي لهذه الانتخابات)، ستجري وكأن من المعقول أن يقدم الرجل صورة التقطتها صحيفة الغارديان من قبل لاستكمال أوراق ترشحه.
كل هذا يتم بهذا الشكل المذكور رغم أن المادة رقم 67 من الدستور التركي تنص على مبدأ "الانتخابات الحرة، والآمنة، والنزيهة، تتسم بالمساواة".
وفي الوقت الذي تمتهن فيه وبشكل فظ مبادئ العدالة، والمساواة، والنزاهة، لن نبقى وجهًا لوجه مع الأنقاض التي تسفر عنها العملية الانتخابية التي تعتبر الأولى من نوعها في العالم من حيث عدم الأمان، كما أن مشاعر العيش مع اختلافاتنا، ستتضرر بشكل كبير. ويجب على العقول والأذهان أن تعي جيدًا الكلمة التي قال فيها صلاح الدين دميرطاش: "لم نطلب التحالف من أجل تخطي العتبة الانتخابية، وإنما من أجل هدم الأخطاء، والمخاوف، والمحرمات التي يبلغ عمرها جميعًا مئة عام".
لكن بإمكاننا تقليل حجم هذه الأضرار من خلال الفوز بالأغلبية في البرلمان التركي، وسلبها من تحالف حزبي العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية المعارض.
ولا غرو أن الحزب الحاكم يعرف جيدًا أن احتمال حصولنا على الأغلبية وارد بقوة، ويزداد لصالحنا يومًا بعد يوم. وهو خشية ذلك يحاول أن يعطي مجلس الوزراء سلطة إصدار المراسيم بقانون كي يتسنى له استخدامها مستقبلا عند فقد الأغلبية داخل أروقة البرلمان.
وعلاوة على ذلك فإن النظام الحاكم يرجع رغبته في  إعطاء مجلس الوزراء سلطة إصدار المراسيم بقانون، إلى ذريعة أن التعديلات الدستورية التي أجراها في 16 أبريل 2017، لم يستطع التوافق عليها من قبل داخل أروقة البرلمان، لينتهك فيما ذهب إليه تلك التعديلات التي أقرها من قبل.
ومن ثم فإنه من المؤكد أن السبيل الوحيد لإيقاف هذا النظام الذي ينتهك تعديلات دستورية أقرها بنفسه، يمر من خلال الفوز بالأغلبية داخل البرلمان. وذلك لأن سلطة تشريع القوانين الأساسية لا زالت في يد البرلمان كما تعلمون.
كما أن البرلمان التركي هو الذي يقوم باختيار 7 من من أعضاء اللجنة العليا للانتخابات البالغ عددهم 13، وهو أيضًا الذي يختار أعضاء هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية.
ولا جرم أن اختيار رئيس البرلمان الذي لديه ثقل في تحديد جدول أعمال المجلس، من قبل المعارضة، وتحقيق المعارضة للأغلبية في المجالس واللجان داخل البرلمان،  أمر من شأنه أن يحافظ على توازن قوة التشريع أيًا كان هو الرئيس الذي يحكم البلاد.
وأخيرًا أؤكد أن البرلمان التركي لا زال يملك في يديه وبنيته التعددية والتوافقية، إمكانية إبعاد مصير البلاد عن المغامرات غير محسومة النهايات، وذلك من خلال إصدار تشريعات كفيلة بإبطال المراسيم بقانون التي يصدرها رئيس الجمهورية.
والآن المسؤولية ملقاه على عاتقنا نحن الناخبون.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/sorumluluk-secmenin-sirtinda