مسلسل المُحافظ: الأبطال الخارقون في نسخة تركيّة

تحاول تركيا أخيراً دخول عالم الأبطال الخارقين عن طريق تقديم بطل محلي خاص بها وذلك على الرغم من أنها حصلت على مساعدة خارجية في سبيل تحقيق ذلك. فالأتراك لم يسبق لهم تجربة كتابة أو رسم أبطال خارقين يمكن وصفهم بأنهم خرجوا من رحم مجتمعهم المحلي، فيما لا تزال الشخصية التركية الأكثر شهرة في هذا العالم هي الجندية الجديدة (ينيتشيري-الإنكشارية) التي قدمتها دار نشر (دي.سي) العملاقة وقد رويت قصتها بالفعل في مقال سابق.

ومن المفارقة أن أول مسلسل تركي تقدمه شبكة نتفليكس العالمية لخدمات البث عبر الإنترنت يكون مسلسل (هاكان: المُحافظ) والذي يمثل أول عمل فني تلفزيوني على الإطلاق يدور حول بطل خارق تركي. وعلى الرغم من أن تركيا قد أنتجت بالفعل مسلسلات تلفزيونية من نوعية الخيال والفانتازيا من قبل، فإن هذه هي أول محاولة جادة لتقديم بطل خارق يمثل المجتمع التركي على الشاشة الصغيرة. وبطبيعة الحال، فإن المسلسل الذي سبق عرضه الكثير من الترقب والجدل يثير حاليا نوعا مختلفا من ردود الفعل.

ويحظى المُحافظ بشعبية كبيرة في تركيا لكنه لا يزال أقل شهرة في الخارج. ويروي المسلسل قصة هاكان، وهو آخر فرد على قيد الحياة من أسرة دأبت على حماية إسطنبول ضد جماعة تدعى (الخالدون). وفي البداية، يقدم المسلسل هاكان كشاب بسيط يعمل في سوق البازار الكبير ولا يعرف الكثير عن ماضيه أو عائلته، ولكن بعد سلسلة من الأحداث، يجد نفسه فجأة طرفاً في العديد من المغامرات، وذلك قبل أن يجعل هدفه في الحياة هو العثور على قائد الجماعة (الخالد الأخير) وتدميره.

وعلى الرغم من عدم تمتعه بأي قدرات استثنائية، لن يكون من الخطأ أن نصنّف هاكان باعتباره بطلا ًخارقاً. فهناك قميص لا يمكن إلا لأفراد عائلته ارتداؤه.

وعندما يلبس هذا القميص، فإنه يكون إنساناً لا يقهر. وإذا كانت مدينة غوثام الخيالية لديها باتمان ومتروبوليس لديها سوبرمان، فإسطنبول لديها هاكان الذي يسهر على حمايتها من شرّ عدوها اللدود (الخالد الأخير). وفي هذا العالم، لا يتمتع غيره بالقوة للقيام بهذه المهمة ولا يمكن لسواه أن يتفوق على هذا الشرير.

وبينما يختلف المُحافظ في الكثير من النواحي عن المسلسلات التركية التقليدية، لم يستغرق الكثير من الوقت حتى حظي بقبول المشاهدين الأتراك. فعادة، تستغرق الحلقة الواحدة من المسلسلات التركية ما بين 90 دقيقة وساعتين، فيما تتراوح مدة الحلقة في المُحافظ من 30 إلى 45 دقيقة. ومن المعتاد أيضا أن تكون الحلقات الأخيرة من كل موسم في المسلسل طويلة جدا، لكن حتى الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل لم يتعدّ طولها 28 دقيقة فقط، وذلك دون احتساب ملخص الحلقات السابقة وشارة النهاية (التتر).

ولابد لي أن أعترف أن مستوى التصوير السينمائي في مسلسل المُحافظ ممتاز، شأنه شأن تصاميم مواقع التصوير والإضاءة والموسيقى التصويرية. المسلسل يتمتع فعلا بجودة عالية في هذه النواحي. ومع ذلك، فإن السيناريو كارثي والحبكة تنطوي على عشرات الأسئلة التي تُركت دون إجابة والعديد من الفجوات في نسيج القصة. أما الحوار فهو معقد ومصطنع، وظنّي أن كتّاب السيناريو كانوا يحاولون وضع أسس المواسم المقبلة، لكنهم بدلا من ذلك تسببوا في إفساد الموسم الأول بأكمله.

وعلى الرغم من أنه مسلسل يدور حول بطل خارق، لا يحوي المُحافظ مؤثرات خاصة أكثر مما يمكن إحصاؤه على أصابع اليد الواحدة، وحتى المؤثرات التي تمّ استخدامها بالفعل في المسلسل سيئة للغاية.

ونظرًا لأن حلقات المسلسل متاحة بالكامل على شبكة نتفليكس ولأن المشاهدين اعتادوا على الحلقات القصيرة بسرعة، فقد انتهى الكثير من الأشخاص من مشاهدة المسلسل في غضون بضعة أيام وبدأوا في مناقشته على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وفيما تجرّأ القليل من المشاهدين الأتراك على انتقاد المسلسل، جاءت معظم التعليقات لتدافع عنه وتقول إنه لا ينبغي التحدث بسلبية عن المُحافظ نظراً لأنه أول مسلسل تركي على نتفليكس. وجاء النقاش المحتدم عن هذه النقطة الخلافية لتكشف عن مدى تعمق ما يمكن وصفه (بمتلازمة الدعاية التركية للأتراك)، وهي متلازمة موجودة في المجتمع التركي منذ سنوات. 

وكانت الحجة العامة لأولئك الذين أعجبوا بالمسلسل هي أنه يجب أن يحبه ويدعمه الأتراك لأنه أول مسلسل محلي على نتفليكس ولأنه يتمتع بالجودة بحسب المعايير التركية ولأنه يدور حول قصة قوية ومؤثرة. أما بالنسبة لأولئك الذين يحاولون فهم الوضع في تركيا، فإنه من المهم معرفة دلالة مثل هذه التعليقات، والتي توضح أنه إذا ما انتقد شخص ما شيئاً بشأن تركيا، فسيأتي شخص آخر للدفاع عنها من خلال تقديم مثال على وجود ما هو أسوأ. وبالأخصّ، إذا كانت تركيا محل انتقادات دولية فيما يخص ملف بعينه، فإن الدفاع عن سجل تركيا في هذا الملف يصبح على الفور قضية وطنية.

في المقابل، إذا كانت الانتقادات محصورة فقط في تركيا، فلا أحد يهتم حقا. على سبيل المثال، عندما ظهر مسلسل (الموتى الأحياء) عن مصاصي الدماء في إسطنبول على قناة (بلو تي.في)، وهي أول قناة تركية تبث حصريا على الإنترنت، كتب العديد من المستخدمين تعليقات سلبية بشأن مستوى المسلسل، لكن لم يكن ذلك بالأمر المهم لأن المسلسل كان يُعرض على قناة محلية وليس شبكة عالمية مثل نتفليكس.

وثمّة سبب واحد فقط في أن الشخصيات والأعمال الفنية التي تمثّل تركيا في الخارج لا تحظى بالكثير من الاهتمام المحلي، وهو أن المواطنون في تركيا يحكمون على تلك الشخصيات والأعمال من خلال المواقف التي يتخذونها أو سبق أن اتخذوها بشأن موضوعات سياسية معينة. فعلى سبيل المثال، أدلى الكاتب الشهير أورخان باموق ببعض التعليقات حول الإبادة الجماعية للأرمن، وذلك قبل فترة وجيزة من الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للآداب. وعلى الرغم من كونه الكاتب التركي الوحيد الذي فاز بهذه الجائزة المرموقة، لم يهنّئ الرئيس آنذاك أحمد نجدت سيزر باموق على حصوله على الجائزة، فيما زعم كثيرون أنه فاز بجائزة نوبل ليس بسبب موهبته، وإنما لأنه انتقد تركيا جهراً.

وسواء حظي العمل الفني بإعجاب المشاهدين أم لا، فإن بعض الأعمال الفنية التي حملت انتقادات للحكومة أو لسياساتها الراسخة جعلت من المستحيل على بعض الفنانين أن يواصلوا العيش في تركيا. ولا نزال نتذكر مثلاً كيف اضطر ناظم حكمت، الذي يعتبره الكثيرون أفضل شاعر أنجبته تركيا، للهروب من البلاد بسبب آرائه السياسية. ولا يزال رفات حكمت حتى اليوم مدفونا خارج بلده.

أما المغني الكردي أحمد كايا فقد اختار العيش في المنفى بعد أن تعرض للملاحقة الأمنية جراء إعلانه في حفل لتوزيع الجوائز اعتزامه تصوير فيديو لإحدى أغانيه باللغة الكردية. وتوفي كايا لاحقا في فرنسا ولا يزال مدفونا هناك.

في النهاية، إذا كان العمل الفني يمثل تركيا في محفل خارجي، حتى لو لم يرق لمستوى معايير الجودة على الصعيد العالمي، فإنه يتحول إلى مصدر للفخر الوطني. وفي حالة لم يكن ذلك العمل بالجودة المطلوبة لدخول مهرجان ما أو لم يفز بالجوائز، فذلك ليس بسبب ضعف المستوى، وإنما بسبب المؤامرات الغادرة التي حاكها أعداء تركيا ضده. من ناحية أخرى، إذا صنع شخص من المعارضة عملاً فنياً راقياً ونجح بشكل كبير في الخارج، فلن يلق أي تصفيق في تركيا، لأن هذا العمل ناجح فقط بفضل دعم أياً كان من أعداء الوطن. 

ومع ذلك، ليس هناك عدد كبير من الفنانين الأتراك المعروفين على الساحة العالمية. ومن وجهة نظري، فإن متلازمة (الدعاية التركية لكل ما هو تركي) هي نتيجة مباشرة لذلك الاعتقاد الشائع بأن أي نقد مفيد يقف وراءه أعداء تركيا. وكلي أمل في أن تعلم تركيا ذات يوم قيمة فنانيها ومبدعيها بغض النظر عما يكتبونه أو يرسمونه أو يصورونه أو يؤلفونه. كما آمل أن يدرك الناس أن النقد يمكن أن يكون بنّاءً، حتى عندما يكون موجها لعمل فني يشكل مصدرا للفخر الوطني.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/pop-culture/protector-and-turkish-propaganda-turks
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.