Ergun Babahan
يناير 24 2018

مشاهدة فيلم "ذا بوست" ثم تحليل وسائل الإعلام التركية

الصحافة موجودة لخدمة الشعب وليس السلطة!
(هوغو بلاك عضو المحكمة العليا الأميركية)


اغتنامًا لفرصة ارتفاع درجات حرارة الجو في مونتريال حوالي 3-4 درجات-فوق المعايير الطبيعية الموسمية عن 20- ذهبنا لمشاهدة فيلم "ذي بوست" من إنتاج ستيفن سبيلبرغ.
فيلم يجب عرضه في المدارس الصحفية. من هو الصحافي، ومن لا يكون صحافيًّا هذا ما تناولته بشكل رائع وممتاز شاشة السينما في هذا الفيلم.
عاد بي الفيلم فجأة إلى مرحلة شبابي... العام 1971... "العصر الحجري" للصحافة... حيث الآلة الكاتبة وفترة صَفِّ حروف الكتابة...
حيث يُكتبُ الخبر على الآلة الكاتبة فيَمُرُّ على المصحح أولًا، ثم يقوم المنضدون الذين يستخدمون الحروف المصبوبة من الرصاص كلٌّ على حدة بتثبيت الجمل واحدة تلو واحدة في قوالب خاصة بها.
كانت تتم معالجة الأخبار التي تهز أميركا كما تتم عملية صياغة الزخارف على الورق. وكانت الدوارات تدور فتتساقط الصحف الواحدة تلو الأخرى تفوح منها رائحة الحبر...

 

لم يكن هناك تغليف وتعبئة آلية ولا سيور تنقل تلك الحزم إلى الشاحنات. عندما كان الباعة يبيعون الصحف حاملينها تحت الإبط وهم ينادون: تكتب كذا وكذا وكذا...
إنها السنوات التي طبعت فيها صحف إسطنبول طبعات تجريبية أخرجتها إلى ميدان تقسيم كي تباع، السنوات التي تراصَّ الناس فيها صفوفًا في الشوارع المجاورة مباشرة لفندق أفس كي يشتروا صحيفة يني عصر.
 لقد تسنى لي أن أدرك هذه الفترة التي كانت تنضد الصحف فيها بالحروف الرصاص. بدأت بالحاسوب في يني عصر، وعملت في صحيفة صباح أيضًا باستخدام أحدث التقنيات. غير أن أصدقائي في صحف غون آيدين وملليت وجمهوريت عملوا واجتهدوا: نبيل أوزغن ترك ومصطفى بالباي وجلال باشلانغيتش وهاقان طرتان...
كانت تلك حقبة الفقر والبراءة في مسيرة الصحافة. الحقبة التي تجاوزنا فيها الخبر وأغضبنا بعضنا البعض. إنها الحقبة التي كانت تكلفة تخطي الخبر فيها وتجاهله ثقيلة وكبيرة.
حين انظر إلى الوراء والتفت إليها حاليًا أدرك أنها لم تكن بريئة إلى هذا الحد ألبتة. كنا نحاسب المسؤولين، ولا سيما المنتخبين، غير أننا لم نكن نستطع المساس ب"المُعَيَّنين".
لم تكن كلمة "كردي" ترد في الصحف، بل إننا لم نكن ندرِ شيئًا حتى عن الإبادة الجماعية للأرمن. ومذبحة درسيم لم تكن تستطع الدخول من باب المبنى. ما كنا نستطع أن نكتب عن العلويين...
بيد أن المنتخبين لم يكونوا هكذا. لم نكن نكُف أيدينا عنهم أيًّا كانوا: رؤساء بلديات أو وزراء أو رؤساء وزراء. ومعركتنا مع المرحوم إحسان آليناق رئيس بلدية ازمير المعروف مشهورةٌ ومعروفة.
حيث جاء إلى الصحيفة واقتحمها بناء على إنذار حريق كاذب. بجيش مطافئ عملاق وجرار... ثم عرف المنتخبون كيف يشترون مُلَّاك وسائل الإعلام؛ كما عرف مُلَّاك وسائل الإعلام أيضًا كيف يشترون المسؤولين والكتاب... لقد تلوث الجميع.
غير أنه لم يحدث قط مثلما يحدث اليوم. لأن وسائل الإعلام بينما كانت تتشاجر فيما بينها كانت تراقب بعضها البعض نوعًا ما.
أما الآن فلم يبق ولو حتى هذا...
لدينا وسائل إعلام تطلب رضا "القصر الرئاسي"، وتتنافس مع بعضها البعض من أجل التزلف إليه. إنّها وسائل إعلام لم يتبق لديها شعور بالخجل والحياء.
دعكم من مراقبة المنتخبين، لدينا إعلام ناضج يقاتل ببسالة من أجل الإشراف والمتابعة.
حين يرى الإنسان الصحافيين الذين ناضلوا ضد نيسكون بالأمس، وضد ترامب اليوم لا يستطيع أن يجد ما يمكن أن يقوله لصحافيينا اليوم.
فلنعُد إلى "ذي بوست"...
إنها قصة مجموعة من الصحافيين الصادقين الجسورين المتحمسين مع مديرة عُين زوجها بدلًا منها -لكونها امرأة- لرئاسة تحرير الصحيفة التي ورثتها عن أبيها... مات الزوج فانتقلت إدارة الصحيفة إلى الزوجة كاثرين غراهام. إلى المرأة التي جعلت الصحيفة علامة تجارية عالمية في مدة وجيزة...
إنها المرحلة التي حظي فيها توقيع المراسل بأهمية كبيرة، واهتزت كبريات الصحف بسبب مغادرة مراسل لم يُنشر خبره ...
حيث واشنطن بوست تعتبر صحيفة محلية صغيرة مقارنة بصحيفة نيويورك تايمز...
حصلت نيويورك تايمز على الوثائق السرية لوزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنامارا، والخاصة بالحرب في فيتنام، ثم بدأت تنشرها، وتكشف الوثائق كذب جميع الرؤساء ووزراء دفاعهم...
تكشف أنه تم خداع الشعب والكذب عليه بشأن حرب فيتنام.
بما في ذلك نيكسون...
ذلك أن الرئيس نيكسون أوقف نشر صحيفة نيويورك تايمز بقرار حصل عليه من المحكمة الفيدرالية.
وكذلك مدير التحرير بن برادلي الذي غضب وثار لتجاهل خبره وعدم نشره، فلما حصل مجددًا على نفس المستندات والوثائق كان أمام كاثرين غراهام ثلاث صعوبات...
أولها: خفض مستوى الخطر على الشعب الذي كان على وشك تحقيقه وذلك من أجل تقوية الصحيفة؛ واغضاب ماكنامارا صديق العائلة؛ والأهم من ذلك دخول السجن وخسارة الصحيفة بضغوط من السلطة...
 إن أكثر ما دارت فيه حوارات صحافية لافتة للنظر هي تلك المشاهد التي تم الحديث فيها بشكل مثير عن صعوبة انفراد امرأة -ليست لديها خبرة صحافية ولا عملية- باتخاذ قرارات خطيرة بدافع غرائزها التي ورثتها عن والدها...
إنها مشاهد تؤكد أهمية استقلالية القضاء بقدر أهمية الصحافة وإدارة الصحف، إنها مشاهد صُوِّرت بحرفية وبراعة...
إننى أرى أن الجملة المفصلية في الفيلم بالنسبة للصحافيين هي سؤال بن برادلي "إن لم نحاسب نحن (السلطة) ونسائلها فمن سيفعل؟"
إن الوضع في تركيا يكمن في الإجابة عن هذا السؤال...
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: