إزغي كاراتاش
ديسمبر 27 2017

مشروع قانون عُمال الباطن في تركيا.. خدعة أم بشرى؟

 

أصبح الوعد المتكرر أثناء الفترات التي تسبق الانتخابات الخاص بتخصيص كادر لعمال الباطن، حديث اليوم قبل انتهاء العام بأيام معدودة.
حدث أمس تطور بالموضوع، وصُرٍح بتنظيم كادر بموجب مرسوم قانوني.
تعتزم السلطة الانتهاء من مشروع قانون ينصّ على تخصيص كادر لعمال الباطن. ولكن من المنتظر نشره في مرسوم الطوارئ الأيام المقبلة.
وأُعلن أنه سيتم تنفيذ مشروع القانون المُعد لعمال الباطن والمكون من 12 مادة بموجب مرسوم قانوني تعمل عليه الحكومة منذ فترة طويلة ويصل عدد مواده إلى 150 مادة.
في الحقيقة أنّ الحكومات في مرسوم الطوارئ مُخوّلة بتنظيم الأمور اللازمة لحالة الطوارئ. ولكن تم تنظيم عدة أمور  بدءا من ألعاب اليانصيب ـ بموجب المراسيم التي تم إصدارها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة بالعام الماضي ـ وحتى التحول الحضاري، ومن تأخير وتأجيل الإضراب حتى مصدر صندوق الثروات. ويبدو أن عمال الباطن سينالون نصيبهم من هذه التطبيقات.
وقد صرحت وزيرة العمل جوليدة صاريأر أوغلو ـ أثناء مباحثات الميزانية بالبرلمان ـ بتنفيذ وعودها بشأن تخصيص كادر لعمال الباطن في أقرب وقت ممكن.
بعدها صرح وزير المالية ناجي أغبال قائلا: "سنعرض هذا الموضوع على الأمة حتى بداية العام الجديد. وسندرسه بالمجلس على وجه السرعة."
كان رئيس الجمهورية أردوغان قد صرح من قبل في مايو 2015م قائلا: "لقد منحتكم الدولة هذه الإمكانية، فلا تنكروا الجميل." ولكنه في هذ المرة شارك في التصريحات المتتالية للوزراء ونائب الرئيس قائلا: "وجدنا الحل المناسب لمشكلة العمالة من الباطن. مبارك علينا."
تجاهل أردوغان أثناء تصريحه هذا ارتفاع عدد عمال الباطن من 380 ألف عامل إلى 850 ألف عامل بعد استلام حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة.
أما حزب الشعب الجمهوري "الحزب المعارض الرئيسي" فيرى أن هذه الأرقام أقل من الحقيقة. فوفقا للنشرة التي أعدّها بيونيو الماضي بخصوص هذا الشأن، يعمل بالدولة اليوم 750 ألف عامل من الباطن، ويصل هذا الرقم إلى 2 مليون عامل بعد إضافة عمال القطاع الخاص.
وقد صرحت أرزو تشركزأوغلو  ـ السكرتير العام لاتحاد نقابات العمال الثوريين ـ بعدم شرعية العمالة من الباطن، وبناء عليه عدم الإفصاح عن الأرقام الحقيقية إلا أنه وصل إلى 2 مليون عامل.
 في تركياعمال الباطن

 

تشير هذه الأرقام المذكورة إلى زيادة نسبة عمال الباطن بنسبة 500% منذ استلام حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم عام 2002م.
لقد انتشرت العمالة من الباطن الوجه المعروف للقوى العاملة الرخيصة ونظام العمل بلا ضمان، في القطاعين العام والخاص خصوصا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وأصبحت العمالة من الباطن العنوان الوحيد تقريبا للقوى العاملة الرخيصة طوال 15 عاما تولى فيهم حزب أردوغان مقاليد السلطة.
ولقد ضاعفت الشركات المقربة من السلطة ثرواتها بالمناقصات التي أخذتها من الحكومة تلك الفترة.
وتشير تشركزأوغلو  إلى زيادة حزب العدالة والتنمية للعمالة من الباطن بشكل مُدبّر، بتحويل الوظائف الأساسية وعلى رأسها الوظائف بالصحة العامة والمحافظة والطرق البرية إلى عمالة من الباطن، وانتهاك قانون العمل رقم 4857.
ووفقا للمادة الثانية للقانون الخاص بهذا، يمكن التحويل إلى العمالة من الباطن في الحالات الاستثنائية فقط.
وترى تشركزأوغلو أن تنظيم الدولة لفترات عمل عمال الباطن وعملهم بالشركات على ورق فقط، يعد سرقة.
لقد مر عامان ونصف على ما وعد به حزب العدالة والتنمية بشأن العمالة من الباطن أحد العناصر الهامة بحملته الانتخابية خلال انتخابات 7 يونيو.
لم يُنفّذ الوعد الخاص بتخصيص كادر للعمال من الباطن ـ الذي كان من المنتظر تخصيصه بعد مرور مائة يوم على الانتخابات ـ هذه الفترة.
وعلى الرغم من ذلك أقرّ البرلمان قانون تأجير العامل الذي يعتبره العمال والنقابات "قانون العبودية".
وفى حزب العدالة والتنمية بوعده لأصحاب الشركات بعد الانتخابات السابقة على الفور، ولكنه تذكر وعده للعمال وهو في طريق استعداده لانتخابات 2019م.
ويواصل حزب العدالة والتنمية حملات لجذب الجماهير نحوه على المدى القريب في ظل حدة التوتر بالسياستين الداخلية والخارجية، ويأمل جذب العمال نحوه بتخصيص كادرا لهم إلا أن المنظمات العمالية لم تلمس صدق تصريحاته.
حيث تنظر المنظمات إلى تصريحات حزب العدالة والتنمية ـ التي أبدت موقفا مواتيا لأصحاب الشركات بالتعديلات التي أجرتها على سياسة التوظيف ـ كاستثمار للانتخابات الرئاسية.
ترى تشركزأوغلو تحوّل مشكلة العمالة من الباطن إلى جرح ينزف بالمجتمع وتأجيل تنظيمه بالوعود المماطلة لسنوات.
وتحدثت بحذر وهي تقول "هناك توقع اجتماعي خطير للغاية. وسنرى كيفية تنفيذ هذا التوقع."
وأضافت "هذا ليس إحسان أو صدقة" وصرحت بمشروعية الكادر وأحقية العمال به.
وتشير تشركزأوغلو إلى عدم تنفيذ السلطة لقرارات القضاء لسنوات طويلة على الرغم من حقوق عمال الباطن الفعلية والشرعية، وتؤكد مرونة سياسة السلطة لصالح أصحاب العمل.
صرح غوناش جنكيز مؤسس جمعية عمال الباطن التعاونية بمناقشة مسألة الكادر لسنوات وعدم التحرك لتنفيذه قائلا: "كانت تصريحات الحزب مجرد وعود انتخابية، ونخشى أن تظل كذلك."
صرحت وزيرة العمل جوليدة صاريأر أوغلو الأسبوع الماضي باشتراك 450 ألف عامل بالكادر خلال ثلاثة أشهر من أصل 900 ألف عامل بالدولة.
ولكن يوضح جنكيز أن ضرورة تخصيص كادر لجميع عمال الباطن ـ الذين يتحملون عبء العمل الحكومي لسنوات طويلة ـ أمر مفروغ منه.
وأضاف قائلا: "إن هذا الكادر حق لعمال الباطن ويجب ضمانه لجميع العمال دون تمييز".
كما أكد عدم تخلي السلطة عن ممارسة العمالة من الباطن. حيث يرى أن حملة السلطة لتنفيذ هذا الكادر حملة مؤقتة لعدم تخلي السلطة عن العمالة من الباطن كي لا تفقد الأيدي العاملة الرخيصة بالقطاعين الخاص والعام.
ويضيف جنكيز أن الحل الأمثل للعامل هو العمل داخل كادر وبشكل مضمون ودون ذلك يُعد استغلالا للعامل.
وتحدث جنكيز قائلا: "لن يقضي الكادر على العمل دون ضمان، ونظن أن الحكومة ستقوم باستمرار العمالة من الباطن ولو لجزء منه بالدولة بعدما جعلت من العمل المرن أمرا قانونيا. وليس من المتوقع أن تعطي الحكومة ـ التي فصلت موظفي الدولة بموجب المراسيم القانونية بين ليلة وضحاها ـ الضمان للعمال. فالحكومة تريد أن تعادل بين حقوق الموظفين كحد أدنى وليس كحد أقصى."
وبينما يتم تحويل العديد من الخدمات العامة وعلى رأسها الصحة إلى شركات من الباطن خلال العشرين عاما الماضية، كانت أصوات العمال تعلو بطلب تخصيص الكادر.
ولكن سرعان ما تتبخر الوعود بعد الانتخابات. ويذكر مراد تشاكير  ـ عضو مجلس صحة العامل وضمان العمل ـ وعد رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو الخاص بهذا الأمر في انتخابات يونيو 2015م، وطرحه الآن فجأة كاستثمار لانتخابات 2019م.
مشروع قانون عمال الباطن في تركيا

 

ويرى تشاكير ضرورة إزالة جميع الأوضاع مثل 4أ-4ب-4ج، وتشغيل جميع العمال بالدولة داخل كادر وبشكل مضمون. وعلى الرغم من ذلك يمكن للدولة أن تنتقل إلى نظام يعتمد على الأداء خلال انتخابات 2019م. 
ويؤكد تشاكير عدم وجود حل جذري لهذه المشكلة واستمرار العمل دون ضمان تحت أسماء مختلفة مثل العمالة المؤقتة ومكاتب التوظيف الخاصة.
تطرق تشاكير إلى قانون تأجير العامل المقبول العام الماضي، وصرح بوجود ممارسات مشابهة لذلك بالماضي. ولكنها أصبحت رسمية بهذا القانون. وتمت إزالة العوائق بطريقها. ولن تتخلى السلطة عن نموذج العمل هذا.
ويؤكد تشاكير قوة المنافسة العالمية لرأس المال التركي في العمالة الرخيصة، ويضيف ضرورة تقاضي العامل أجراً يسمح له بالعيش بطريقة آدمية، وتأمين ضمان العمل.
وعلى الرغم من الوعود التي لم تُنفّذ لسنوات يأمل مئات الآلاف من العمال سماع خبر سار من البرلمان. ومع ذلك يستمر العمل المرن الذي بلا ضمان بمسميات مختلفة.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: