أبريل 14 2019

مصير رؤساء البلديات المنتخبين في ظل هيمنة أردوغان

يبدو أن الانتخابات المحلية التي جرت في تركيا يوم 31 مارس الماضي ستأخذ موقعها بين أكثر الأحداث المثيرة للجدل في البلاد، بعد انتخابات 7 يونيو 2015 العامة التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية لأول مرة قدرته على تشكيل حكومة بمفرده، بسبب دخول 80 كرديًّا إلى البرلمان. وهو الأمر الذي دفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى التحالف مع حزب الحركة القومية، وإعادة الانتخابات البرلمانية في العام نفسه، ليعيد الحكومة المنفردة إلى حزبه، بركوب "الموجات القومية" التي أثارتها إطاحة أردوغان بطاولة مفاوضات "السلام الكردي" وعودته إلى الكفاح المسلح مجددًا مع حزب العمال الكردستاني.

لقد فرض حزب العدالة والتنمية الحاكم وصاية جديدة على الإرادة الشعبية بعدما خسر بلديات المدن الكبيرة الواقع معظمها في غرب تركيا، وعلى رأسها أنقرة وإسطنبول؛ في حين توجه إلى الامتناع عن تسليم محاضر التنصيب لرؤساء البلديات الجدد من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في شرق البلاد، وذلك بحجة أنهم فصلوا من وظائفهم بموجب قرارات حالة الطوارئ التي أعلنها أردوغان بدعوى التصدي للانقلابيين. فعلى الرغم من مضيّ حوالي أسبوعين على الانتهاء من الانتخابات، إلا أن 48 رئيس بلدية من أصل 70 تابعين للشعوب الديمقراطي، لم يتسلّموا بعدُ محاضر تنصيبهم من السلطات المعنية، أبرزهم أحمد تورك الذي فاز بلدية ماردين الكبرى بعدما حصد 56.24% من الأصوات.

ورغم أن تورك، الذي يعدّ من أهمّ رجال الحركة الكردية في تركيا منذ سبعينات القرن الماضي، فاز برئاسة البلدية بفارق كبير، إلا أن شعبة حزب أردوغان في ماردين اعترضت على ذلك وطالبت لجنة الانتخابات المحلية بتسليم رئاسة البلدية إلى مرشح العدالة والتنمية الذي حصل على 38.53% من الأصوات، ذلك بحجة أنه (تورك) سبق أن أقيل من منصب رئيس البلدبة في 2016 وعين محله وصيًّا.

ومع أن لجنة الانتخابات المحلية رفضت طلب الحزب الحاكم، إلا أنها لم توافق على تسليم محضر التنصيب لتورك، وأحالت القضية إلى اللجنة العليا للانتخابات لتحسم فيها. وذلك رغم أن اللجنة المحلية هي من وافقت على ترشُّح تورك مؤكدة عدم وجود أي مانع قانوني لذلك قبل إجراء الانتخابات.

يقول تورك فيما يتعلق بعدم تسليم محضر التنصيب له: "لقد تقدم رئيس شعبة العدالة والتنمية ببلاغ للجنة الانتخابات المحلية من أجل منعي من رئاسة البلدية وإسناد المنصب إلى مرشح الحزب الحاكم. فهم يتصرفون وكأنني تعرضت للإقالة تمامًا في الفترة الماضية، بل إني تعرضت للإبعاد فقط، ولا يزال يأتيني إخطار إبعاد رسمي في هذا الصدد مرة في كل شهرين، وكذلك لا أزال أحصل على ثلثي راتبي. بمعنى أنني لا أزال رئيس بلدية ماردين الكبرى. ومع أن المحكمة رفضت طلب حزب العدالة والتنمية، إلا أنها أحالت الملفّ إلى اللجنة العليا للانتخابات. خطوة لا يمكن أن يستسيغها العقل والمنطق. من الواضح أن اللجنة تتعرض لضغوطات السلطة السياسية."

وفي سياق تعليقه على تجنب تسليم محاضر التنصيب لمرشحي الحزب الكردي الفائزين برئاسة البلديات يقول تورك: "نظام أردوغان يرى الأكراد مسؤولين عن المشهد السياسي الجديد الذي تمخض عن نتائج الانتخابات المحلية، لذا يسعى إلى معاقبتهم بمثل هذه الخطوات. يريدون للأكراد أن يدفعوا ثمن الموقف الاستراتيجي الذي أبدوه في المدن الكبرى، ووضعوا نهاية لسيطرتهم على الإدارات المحلية في تلك المدن. ورغم أنهم يزعمون أن المعارضة استقدمت ناخبين من خارج إسطنبول ليدلوا بأصواتهم لصالحها، إلا أنهم مَنْ استقدموا في الحقيقية حوالي 100 ألف عسكري وشرطي إلى ماردين ليدعموهم في الانتخابات."

يواصل تورك تصريحاته لـ"أحوال تركية" قائلاً: "في عام 1973 دخلتُ البرلمان، وأصبحت سياسيًّا نشيطًا دائمًا. لم أشهد خلال هذه الفترة أسوأ مما نشهده اليوم من الناحية الديمقراطية. لم تتزعزع ثقة الناس بجدوى الانتخابات والديمقراطية إلى هذا الحد في أي فترة مضت. فهم يحاولون تغيير النتائج بممارسة الضغوط. والطامة الكبرى أن الحزب الحاكم يتهم المعارضة بالتزوير والتلاعب بالنتائج، وذلك رغم أن الوزراء المعنيين خرجوا على الشاشات قبل الانتخابات مؤكدين أنهم اتخذوا كل التدابير الكفيلة بأمن صناديق الاقتراع وعملية التصويت."

مرشح الحزب الكردي الآخر الذي تمتنع لجنة الانتخابات المحلية من تسليم محضر تنصيبه هو بريوان هلين إشيق، التي فازت بلدية سعرت الكبرى. حيث تدعي شعبة الحزب الحاكم في المدينة أنها تعرضت للفصل بموجب قانون الطوارئ، وتطالب بإسناد منصب رئيس البلدية إلى مرشحها؛ في حين أن السيدة إيشيق ترفض صحة هذا الادعاء وتؤكد أنها فصلت من عملها بسبب العمالة الزائدة. ويلفت رئيس شعبة الشعوب الديمقراطي في ماردين سردار باتور إلى أن لجنة الانتخابات في المدينة لم ترصد أي أمر يشكل مانعًا لترشح الأسماء التي اقترحوها لخوض غمار الانتخابات البلدية.

زيات جيلان المنتمي إلى الحزب الكردي هو الاسم الآخر الذي لم تسلّمه لجنة الانتخابات المحلية محضر تنصيبه رغم فوزه بلدية "باغلار"، إحدى البلدات المركزية التابعة لديار بكر، بالرغم من أنه حقق فوزًا ساحقًا بحصوله على دعم 70% من الناخبين. وذلك لأن مرشح العدالة والتنمية حسين بيوغلو، الذي حصد 25% فقط من الأصوات، قدم شكوى للجنة الانتخابات المحلية، وطالبها بعدم الاعتراف بفوز مرشح الحزب الكردي بدعوى أنه مفصول بموجب قانون الطوارئ في الفترة السابقة. ولا تزال اللجنة تدرس القضية.

يذكّر جيلان في تصريحاته لـ"أحزال تركية" بأن لجنة الانتخابات المحلية وافقت على ترشحه عندما لم تجد أي عنصر غير قانوني يقتضي منعه من رئاسة البلدية، لذا فإن ما يتعرض له وحزبه ليست عملية قانونية بل سياسية بحتة.

مرشح الحزب الكردي في بلدة "ديغور" التابعة لمدنية كارس أبو بكر أركمن من الأسماء التي حرمت من الحصول على محضر تنصيبه بنفس السبب، أي فصله بموجب قانون الطوارئ في الفترة السابقة. 

يدافع أركمن أن هذه الخطوة تعسفية لا تمتّ بصلة إلى القانون، ثم يردف قائلاً: "هناك عديد من الأشخاص أصبحوا أعضاء برلمانيّين رغم أنهم مفصولون بموجب قانون الطوارئ أيضًا. الفصل بقانون الطوارئ لا يمكن أن يحرم الإنسان من حقوقه السياسية. فإذا ما أصدرت اللجنة العليا للانتخابات قرارًا سلبيًّا فإننا سنتقدم بشكوى إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية."

من جانبها، لفتتْ رئيسة بلدية مدينة "وان" الحدودية مع إيران بديعة أوكوكجه إلى أن منْع المرشحين الأكراد من تسلّم مناصبهم من شأنه أن يؤدي إلى توتر اجتماعي جميع أنحاء البلاد. في حين أن الرئيس المشترك لبلدية ديار بكر عدنان سلجوق مزراقلي، وهو أيضًا من الرؤساء المنتخبين الذين ينتظرون أن تحسم اللجنة العليا للانتخابات قرارها بحقهم، يشدّد على أن الأوصياء المعينين على البلديات انتهت وظيفتهم اعتبارًا من بداية هذا الشهر، وأن الرؤساء الجدد لا بد أن يتسلّموا مناصبهم في أقرب وقت، ثم يحذر بقوله: "أي تأخير في هذا الصدد سيوجّه أصابع الاتهام إلى اللجنة العليا للانتخابات."

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا: