مطار إسطنبول الجديد: مسافرون يكتشفون أن الحلم لم يكتمل

افتتح رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان مؤخراً مطار إسطنبول الجديد، وسط حالة من الجدل حول جدوى هذا المشروع. من أجل هذا، قررتُ، ممثلاً عن موقع "أحوال تركية"، الذهاب لتفقد الوضع على أرض مطار إسطنبول، الذي بدأ في مرحلته الأولى تسيير عدد محدود من الرحلات. 
لم يكن الذهاب إلى المطار بالأمر الهين، خاصة مع قلة عدد وسائل المواصلات، التي تتجه إلى هناك. لم أكن أعرف كيف سأذهب. من أجل هذا، لجأت إلى وسائل التواصل الاجتماعي للسؤال عن هذا الأمر.
استطعت، بعد عناء، أن أستقل حافلة متجهة إلى المكان. وبعد ساعتين وخمس دقائق من انطلاقها، بدأت الإنشاءات الخاصة بالمطار تلوح في الأفق. وهذا يعني أن الطريق من يني بوسنة إلى المطار استغرق ما يقرب من ساعتين وأربعين دقيقة.
بدأت على الفور في التقاط الصور للمطار. كانت هناك مناطق عمل كثيرة على أطراف المطار، وكانت الشاحنات، التي تحمل الرمال، تملأ المكان، وقد  انهمك مئات العمال، بزيهم المميز على الجانب الآخر، في أعمال أخرى إلى بجوار الحاويات. كان محيط العمل يشير إلى كم الأشجار التي قاموا باقتطاعها لتنفيذ باقي مراحل المشروع.

لم يكن الذهاب إلى المطار بالأمر الهين، خاصة مع قلة عدد وسائل المواصلات
لم يكن الذهاب إلى المطار بالأمر الهين، خاصة مع قلة عدد وسائل المواصلات

أخذت الحافلة طريقها إلى داخل المطار، وكنت كلما طلبت من السائق أن يتمهل، أو يتوقف قليلاً، كان يقول لي "هذا ممنوع"، ولا يستجيب لطلبي. حاولت جاهداً أن أتبيَّن حجم الأعمال، التي انتهى العمل منها بالفعل، كما يقولون، ولكني عجزت عن هذا، مع كثرة الرافعات والمغاريف والشاحنات والحاويات، التي تناثرت في نواحٍ مختلفة من مناطق العمل المحيطة بالمطار...
توقفنا في النهاية أمام مدخل المطار، تحت لافتة ضخمة كتب عليها باللغتين التركية والإنجليزية عبارة "مطار إسطنبول الدولي".
لاحظت، بمجرد دخولي المطار، قلة عدد الركاب، بشكل جعل المكان يبدو خالياً تماماً. كان الجميع، ممن يرون المطار للمرة الأولى، يتلفتون حولهم يميناً ويساراً لاستطلاع المكان. ومن حولنا كان العمال بالزي الأخضر، وعاملات النظافة بالزي البرتقالي، ورجال الأمن والشرطة، والمهندسون يهرولون من حولنا...
كان جهاز كشف المعادن "إكس راي" بالفعل أفضل من نظيره في مطار إسطنبول، ولكني لاحظت أن سير نقل الأمتعة كان منخفضاً للغاية عن المعتاد، بشكل جعلنا ننحني كثيراً لالتقاط أمتعتنا، مما جعلني أتوجه بالسؤال إلى أحد عمال الأمن بالمطار قائلاً "كيف يعمل سير نقل الأمتعة بهذا الشكل؟"، رد عليَّ العامل بدوره قائلاً "هذا النظام أفضل من نظيره في مطار أتاتورك. كنا هناك نضع الصناديق فوق بعضها البعض، ثم نقوم بوضع كل واحد منها في مكانه بعد ذلك. أما هنا، فنحن نرمي بها على هذه الحافة، التي تراها هناك، وعندما يلف السير يتم استبدال الصندوق الفارغ بآخر ممتلئ. ولكن المشكلة الوحيدة هنا هي أن السير بالفعل منخفض للغاية. وهو ما يجعلنا ننحني كثيراً لالتقاط الأمتعة، وهذا قد يسبب لنا آلاماً بالظهر، خاصة مع ارتفاع أعداد المسافرين في المستقبل". 
وعندما سألته عن قيمة الرواتب التي يحصل عليها عمال الأمن في المطار، رد قائلاً "جئنا إلى هنا على أمل أن نحصل على رواتب جيدة، ولكن هذا لم يحدث. ينتظر الكثير من العمال هنا أن يرفعوا رواتبهم، وربما يضطر هؤلاء إلى تقديم استقالة جماعية إذا لم يستجيبوا لهم".
أخذت أمتعتي وأخذت أتجول بين الناس داخل المطار. اقتربت، في هذه الأثناء، من أحد طلاب الجامعة، ويدعى سميح أوطقو، كانت وجهته هي إزمير.

أسعار المأكولات والمشروبات مرتفعة للغاية داخل المطار
أسعار المأكولات والمشروبات مرتفعة للغاية داخل المطار

تجاذبت أطراف الحديث مع أوطقو حول المطار، ورأيه في المشروع، فقال لي "المطار الجديد جميل بالفعل. لم تتح لي فرصة للتجول كثيراً في المكان؛ لأنني على عجلة من أمري، ولكن بصفة عامة ما رأيته كان جميلاً. المشكلة بالنسبة إليَّ كانت في الوصول إلى المطار". قال لي أوطقو إنه استقل إحدى سيارات التاكسي من صاري يَر حتى المطار، وإنه على الرغم من شرائه  تذكرة مخفضة بقيمة 60 ليرة للذهاب إلى إزمير عبر المطار الجديد، إلا أنه اضطر إلى دفع 150 ليرة لسائق التاكسي حتى ينقله إلى المطار.
تحدثت بعد ذلك مع السيدة غولسوم حول موضوع قطع الأشجار، والعمال الذين تُوفوا أثناء تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، فجاء رأيها على النحو التالي "بالفعل توفي ما يقرب من 30 عاملاً خلال هذه المرحلة من المشروع، ولكن هذا يحدث في العديد من المشروعات الأخرى، وليس في هذا المشروع فقط. أخي يعمل في الترسانة (حوض لبناء السفن)، وهناك أيضاً تحدث حالات وفاة بين العمال. وبالشكل نفسه يسقط العديد من العمال عند تشييد المساكن. وهذا يعني أن هناك أعداداً كبيرة من العمال يموتون في مجال الإنشاءات وحدها. ومع هذا، فلم يستفد كل شخص من هذه المساكن، كما لم تتح الفرصة للجميع لركوب السفن. ومع هذا، لم يخرج أحد علينا ليقول "الناس يموتون عند تشييد المساكن، أنا لن أسكن في منزل". وبالمنطق نفسه، لا أعتقد أن أحداً سيفضل الذهاب إلى أميركا أو أوروبا بالسيارة بسبب من ماتوا أثناء تنفيذ المشروع".
اقتربت من مسافر آخر قال لي إن اسمه دوزجون. أخبرني دوزجون أنه متجه إلى إزمير؛ لرؤية أحفاده قبل أن يحدِّثني عن رأيه في المطار الجديد. 
قال دوزجون إن الناس في الأناضول سيتوجهون، بسبب المطار الجديد، إلى إسطنبول للعمل بكثافة، وهذا قد يحول منطقة الأناضول إلى صحراء جرداء، أو على حد قوله "يتدفق الناس الآن على هذا المكان طمعاً في الحصول على فرصة عمل. وإذا استمر الأمر على هذا المنوال، فلن نجد عمالة كافية في الأناضول ومنطقة البحر الأسود والمناطق الشرقية. سيضطر هؤلاء إلى العيش في الغربة؛ لأنهم لم يجدوا البديل في أماكن عيشهم الأولى. سيتسبب هذا المشروع في حدوث موجة نزوح جديدة. انظر إلى هؤلاء العمال، لقد جاءوا جميعهم من خارج إسطنبول".
التقيت، أثناء تجولي في موضع آخر داخل المطار، بالسيد سردار سيماي، الذي وقف مشدوها، وهو يلتقط بعض الصور للأماكن من حوله.
قال لي سيماي إنه تجول بين عدد كبير من مطارات العالم، ولكنه وجد أن هذا المطار هو أفضلها جميعاً، أفضل من مطار سول أيضاً. تحدث عن إعجابه الشديد بنظام فحص الأمتعة، وأجهزة "إكس راي" المتطورة في المطار، وأكَّد أن تركيا ستساهم بهذه الخطوة، بشكل فعال، في مجال الملاحة الجوية حول العالم. 
حاولت من ناحيتي أن أتفحص المكان من حولي، كانت الأماكن المخصصة لانتظار المسافرين جميلة حقاً، ولكنها لن تسع الركاب على الإطلاق، خاصة مع ارتفاع أعدادهم في المستقبل. لفت نظري كذلك أنني لم أعثر داخل هذا المطار الضخم على مِقْبس كهربائي واحد لشحن هاتفي الجوال.
أضف إلى هذا أن أسعار المأكولات والمشروبات مرتفعة للغاية داخل المطار. قال لي أحد العاملين في المكان "سترتفع الأسعار بشكل أكبر في المستقبل"، فعلى سبيل المثال بلغ سعر البسكويت 6.5 ليرة، في حين أن سعرها بالخارج لا يتعدى 1.25 ليرة، كما بلغ سعر الخبز المحمص 14.5 ليرة، وبلغ سعر زجاجة المياه ما يقارب 6 ليرات...
كانت الحمامات كذلك متشابهة إلى حدٍ كبير بالحمامات الأخرى؛ لم ألمس فارقاً كبيراً بينها. أضف إلى هذا أن حجم هذه الحمامات،في اعتقادي، لن يسع أيضاً أعداد المسافرين، الذين سيترددون عليها في المستقبل. 
لا تزال الأعمال مستمرة في الطابق العلوي من المطار. قال لي عدد من العمال هناك إن الطابق العلوي سيكون فندقاً. لاحظت من خلال حديثي معهم أن هناك حالة من الضيق بين هؤلاء العمال. وعندما سألت أحد هؤلاء العمال عن رأيه في إنشاء فندق في هذا المكان، قال لي "والله هذا هو قانون الدنيا. الفقراء يتكبدون المشقة لأجل راحة الأغنياء. أما نحن فمكاننا في موقع العمل نستلقي فيه، وقد تمكن منا التعب. ماذا عسانا أن نفعل؟ من يملك المال يشعر بالراحة، أما الفقراء فليذهبوا إلى الجحيم!".
التقيت كذلك بأحد القادمين من أنقرة إلى إسطنبول، ويدعى عمر يَنَر. أعرب لي عمر عن امتعاضه من شكل انتظار السيارات خارج المطار.
تحدث معي عمر كذلك عن صعوبة الوصول إلى المطار بقوله "ليتهم لم يشيدوه في هذا المكان البعيد. أعرف أنني سأجد مشقة كبيرة للانتقال من هذا المكان".
انتقلت بعد أن أنهيت كافة إجراءاتي إلى المكان المخصص لانتظار الحافلات. ومن هناك انطلقت مغادراً المطار بصحبة عدد آخر من المسافرين.
تطلعت عن يميني وعن يساري فلم أبصر شيئاً آخر غير مواقع العمل والبلدوزر والكراكات والشاحنات والمباني الخراسانية، التي ستشهد وفاة أعداد أخرى من العمال.
وعندما نظرت من بعيد إلى المطار أدركت أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن ينتهي هذا العمل في عام 2019.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/3-havalimani/istanbul-havalimani-bir-yanda-kum-tepeleri-ote-yanda-yolculuklar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.