معارك الاعتدال والتطرف.. تركيا والعداء للنموذج الإماراتي

توظف أنقرة أدوات عديدة لاستهداف قوى إقليمية يرتكز مشروعها على مجابهة تيارات العنف والإرهاب، والدول التي تدعمها، سعيا إلى خدمة مشروعات عابرة للحدود تتسق مع أجندة أنقرة.

وعمدت تركيا عبر سنوات خالية إلى استخدام الجماعات الجهادية والتنظيمات الإرهابية للتدخل في شؤون الدول العربية، انطلاقا من مبررات سياسية ومنطلقات تاريخية لم يتردد المسؤولون فيها، عبر مستويات مختلفة، في إعلانها صراحة بشأن مزاعم تركيا الجغرافية في عديد من الدول العربية.

انطلقت معارك فكرية، واجتهادات بحثية، ومباريات سياسية حيال نمط العلاقة التاريخية التي جمعت بين تركيا وبعض الدول العربية، لاسيما بعد تصريحات رسمية بشأن مطالبات تركية متتالية لتعديل اتفاقية لوزان التي صاغت حدود تركيا عام 1923، بالتوازي مع اتهامات واضحة من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لبعض الحكام العرب بـ "الخيانة التاريخية الكبرى"، والتخلي عن الدولة العثمانية البائدة، وهو حديث مدفوع بعدد من المحركات المتداخلة.

يرتبط أولها، بطبيعة الرؤية العربية التي تنظر إلى الوجود العثماني على الأراضي العربية خلال قرون خلت، باعتباره احتلال، قام على السيطرة على الحكم، وجباية الضرائب والثروة، ونقلها إلى مركز السلطنة، هذا في مواجهة الرؤى التركية التي ادعت أن الدول العربية تخلت عنها إبان الحرب العالمية الأولى.

هذه الرؤى تتجاوز حقائق عجز السلطنة عن البقاء، ليس بسبب صراعاتها الخارجية، والوهن المتنامي الذي وسم "رجل أوروبا المريض"، وإنما أيضا جراء الصراعات الداخلية التي ضربت مركز الحكم فيها، بما أفضى إلى تعزيز الرغبة في تحقيق حلم الاستقلال الوطني للبلدان العربية في الشرق الأوسط، والدول الإسلامية في وسط آسيا.

أردوغان والعثمانية

تمجيد الحكم العثماني

فيما يرتبط ثاني المحركات بطبيعة تمجيد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لفترة الحكم العثماني، والرغبة في إعادة كتابة تاريخ تركيا القديم واستحضار مظاهره، وصوغ مستقبلها عبر مقاربات تستهدف إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية من خلال أدوات عديدة.

من هذه الأدوات، تعظيم الحكام العثمانيين، وتمجيد تراثهم، وزيارة قبورهم، ورد الاعتبار للسلطان عبد الحميد الثاني وأسرته، وإطلاق أسماء القادة العثمانيين على عديد من مشروعات البنية التحتية في تركيا، مقابل هدم منظم، وتشكيك ممنهج لتاريخ تركيا الأتاتوركي على المستويين السياسي والثقافي.

اشكالية ذلك لم تتعلق بمحض الارتدادات العكسية على قضايا غير مباشرة بين تركيا وبعض الدول العربية، كاستقبال الدول العربية لمئات الآلاف من الأرمن الذين فروا إلى أراضيهم وشواطئهم، جراء ما ارتكب بحقهم منذ عام 1915 على يد السلطة العثمانية، وإنما ارتبط أيضا بقضايا مباشرة، تعلقت باستخدام الأداة العسكرية لاحتلال البلدان العربية، وتوظيف أدوات العنف والقهر لبقاء الحكم فيها تابعا للسلطان العثماني، وصولا إلى ممارسة انتهاكات بحق الشعوب ذاتها، ومنع زواج الأتراك من المواطنين العرب في مرحلة من المراحل.

المحرك الثالث تعلق بالنظرة التركية الأردوغانية لبعض الدول العربية، باعتبارها عاجزة وليست أكثر من مسرح للتدخلات الخارجية، فيما تحن أغلب شعوبها للحكم العثماني وسلاطينه.

وثمة عشرات من الفيديوهات الموجودة على موقع يوتيوب، والتي تتضمن تصريحات وإيماءات واضحة للرئيس التركي يؤكد فيها ذلك، وهى تصريحات تبث دائما على خلفيتها "موسيقى الحرب" العثمانية التاريخية.

لذلك، فقد وظف ما أطلق عليهم "العثمانيون الجديد" مفهوم "النموذج التركي" لإعادة ترسيخ وجودهم العثماني في الدول العربية، عبر تكتيكات مستجدة استندت إلى دعم تيارات إسلامية راديكالية لتسيطر على الحكم في الدول العربية، وهى تستبطن ولاءً عابرا لحدود دولها، وقبلتها اسطنبول، وليس عواصم بلدانها.

أردوغان

عقدة أردوغان

بيد أن ذلك وجَّه بإخفاق تاريخي آخر، جراء مواقف وسياسات عربية معتدلة مارست أدوارا حاسمة بحق أوطانها وجوارها من الدول العربية المركزية، التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية وتحالفات سياسات، ووشائج شعبية.

يبرز في هذا السياق سياسات دولة الإمارات العربية المتحدة، التي شكلت عقدة للرئيس التركي على أكثر من مستوى. فعلي الصعيد الوطني، مثَّل النموذج الإماراتي دحضا للنموذج التركي، ولكل أفكار أردوغان بشأن وهن الدول العربية وتخلفها.

ذلك أن الإمارات عبر سنوات معدودة، استطاعت أن تغدو مركزا اقتصاديا نشطا لا يعتمد على صادرات النفط، وإنما على تصدير التكنولوجيا، وترسيخ مفهوم التنمية المستدامة، والحكم الرشيد، واجتياح مجالات التصنيع العسكري، وإطلاق مئات المبادرات العلمية، والإنسانية، والخدمية على المستويات المحلية، والإقليمية، والدولية.

وكان محض فوز دولة الإمارات بحق استضافة معرض "إكسبو 2020"، متفوقة على مدن ساو باولو البرازيلية، ويكاترينبرغ، الروسية وأزمير التركية، دلالة رمزية على التفوق الحضاري الإمارتي، الذي باتت تركيا ذاتها مشدودة إليه عبر مشروعات البنية التحتية، والاستثمارات العقارية التي تستلهم النموذج العمراني الحداثي الإماراتي، لا النموذج التراثي التركي.