معركة عفرين تغير خرائط المنطقة وتحالفات القوى

 يوصف أردوغان بأنه رجل يقفز قفزات كبيرة، من دون أن يعرف كيف سيهبط أو أين.. هذا النوع خطر بما يكفي إن كنت تقود جنودا، لكنه قريب جدا من أن يكون نوعا من الخطر الذي لا يغتفر، إن كنت مسؤولا عن أمن بلد بأكمله وشريكا فى منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط.
 شن أردوغان حربا في عفرين شمال سوريا، وهي مغامرة لا تزال في بداياتها، وستكون لها تداعيات خطيرة، خاض الرجل تجارب كثيرة في السابق، زعزعت استقرار تركيا والمنطقة، وانتهى به الأمر خاسرا، وكان السبب واحدا في كل مرة، وهو اعتقاده بأن الاستخدام المفرط للقوة سيؤدى إلي كسر معنويات أعدائه، في الداخل قبل الخارج، وقهرهم وترهيبهم بأمل استسلامهم لمشيئته.
 يجر الرئيس التركي بلاده مجددا، للغوص أكثر فى المستنقع السوري، بالحرب على عفرين، ليكرر إستراتيجيته القديمة التي فشلت خلال السنوات الماضية، بدءا من محاولة اللحاق بالقطار الأوروبي، إلى رعاية جماعة الإخوان المسلمين المصنفة "إرهابية" فى دول عديدة، إلى التورط في سوريا وليبيا، وإسقاط المقاتلة الروسية، وأزمة قطر..إلخ. 
كل مرة ينغمس في أزمات، من دون خطة طواريء سوى انتظار الغوث، من الولايات المتحدة أو روسيا أو حتى إيران أو قطر التي تقف في صفه.
معركة عفرين قد تغير خرائط المنطقة وتحالفاتها، وتسهم فى صياغة سيناريوهات لمسارات الأحداث فى الشرق الأوسط، بعد نهاية داعش، إذ تريد الولايات المتحدة إنهاء الاحتكار الروسي للحل السياسي بسوريا، وكبح التمدد الإيراني فى المنطقة، بإيجاد معادلات مغايرة، انطلاقا من الأراضي السورية، بالتعاون مع الأكراد خصوصا.
 هذه الإستراتيجية تتعلق بمصالح واشنطن، حتى لو تعارضت مع ثوابت علاقته بأنقرة، ما يعني أننا أمام منعطف حاد، يعصف بثوابت العلاقات التركية- الأميركية، وينذر بتفكيك التحالف بينها والغرب منذ قيام الجمهورية.
برغم الضجيج المصاحب للهجوم على الشمال السوري، فإن النهج الذي انتقاه الرئيس التركي انطوى على المنطق الخاطيء نفسه الذي استندت إليه سياسة الولايات المتحدة في فيتنام، أي إمكان كسر إرادة العدو، باستخدام قدر أكبر من القوة، ونشر الوحدات العسكرية بكثافة وإقامة حزام أمني بعمق ثلاثين كيلومترا، داخل الحدود السورية.
 برر الرجل مهاجمة عفرين بأن "سكين التهديد لأمن تركيا ووحدة أراضيها وصلت إلى العظم"، وقال إنه سيمضي قدما للهجوم على منبج، حتى لو تطلب الأمر الدخول في صدام مع القوات الأميركية، لمنع  إقامة كيان كردي يحظى بدعم أميركي.
 بينما عزا مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية الأمر إلى الرغبة في "تطهير كل الأراضي السورية والعراقية والجبال التركية، في الجنوب الشرقي للبلاد من التنظيمات الإرهابية".
حماية الأمن القومى التركي، حجة يبرع أردوغان فى إشهارها، وهي كافية لتأجيج الشعور الوطني خلف توجهاته، إلى أن تنبلج الحقائق، وأهمها أن يعزز حزب العدالة والتنمية الحاكم فرصه في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وحشد الأصوات القومية، لتعويض تدني شعبية الحزب والرئيس، بسبب الديكتاتورية والقمع، خاصة بعد الانقلاب الفاشل، كذلك البحث عن مدخل لحل القضية الكردية في تركيا، من بوابة عفرين ومنبج.
 يرمي أردوغان إلى ممارسة ضغوط في اتجاهات عدة، مثل دفع واشنطن لوقف دعمها العسكري لأكراد سوريا، وربما تسليم المعارض- الداعية فتح الله غولن. كما أنه لا يرى إلا الوجود العسكري على الأراضي السورية، ضمانة للفوز بنصيب من كعكة إعادة الإعمار السورية، والتي تقدر مبدئيا بنحو 400 مليار دولار.
بعض المراقبين يرون أن سياسات أردوغان صارت عبئا غير محتمل، على تركيا والقوى الإقليمية والدولية، وأنه ربما استدرج لاستخدام القبضة الحديدية، في عملية "غصن الزيتون"، لاستنزافه ولجم طموحاته، مؤكدين أن أنقرة فى النهاية هي التي تسدد فاتورة جموحه وغياب الاتزان عن توجهاته.
دأب أردوغان على تغيير سياساته، اليوم مع أميركا وغدا ضدها، يتوعد روسيا ثم يلقي بنفسه على أعتابها، يقيم قاعدة فى قطر ويشدد على أولوية العلاقات مع السعودية، وهكذا.  
 ويمكن أن نشتم رائحة صفقة خلف الأبواب المغلقة تتصاعد من عملية عفرين الحالية، أو تفاهمات بين أنقرة وموسكو وطهران ونظام بشار الأسد، إذ يصعب تصور إقدام أردوغان على الخيار العسكرى بعفرين، من دون ضوء أخضر روسي.
 يتأكد ذلك من سيطرة النظام السوري على مطار "أبوالظهور"، بعد تواري الفصائل المدعومة تركيا عن ساحته، مثلما استعاد بشار الأسد حلب، مقابل سيطرة المقاومة الموالية لتركيا على "الباب".
المفارقة أن بشار الأسد نفسه أكبر المستفيدين مما يجري حاليا، لاستنزاف أردوغان وتركيا والأكراد وإحداث شقاق أو صدام بين واشنطن وأنقرة، وهذا ما يفسر رده الخجول على "غصن الزيتون". 
اكتفت دمشق بوصف العملية التركية بالعدوان الغاشم، بينما أعربت روسيا عن القلق وطالبت بضبط النفس، رغبة في إنهاك وحدات "قوات سوريا الديمقراطية" حلفاء واشنطن. 
يبني أردوغان حسابات تدخله فى عفرين، على حرص الأطراف الفاعلة فى الأزمة السورية على بقاء تركيا بالساحة، حتى لا تعرقل مسيرة التسوية فى جنيف أو سوتشي أو غيرهما، وبالذات أميركا وروسيا.
من الممكن أن تحقق المقامرة نجاحا عسكريا، بالنظر لاختلال موازين القوى، بين الجيش التركي، ثانى أكبر جيوش حلف الناتو، والفصائل الكردية في عفرين ومنبج، لكنها ستكون نجاحات مؤقتة قصيرة الأمد، حيث يتوقع كثير من الخبراء أن تفضي إلى استنزاف تركيا وآثار كارثية على شعوب المنطقة.
 وبدلا من تخويف الأكراد السوريين، لإجبارهم على الخضوع فإن تكتيكات التصعيد التدريجي الأردوغانية سوف تدفعهم إلى مستوى أعلى من العنف، وهو ما يتبدى في أن مواكب القتلى والجثث في ارتفاع، بين الجنود الأتراك وبين الفريق المقابل من الحدود السورية، لاسيما لو تمددت العملية العسكرية من عفرين إلى منبج، أو اصطدم الأتراك والأميركيون. 
لقد ألقى الرئيس التركي نفسه وبلده في أتون معركة، قفز من دون أن يعرف أين سيهبط، إنه لا يملك إستراتيجية متماسكة، سوى السير بالقوة الاعتباطية ليس إلا، وفي النهاية قد يضطر للرضوخ إلى مبادرة أمريكية لفض الصراع أو وقف تقدم القوات، أما إذا توافقت أميركا وروسيا فإنه سيكون أشد الخاسرين من استخدام القبضة الحديدية.
المقامرة الخاسرة ليست جديدة على أردوغان، قادته أحلام الخلافة العثمانية وأوهام تنظيم "الإخوان المسلمين"، من قبل، إلى تسليح السوريين الثائرين ضد النظام، فترعرعت جماعات العنف والإرهاب وازدهرت القاعدة ونشأت داعش.. وأصبحت أقدام الأميركيين والروس ثقيلة الوطأة في الشرق الأوسط.
 خلال هذا الأسبوع، وصفت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية سوريا، بأنها ساحة معركة عالمية، تقاتل بها قوى عظمى ودول جوار إقليمية وقوى عرقية ودينية عالمية من أجل التأثير الإستراتيجي والسلطة، هذا القتال يمكن أن يدخل الآن في مرحلة جديدة وأكثر خطورة. 
وفي ظل طموحات أردوغان وطبيعة الصراع على الشرق الأوسط، ينبغى ألا ياتى فشله مفاجأة لدارسي التاريخ العسكري، لأن مغامرته أو مقامرته في عفرين تقوم على مبدأ إحصاء الجثث.