Yavuz Baydar
يناير 24 2018

مفعم بالتفاؤل؟ محمل بالضغائن؟.. كتاب جديد يكشف الأوجه العديدة لأردوغان!

كان يوما ملبدا بالغيوم في باريس حين التقينا في ساعة الذروة بعد الظهر. وعلى الرغم من جلوسنا على بعد الآف الأميال من بلاد الأناضول، جمعنا الانشغال بقصة تركيا التي لا تنتهي. تبادلنا أطراف الحديث في محاولة من وجهة نظرنا المتواضعة أن نفك شفراتها ونحكي تفاصيلها وخفاياها. لكن لحسن الحظ، مع نهاية المقابلة، وجدنا أننا أمام ظلال وألوان مختلفة وحتى استنتاجات متباينة لنفس مسار الأحداث. هذا ما تفعله بك عادة قصة تركيا: تحيرك وتشغل بالك وفي بعض الأحيان تتسبب في تشتيتك تماما. ولكن لا بأس، فإذا كنت صحفيا فلن تجد موضوعا أكثر إثارة وتحديا لقدراتك الذهنية أكثر من تركيا، حتى لو تسبب النقاش عنها في شعورك بالألم والاكتئاب.
لذلك كنت سعيدا بهذه المقابلة مع زميلي الذي كان يشاطرني نفس الشعور بحذافيره.
فجيوم بيريه عمل كمحرر لشؤون تركيا في صحيفة "لوموند" الفرنسية من 2004 إلى 2014، وهي الأعوام التي شهدت أشد لحظاتها إثارة للفضول والاهتمام. ومنذ عودته إلى باريس، يقدم بيريه تقارير عن سوريا والعراق ولبنان، كما أصدر في وقت سابق كتابا عن المستنقع الأرميني لتركيا "تركيا والشبح الأرميني – 2013" وشارك في إخراج فيلم وثائقي لقناة أرتي بعنوان "أردوغان...صناعة سلطان" في 2016.
وتزامن لقاؤنا مع نشره لكتاب آخر يدون فيه ملاحظاته عن رجل غير مسار تركيا. الرجل المشار إليه بالطبع هو أردوغان حيث يقدم بيرييه في كتابه صورة متعددة الأوجه للرئيس التركي بهدف مساعدتنا على فهم الأسباب والظروف التي ساعدته على الصعود إلى سدة الحكم وبقائه كل هذه الفترة على رأس السلطة. 
الكتاب صدر بعنوان "داخل عقل رجب طيب أردوغان". وفي مقابلة له مع "أحوال تركية" شرح بيرييه أبعاد ما أطلق عليه مصطلح "الأردوغانية" وحاول تفسير الدوافع وراء مساعي الرئيس التركي لبناء النظام الذي يحلم بتثبيت أعمدته في تركيا لهذه الدرجة. 


سؤال: كتابك يدور حول شخصية أردوغان وعالمه الداخلي، وفيما ينظر إليه نصف الأتراك باعتباره لعنة وقد حلت على البلاد يراه النصف الآخر كمنقذ أرسلته العناية الإلهية لها، فأين تمكن الحقيقة؟


دعونا نسأل النصف الثالث! فمن جانبي، لا أعتقد أن الصورة الحقيقية تتسم بهذه الوضوح بين الأبيض والأسود إذ أن هناك أكثر من 50 لونا داخل الطيف الواحد، سواء داخل معسكر مؤيدي أردوغان أو المناهضين له. ومثلما هناك العديد من الأسباب التي قد تدفع الناس لكراهيته، على مختلف مشاربهم وأسبابهم لمعارضته، هناك أيضا دوافع عديدة ومختلفة تحرك المواطنين الذين يدعمونه، سواء كانوا إسلاميين أو قوميين أو انتهازيين أو مجموعات تسعى للانتقام.
وعادة ما ينجح أردوغان في استغلال الانتخابات لاستقطاب المشهد السياسي بشكل كبير، ما يعطي الانطباع في كل مرة بأن نصف المواطنين مناهضون له والنصف الآخر مؤيدون متعصبون له، لكن في نهاية المطاف، فإن النصف الذي يصوت لصالحه لا يتكون بالضرورة من نفس الأشخاص في كل مرة.
أردوغان ليس لعنة ولا منقذا...فهو لم يصل لسدة الحكم من قبيل المصادفة أو نتيجة ظرف عارض. لقد وصل إلى السلطة باعتباره الزعيم القوي الذي أرادته و/أو احتاجته الطبقات المحافظة في تركيا في عام 2002 بعد فترة من عدم الاستقرار الذي نجم عن انقلاب عام 1997 وتراجع شعبية أربكان والأزمة المالية.
باختصار وفي كلمة واحدة، أردوغان هو مرآة زمنه وتجسيد لتوقعات شعبه.


سؤال: على المستوى السياسي، كيف تصف أردوغان؟ هل هو شعبوي متطرف أم مستبد أم زعيم الطبقات الكادحة والمهمشة أم فاشي أم إسلامي؟ أم هو آخر زعماء الإخوان المسلمين ممن لا يزالون في السلطة؟ هل هو يتبع الستالينية الإسلامية أم البعثية الإسلامية؟ هل يمكن حقا وصفه بأنه زعيم إسلامي أم هو مجرد سياسي فاسد آخر افتتن بالمال وحب السلطة؟


حسنا، هو كل ذلك في نفس الوقت وأكثر بكثير...فهو بالتأكيد شعبوي متطرف بالمفهوم المطلق للشعبوية، وتعد هذه الشعبوية العمود الفقري لـ"أيديولوجيته" الشخصية والذاتية، ويمكن إطلاق مصطلح "الأردوغانية" على هذه الحالة، فهو يتغذى على نظريات المؤامرة والأكاذيب الفاضحة، ويعتمد في الوقت ذاته على استمالة الرأي العام وإذكاء الغرائز القومية والذكورية في حين لا يتوان عن السعي إلى استغلال الشعارات الدينية لصالحه.
وشعبويته تعيد تشكيل التاريخ وحتى الهندسة المعمارية والموضة حتى أصبحت السترات المفضلة له والتي تتميز بطبعة المربعات المتقاطعة أحدث صيحة في عالم الأزياء في تركيا.
كل هذه التغيرات قد تصيبك بالدوار لكن هذا هو السبب الحقيقي في أن أردوغان يعطي الانطباع دوما بأن بإمكانه تغيير أرائه في جميع المواضيع دون اتباع أي خط منطقي.
في بعض الأحيان، تكون تقلباته غير متوقعة وموغلة في تطرفها، على سبيل المثال ما حدث بشأن الخلاف مع روسيا في عام 2016. ولكن في كل مرة تظهر قوته في جعل التغيير ضرورة وتوفير الإجابة المناسبة لأي سؤال عن قراراته. إنهاء وقف إطلاق النار مع الأكراد؟ تحت ضغط الإرهاب، ليس هناك خيار آخر. غولن؟ تم منحه صلاحيات كاملة ثم انقلب عليه وقضى على جماعته بالكامل.
ولكن أردوغان ليس مجرد شخص براجماتي يتصرف بغريزته فقط. يجب ألا ننسى أنه يستند إلى خلفية أيديولوجية محددة داخل الحركة الإسلامية.
وهو أيضا نتاج تطور المشهد السياسي التركي، حيث بزغ نجم أردوغان لاتباعه خطا مناهضا للحركة الكمالية لكنه كان من الذكاء ألا يقوم بإنكار إرث مصطفى كمال أتاتورك. على العكس، دأب أردوغان منذ وصوله إلى الرئاسة على تصوير نفسه "كوالد" جديد للأمة ليضع نفسه في مقارنة مستمرة وعن طيب خاطر بأتاتورك. والخطاب الذي ألقاه أردوغان في نوفمبر الماضي خير مثال على ذلك.
ويمكن القول إن أردوغان حقق نوعا ما من التوليف "التركي-الإسلامي".


سؤال: كيف تصف رحلة صعوده الآن وبعد أن مرت كل هذه السنوات وهو في الحكم؟ ما هي الظروف التي رأيت أثناء كتابتك هذا الكتاب أنها ساهمت بالتحديد في تكريس نفسه في السلطة؟


حسنا، بدأت رحلة صعود أردوغان فعليا بانتخابه رئيسا لمجلس مدينة اسطنبول عام 1994، وبعدها لم يستغرق الأمر سوى ثمانية أعوام حتى أصبح رئيسا للوزراء.
وسرعان ما أدرك أردوغان خلال هذه الفترة أمرين: الأول أن العالم القديم ينهار...العالم ثنائي القطبيين الذي تشكل إبان الحرب الباردة وشهد صعود المجالس العسكرية الحاكمة والأحزاب الكبيرة الفاسدة والائتلافات العاجزة، والثاني أن المحافظين من سكان المدن الذين تعرضوا للتهميش لفترة طويلة يتطلعون إلى أن يُكّونوا طبقة وسطى حقيقية.
وعلم أردوغان أنه إذا أفسح المجال أمام هؤلاء الملايين من الأتراك في المجتمع وعلى الساحة السياسية وفي الاقتصاد أو في الثقافة فإنه سيتحول في نظر هؤلاء إلى "انتقام ممن لا صوت لهم" ضد جميع الفئات التي ساهمت في تهميشهم واضطهادهم طوال السنوات الماضية.
ونجح أردوغان في استراتيجيته تلك بالفعل في إسطنبول، وهو ما تكلل في عامي 2002 و2003 بنجاحه مع حزب العدالة والتنمية، ثم قام بتعديل تلك الاستراتيجية في كل مرة بالتخلص من حلفائه وتشكيل ائتلاف آخر.
وهذا لا يمنع أن صعود أردوغان يخضع لحسابات دقيقة وضعها بنفسه على مدار مسيرته حتى عام 2007. بعدها بدأ الصراع مع الجيش، والذي كان من الممكن أن يسفر عن نتيجة ليست في صالحه. لكنه فاز أيضا في هذه الجولة.
وعلى مدار عامي 2008 و2009، خفت بريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره قوة دافعة للإصلاح، وهو ما دفع أردوغان إلى السعي وراء أهداف أخرى: الثأر من الجيش وقمع الأكراد وإحكام السيطرة على وسائل الإعلام. وفي عام 2011، استهدف أردوغان النيل من النظام القضائي بهدف تشديد قبضته على هذه السلطة قبل أن يدخل في خلاف مع غولن ويصبح مهووسا بفرض النظام الرئاسي.
وبعد عام 2013، تسببت أحداث متنزه جيزي والكشف عن قضايا الفساد في انتشار أجواء الخوف كما أسفرت الحرب على غولن عن إعادة تشكيل الحياة السياسية في البلاد.

 سؤال: كيف تصف أردوغان كشخصية إذا طلب منك شخص ما القيام بذلك؟ ما هي سماته البارزة؟ ما الذي يجعله ذا مكانة خاصة في أعين الأتراك الذين يدعمونه بهذه الدرجة من التعصب؟


مفعم بالتفاؤل...متقلب المزاج و"يملك لسانا معسولا يأسر به القلوب."
ولكن هذه ليست جميع صفاته، فهو أيضا من الشخصيات التي يمكنها حمل الضغائن لفترة طويلة والرد بعنف شديد في حال شعوره بالخيانة.
بالفعل، لا شيء يغضبه أكثر من الخيانة حيث سبق وأن أشار الطبيب النفسي جمال دندار إلى طفولة أردوغان لشرح بعض من تصرفاته العنيفة، كما أن افتقاده إلى الشعور بالأمن، وهو إحساس تراكم على مر السنين، يغذي ما أطلق عليه الصحفي قدري جورسل "غريزة أردوغان الدفاعية ضد الخطر" والتي تشكل القوة الدافعة وراء قدرته على سحق جميع أشكال المعارضة.
لكن أردوغان يملك شخصية أكثر تعقيدا، فهو يظهر كشخص عطوف تحركه المشاعر الإنسانية كما أنه يبدي التعاطف تجاه بعض الناس في حين يبدو باردا قاسي القلب ناحية أناس آخرين.
أما من جانب أنصاره المتعصبين، فبلا شك ما يحبونه بشأنه هو الكاريزما الطبيعية وسلطته الأبوية وخطابه الشعبوي وأسلوبه. فهو في النهاية يجسد رغبات وتطلعات المواطنين الذين يدعمونه.
كما أنه يملك موهبة لا تصدق في لعب دور المدافع عن الطبقات العاملة الكادحة والمضطهدة، حتى لو كان هو المحرك الرئيسي للاضطهاد في تركيا وأصبح الآن يعيش عيشة المليارديرات.


 سؤال: فاز أردوغان بالعديد من الانتخابات المتتالية، وهو ما يدفع الناس للتساؤل دائما: كيف تمكن من البقاء على رأس السلطة كل هذا الوقت وكيف تغلب على كل الصعاب والتحديات التي واجهته؟ هل بسبب مكره أم حظه الحسن أم الكاريزما؟


بكل بساطة، يتقن أردوغان فن إدارة الحملات الانتخابية والترشح للانتخابات، وذلك بفضل حزبه وقاعدته من المناصرين المسلحين الذين باتوا آلة حرب حقيقية. كما أن السيطرة على قطاع الاتصالات واحتكار وسائل الإعلام ساعداه كثيرا.
ولكن في كل جولة كبرى من الانتخابات، هناك قصة جديدة. إذ تمكن أردوغان من إعادة صياغة المشهد في كل مرة للحصول على أغلبية قوية. في عام 2007، ساهم الأكراد في إعادة انتخابه. في عام 2011، بدأ الأكراد في النأي بأنفسهم عن حزب العدالة والتنمية الذي كان يركز وقتها على تعزيز قاعدته بين الإسلاميين.
في عام 2015، وفي مواجهة صعود حزب الشعوب الديمقراطي، ضم أردوغان إلى جانبه جزءا من حزب الحركة القومية...لذلك من السهل القول إن أردوغان يحفظ الخريطة الانتخابية التركية عن ظهر قلب، لدرجة أنه يشرف بنفسه على جميع الترشيحات في الحزب ويحرص على اللقاء مع الكوادر الدنيا منه.
وأخیرا، بينما ظلت الانتخابات في تركيا لفترة طويلة تتسم بالنزاهة دون جدال حول شرعيتها، ظهرت شكوك قوية حول وجود مخالفات جسيمة في الانتخابات منذ عام 2015، وتحديدا في الاستفتاء الذي أجري في أبريل 2016. وقد لا يكون أردوغان قد فاز أصلا بهذه الانتخابات في صناديق الاقتراع، وهو ما أشارت إليه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تقريرها حول عملية التصويت.


سؤال: إذا، هل هو استراتيجي متمكن أم مُخطط تكتيكي داهية؟


أميل أكثر إلى وصفه بالتكتيكي. فهو لا يملك لا رؤية عميقة. وعلى سبيل المثال، فقد اعتمد على أشخاص مثل (الرئيس السابق عبد الله) غول و(رئيس الوزراء السابق أحمد) داوود أوغلو ثم قام بإقصائهم، ولكن يمكن أن يكون هذا أيضا جزءا من استراتيجية ما.


 سؤال: من منظور آخر، طرحت في الكتاب السؤال الأهم: هل يملك أردوغان أجندة خفية كإسلامي منذ البداية أم أنه تحول إلى إسلامي مستبد بسبب الظروف؟ بعبارة أخرى، بالمقارنة مع موسوليني أو هتلر أو (في منظور آخر) بيرون أو فوجيموري، هل لدينا زعيم سياسي كانت لديه خريطة طريق محسوبة إلى السلطة المطلقة أم أنه تحول إلى الاستبداد تدريجيا بالنظر إلى التحديات التي يواجهها طوال الوقت؟


هذا هو السؤال الأبرز بالفعل. ولا يزال من الصعب الإجابة عليه. حيث تشير كلماته بشأن الديمقراطية عام 1996 إلى أنه كان دائما يستخدمها بوصفها "أداة".
وسبق أن قال مستشاره السابق حسين بيسلي أنه كان سيكتب الخطاب نفسه مجددا لو طلب منه هذا اليوم. وبرهن أردوغان بالفعل على قدرته على استغلال الظروف والأحداث. هل كان لديه أجندة خفية؟ أجندة إسلامية كما كان يخشى العلمانيون في عام 2003؟ ما زلت غير مقتنع بهذه الفكرة، وأعتقد أنه كان يمكن أن يتخذ مسارات أخرى في ظروف مختلفة.


سؤال: يقول البعض إنه صعد إلى السلطة تدريجيا عن طريق استغلال أنصاره بصورة سلبية، واصفين إياه بالمخادع الكبير لأنه سبق له أن قام باستغلال الإصلاحيين والأكراد وعملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بأسرها وحتى حركة غولن (كما سيقول البعض) قبل أن يتخلص منهم جميعا بهدف تحقيق أهدافه. هل توافق؟


نعم، لا يسعنا إلا أن نشير إلى وجود العديد من الفرص الضائعة. التضحية بالليبراليين والأكراد والنفايات الأوروبية وفشل التقارب مع الأرمن ... وحتى فشل استراتيجية المصالحة الإقليمية التي دبرها داوود أوغلو ... في النهاية، يمكن المرء أن ينظر إلى كل هذا باعتبارها سلسلة من الفرص الضائعة.


 سؤال: إذن، هل كان يمكن للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يتصرفا بطريقة مختلفة لكشف حقيقة أردوغان ولمساعدة تركيا على الانطلاق في مسار ديمقراطي؟ ما الخطأ الذي حدث؟ ومن المسؤول؟


من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي كان يمكن أن يكون له دور أكثر إيجابية في المفاوضات. فكما أخبرني جيم أوزدمير ردا على تساؤلي حول هذه العملية منذ فترة طويلة: "لقد أغلقت أوروبا الباب في وجه أردوغان ودفعته إلى رمي نفسه في أحضان الإسلام السياسي والقومية التركية، وأخطأ الأوروبيون حينما قللوا من شأن ظهور النزعة "الأردوغانية" في أردوغان."
وبعد انطلاق المفاوضات في عام 2005، تناول الأوروبيون مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارها قضية من قضايا السياسة الداخلية من خلال تطويعها لأغراض انتخابية.
لكن سرعان ما اكتسبت الأطراف المعارضة لانضمام تركيا في الجانبين أرضية أكبر من الأطراف المؤيدة، ولم يتم التعامل مع العلاقات بين تركيا وأوروبا في إطار استراتيجي إلا حينما وصلت العلاقات إلى حد القطيعة. 
وأنا اعتبر جميع الأطراف مسؤولة بشكل أو بآخر عن هذا الفشل. ولكن في المقام الأول، يقع اللوم الأكبر السلطات التركية التي اختارت الابتعاد شيئا فشيئا عن العملية الأوروبية.
ولم تكن المعارضة التركية كذلك تتسم بالذكاء الكافي للتعامل مع الوضع، على أقل تقدير، وتركت أردوغان دون أي منافسة.


 سؤال: لقد طرحت سؤالا أيضا عما إذا كانت محاولة الانقلاب في 15 يوليو تشكل القشة التي قصمت ظهر البعير وأثارت غضب أردوغان لدرجة أنه فقد صوابه. ما هي إجابتك؟


من الصعب الإجابة على ذلك. يبدو أن أردوغان قد فقد صوابه بالفعل منذ سنوات عدة. فتركيا كانت في عام 2011 الدولة التي تسجن العدد الأكبر من الصحفيين حول العالم كما تم تطهير الجيش وزج ألوف من النشطاء الأكراد في السجن بزعم صلاتهم بمنظمات كردية محظورة، وهناك أيضا حربه ضد غولن التي بدأت قبل محاولة الانقلاب.
محاولة الانقلاب كانت فقط عاملا مساعدا، ويمكن أن يستغله أردوغان للتعجيل بعملية التطهير.

 سؤال: حتى بعد كل هذا، هل يمكن أن يعود أردوغان إلى رشده؟

يبدو من الصعب حدوث ذلك. ولكن رغم كل شيئ، يمكن أن تحدث مئات الأشياء، وبالنسبة لأردوغان، فإن هذا لن يكون أول تحول له في المواقف.


سؤال: كيف يمكنك وصف وتعريف محاولة الانقلاب؟ هل كان ذلك عملا متعمدا من جانب أردوغان لتشجيع الانقلابيين على التمرد في وجهه ومن ثم سحقهم؟ أم أُخذ فعلا على حين غرة وساعدته المخابرات الروسية وعملاؤها في تركيا (كما يقول البعض) لدحرهم؟


في نظري، كانت هناك بالفعل محاولة انقلاب. وبصدق، بعد أن قرأت كل ما كتب عن الأمر وسمعت روايات الشهود، لدي بعض التساؤلات.
سمعت بالطبع النظريات التي تشير إليها لكن ليس لدي أي تأكيد بشأن ما حدث في هذه الليلة. وشأني شأن الجميع، أريد أن أعرف الحقيقة! لكنني أعلم أن هناك العديد من الأشياء الغريبة التي حدثت خلال هذه الساعات، والكثير من التفاصيل الغامضة. ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن أردوغان قد حول دفة الأمور لصالحه مرة أخرى وبسرعة بالغة، وهو ما يثير الشكوك حول الأمر.


سؤال: كيف تقيم الحالة الذهنية لأردوغان الآن؟ هل يعاني من حالة من الذعر أو التوتر أم أنه لا يزال ممسكا بزمام السيطرة على مسار الأحداث؟

أظن أنه في حالة من التأهب المستمر منذ تفجر قضايا الفساد في ديسمبر 2013 وظهور محادثات هاتفية ربما بصوته على شبكة الإنترنت.
وهذا ليس مستغربا نظرا لهوسه بالمؤامرات، حتى أنه لم يعد يثق بأي شخص وبدأ في عزل نفسه تماما عن الآخرين وتقتصر دائرته المقربة الآن على عائلته وعدد قليل من الأشخاص الموثوق فيهم.
بالإضافة إلى هذا، يتصور أردوغان أن هناك من يحيك مؤامرات ضد تركيا أو مؤامرات داخلية ضده. ويبدو أن خيانة غولن حفزت لديه شعورا عارما بالثأر والعنف. وهو ينشر هذا الشعور بين معاونيه ومؤيديه لدفعهم على التفكير بنفس الطريقة.
وأتصور أنه لا يرى نصب عينيه الآن سوى إعادة انتخابه في عام 2019.
 

سؤال: إلى أين تتجه تركيا تحت حكم أردوغان؟ وهل هو مسار لا رجعة فيه؟ وهل هناك أي قوة محركة تعتقد أن بإمكانها التصدي له بنجاح؟ وإذا الإجابة بنعم، ما هي هذه القوى؟ 

هناك القوميون الجدد، وهناك المشتبه بهم السابقون في قضية "إرجينكون"، وهناك كذلك الأوراسيون ممن يشتبه بصلتهم بموسكو والذين عادوا فجأة إلى الخدمة منذ عام 2016.
كل هذه الشبكات واجهت تهما بالضلوع في مؤامرات منذ حوالي عام 2004 وتعرضت لعمليات تطهير أجريت بدءا من عام 2007 على يد الشريكين وقتها أردوغان وغولن.
وبعد حدوث الخلاف بينهما، استعان أردوغان بأعدائه السابقين الذين أطلق سراحهم من السجن للقضاء على شبكات غولن داخل أجهزة الدولة.
وبالتالي، فقد عاد أعضاء الجناح القومي الراديكالي إلى مناصبهم. في القضاء والشرطة والجيش ... وهم الآن يسوون حساباتهم القديمة مع الأكراد واليسار فيما يقودون تركيا إلى التقارب مع التحالف المناهض للناتو والمؤيد لروسيا.
لكن قد تسعى هذه المجموعة بدورها إلى أخذ مساحة أكبر بكثير مما حدده لها أردوغان، لذلك لا يمكن استبعاد نزاع داخلي آخر في الأشهر أو السنوات المقبلة.
وهناك سيناريو آخر بأن يميل هذا الجناح القومي إلى التقارب من ميرال أكشنير، والتي تأمل في أن تكون الخصم الرئيسي لأردوغان في 2019.

سؤال: مع ذلك، جيوم، هذا هو ما نحن عليه الآن. كيف تصف النظام القائم في تركيا من الناحية السياسية؟ هل يمكن وصفه بالنظام الفاشي أم الاستبدادي أم البوليسي أم الشمولي أم الديمقراطي...أم ماذا؟

هناك جدال حول هذا الأمر، لكنني سأتركه للخبراء في العلوم السياسية. هناك حقائق وتعاريف. وبالتالي من الآمن القول إن النظام الحالي لم يعد ديمقراطيا، لكن في الوقت ذاته تركيا ليست دولة دكتاتورية أو شمولية. إذن كيف يمكن تعريفها؟
يرى أستاذ العلوم السياسية حميد بوزارسلان أنه من الصعب تحديد مفهوم ما لتفسير سبب تدهور المجتمع التركي. وفيما يشبه البعض النظام التركي بالفاشية، لا يمكن القول إنه يمكن مقارنته بنظام موسوليني مثلا. وبالتالي، لن يكون لإطلاق مسميات على الأنظمة سوى تأثير محدود في هذا السياق.
فليس من المهم أن نضع تصنيفا لحكم أردوغان بقدر العمل على استكشاف أسباب القوة الغاشمة لسلطته وعواقبها.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: