مقهى وطني.. بدون كعك تركي

من بين أكثر الوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس رجب طيب أردوغان إثارة للنقاش خلال الحملة التي سبقت الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية يبرز مشروع لإنشاء بيوت قهوة وطنية. 
خلال تجمع انتخابي في مدينة هاتاي بجنوب تركيا، أعلن أردوغان مشروعه لإنشاء بيوت قهوة مفتوحة للعامة. وقال "البريطانيون لديهم حديقة هايد بارك، وسيكون لدينا حديقة وطنية. الأهم من هذا، أننا سنبني بيوت قهوة وطنية لإضفاء الحيوية على حياتنا."
وناقش أردوغان فكرة مشروعه الجديد خلال تجمع في مدينة قيصرية بمنطقة الأناضول.
وقال "بيوت القهوة لن تحصّل أموالا مقابل القهوة أو الكعك. سيحصل شبابنا على الشاي والقهوة، وسيستفيدون من خدمة الإنترنت اللاسلكي مجانا. سيذاكرون دروسهم. الكل سيستفيد من هذه الخدمات، سواء كان عمره سبع سنوات أو سبعين."
وكان رد المعارضة في صورة شكوى فقالوا "نحن نتحدث عن توفير فرص عمل لشبابنا، بينما يتحدث هو عن الكعك."
وكنتيجة لذلك، تحول الكعك لقضية انتخابية ساخنة.

في الوقت الحالي هناك اثنان من بيوت القهوة في إسطنبول (في سلطان بيلي وزيتين بورنو). وزار موقع "أحوال تركية" أحدهما من أجل وصفه للقراء.
في الوقت الحالي هناك اثنان من بيوت القهوة في إسطنبول (في سلطان بيلي وزيتين بورنو). وزار موقع "أحوال تركية" أحدهما من أجل وصفه للقراء.

بعد إعلان أردوغان عن مشروعه الجديد، تم تغيير اسم مكتبة مركز أفندي في زيتين بورنو إلى "بيت القهوة الوطني مركز أفندي."
وباعتبارها واحدة من إحدى عشرة مكتبة عامة في الحي، استضاف المبنى أبناءه على مدار عامين. وخلالهما انتفع من موقعه القريب من المدارس وبيوت الإقامة، وكذلك من خط الترام ومحطات الحافلات.
وسيفتح بيت القهوة، أو المكتبة باسمها القديم، على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا وفي جميع أيام الأسبوع.
وفي الوقت الحالي، يضم المبنى 20 ألف كتاب ومطبوعة، تشمل روايات وأشعارا وسيرا ذاتية وكتبا من الأدب العالمي، وكتبا دراسية.
وللمبنى نظام للتسجيل، ويبلغ عدد المسجلين به حاليا نحو اثني عشر ألف عضو. لكن المكتبة تواجه مشكلة: وهي ضيق المكان.
فبسبب نقص المقاعد، يضطر الزوار للانتظار في صف طيلة ساعات قبل أن يتسنى لهم الحصول على مقعد.
ويسع المبنى 121 شخصا فقط في وقت واحد.
وبالتالي فإنك إن وصلت في وقت جميع المقاعد فيه مشغولة، فستبقى في صالة الانتظار، لكن بوسع الزائر حجز مكانه في الصف من خلال ترك صورة لبطاقة هويته.
وحين يتوفر مقعد، يتم النداء على الشخص التالي في صف الانتظار. لكن لا يمكن أبدا معرفة مدة الانتظار.
غير أن الزوار يفضلون هذه المكتبة على بقية المكتبات الموجودة في زيتين بورنو لأنها مفتوحة على مدار الساعة. ولهذا السبب يأتيها زوار ليس فقط من زيتين بورنو بل من أحياء مجاورة.

مكتبة أتاتورك هي المكتبة الأخرى الوحيدة في إسطنبول التي تفتح أبوابها على مدار اليوم.
مكتبة أتاتورك هي المكتبة الأخرى الوحيدة في إسطنبول التي تفتح أبوابها على مدار اليوم.

لحسن حظي لم أضطر للانتظار لفترة طويلة حين وصلت، بل تسنى لي الاختيار من بين خمس مكاتب متاحة، واخترت المكتب 59.
موظف الاستقبال عند الباب قال لي إن هذا هو يوم سعدي. وقال "أنت محظوظ لأنك ستتمكن من العمل، البعض يضطرون للانتظار لساعتين أو ثلاث."
كل من يدخل المكتبة يحصل على مكتب خاص يكون هو المكان الوحيد المسموح له باستخدامه.
إن تركت المكتبة ولم تعد خلال ساعة واحدة فإن مكتبك يخصص لزائر آخر.
لكن يحق لك البقاء في الداخل كما شئت، حتى لو لم تحصل على مكتب.
فللمكان الآن صفة جديدة تجعل منه أكثر من مجرد مكتبة.
فالآن يمكن لأي شخص في المكتبة أن يقوم بنفسه لإعداد الشاي أو القهوة أو الحساء الذي يقدم في المركز.
وبالإضافة إلى هذا، تتاح مجانا خدمة إنترنت لاسلكية ويمكنك كذلك طباعة عدد يصل إلى عشر صفحات دون مقابل.
وخلال فترات محددة، هي بين الواحدة والثانية ظهرا، والسابعة والثامنة مساء، ومن منتصف الليل ولمدة ساعة واحدة، تقدم المكتبة أيضا حساء مجانيا.
وتتولى الإدارة الإقليمية في زيتين بورنو دفع تكاليف كل هذه الخدمات.
تحدث الرئيس أردوغان خلال تجمعاته الانتخابية كذلك عن تقديم كعك مجاني، لكن المكتبات لا تقدم أي كعك.
ما إن وصلت إلى المكان المخصص لي داخل المكتبة، أدركت أن كل من حولي هم طلاب.

رغم آلاف الكتب المتوفرة بالمكتبة، فإن أحدا من الزوار لا يقرأ.
رغم آلاف الكتب المتوفرة بالمكتبة، فإن أحدا من الزوار لا يقرأ.

تغطي الكتب الدراسية المكاتب داخل المكتبة. وبدا واضحا أن كثيرا من الزوار هم طلاب، يبحثون عن مكان لاستذكار دروسهم.
لم يكن الرئيس أردوغان على صواب حين قال إن زوار المكتبة سيكونون من جميع الفئات ما بين السابعة والسبعين من العمر.
فلم يكن هناك سوى الطلاب.
بدأت حوارا مع أحد هؤلاء الطلاب. كان يدرس من أجل اختبار الخدمة المدنية طيلة أربع سنوات. أمنيته أن يصبح معلما.
يسكن بالقرب من المكتبة، لذا يحب الحضور إليها للمذاكرة. كما أن كونها مفتوحة على مدار أربع وعشرين ساعة أضاف سببا آخر.
يشعر الطالب البالغ من العمر 29 عاما والذي يفضل عدم الكشف عن هويته بالسعادة لهذه الخدمات المجانية.
لكنه يؤكد أن الطعام المجاني لا يحل المشاكل الحقيقية.
ويقول "عملت لسنوات. وأذاكر لكي أصبح معلم رياضيات. وكان علي أن أدفع مقابل دخول اختبار الخدمة العامة للمرة الأولى. لكننا جميعا رأينا الحيل التي يلجأ إليها الناس في هذه الاختبارات. لقد فقدنا الثقة في النظام. أذاكر منذ أربع سنوات لأني لا أملك خيارا آخر.
"تحدث السياسيون خلال التجمعات الانتخابية عن إمكانية أن يذاكر الطلاب في بيوت القهوة هذه، لكنهم لم يتصدوا لنظام التعليم المخترق أو لمخاوفنا الحقيقية. الكعك والمخبوزات لا تكفي. هناك مشكلة في النظام هنا."
لكن رغم كل شيء فإن هذا الطالب يشعر بالسعادة لقدرته على الاحتفاظ بمبلغ عشرين ليرة كان سيضطر لإنفاقها على الطعام والشراب. فالمذاكرة طيلة اليوم دون أن تضطر لدفع أي أموال أمر لطيف بالتأكيد.
وأضاف "تتكفل بي عائلتي ماليا منذ بدأت أدرس لدخول اختبارات الخدمة المدنية قبل أربع سنوات. الملايين من الطلاب والأشخاص سيستفيدون من التغييرات الجديدة.
"لكنها لا تعدو كونها أسلوبا للترضية، مجرد استراتيجية أخرى قصيرة الأمد لغرض الحملة الانتخابية، وليس حلا ممنهجا. سنرى كم ستبقى وكم شخصا سيشعرون بالرضا عنها."
شخص آخر تحدثت إليه في نفس المائدة كان من طلبة الدكتوراة، لكنه لا يعمل.
تعمل عائلته بالتجارة، ويؤمنون له الدعم المالي حتى الآن. ويقول هذا الطالب إنه لا يحتاج للعمل.
لكنه يرغب في إتمام رسالته العلمية في أسرع وقت ممكن.
يفضل هذا الطالب أيضا عدم الكشف عن هويته. ويعيش الطالب في حي سيفيز ليباج القريب ويستمتع بقرب الموقع من محل سكنه. فبالنسبة له، المكان ملائم حقا.
سألته إن كان سعيدا بالنظام الجديد.
بدأ بالقول إنه منح صوته لائتلاف المعارضة في الانتخابات الأخيرة.
وقال أيضا إن مشروع بيت القهوة أمر رائع بالنسبة للطلاب.
والسبب واضح:
قال مفسرا "سواء أحببت النظام الجديد أم لا، فإن بيوت القهوة هذه مهمة للطلاب في تركيا، وجميعهم تقريبا من الفقراء. إنها ميزة كبرى لأي طالب يعيش اليوم كله على كعكة، وبلا إنترنت، ويمكنه بالكاد دفع ثمن كوب شاي أو حساء.
"هذا المشروع هو نتاج عمل دولة تقوم بدورها الاجتماعي. أتوقع أن هذه المنشآت ستصبح بمرور الوقت مراكز لأنشطة ثقافية. في الوقت الحالي تجذب الطلاب فقط. لكن بعد بعض الوقت، سيكتشف الجميع هذه الأماكن. وبالطبع تتحمل الإدارات المحلية المسؤولية الكبرى هنا. عليها العمل على نشر هذه المراكز وتوسيعها."
وكطلاب دكتوراة، يقول هذا الشاب إن هذا المشروع سيساعد الطلاب على توفير المال.
ويعتقد كذلك أن الملايين سيستفيدون من المشروع رغم رؤية المعارضة له كعمل لا جدوى من ورائه.
ويقول "للأسف، تتجاهل مكونات الشعب التركي ما يقوم به الآخرون من عمل. يمكن لطالب ميسور الحال بسهولة لقاء أصدقائه في المقاهي، لكن الفقراء من الطلاب لا يقدرون على ذلك. بيوت القهوة هذه بمثابة أماكن للطلاب للانخراط اجتماعيا. وربما لاحظتم فإن الإقبال الكبير من الناس عليه يشير إلى الحاجة لنشر مثل هذه المنشآت."
وبينما كنا نتحدث، كنا نسمع أصواتا مصدرها من الخارج.
كان مهرجان للطب التقليدي يجري في الخارج ويثير ضجة كبيرة من شأنها تشتيت انتباه كل من في منطقة الدراسة.
يضحك طالب الدكتوراة، ويقول "أتمنى أن يتم حل مشاكل الضوضاء هذه بمرور الوقت."
وبينما كنت أستعد للمغادرة، طلبت الإذن من الطالبين لالتقاط صور. لكن كليهما رفض.
مازحني طالب الخدمة العامة وهو يرفض طلبي للتصوير قائلا "ألا تريدني أن أصبح معلما؟"
رحلت بعد أن التقطت عدة صور لبيت القهوة. كانت مجموعة من الطلاب تدخل إلى المكان من أجل الدراسة.
وبينما كنت أسير في الشارع، كنت أفكر في ميزات وعيوب بيوت القهوة هذه.
من الجيد أنها تفتح طيلة ساعات اليوم الأربع والعشرين.
من المؤسف ألا يكون الزائرون من فئات عمرية مختلفة.
من الجيد أن يتاح لكل زائر طباعة عشر أوراق دون مقابل.
من المؤسف ألا يقرأ أحد 20 ألف كتاب متوفر بالمكان.
من الرائع وجود الطلاب للمذاكرة.
من المؤسف أن تتسلل الضوضاء من الخارج إلى داخل المكان.
من الجيد تقديم شاي وقهوة وحساء مجانا.
لكن من المؤسف ألا تقدم الكعك في المكان. بل هذه بالذات مؤسفة جدا جدا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/diyarbakir/cakeless-national-coffeehouse
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.