محرم أربي
ديسمبر 14 2017

مكان مُعارضي الظلم في العالم الُمتخاذل: سجون تركيا

 

السجون هي مرآة الديموقراطية في أية دولة، ومن خلالها يمكنكم تحديد مستوى الديموقراطية في تلك الدولة، ولا سيما أنه في الآونة الأخيرة انتشرت على الساحة عمليات التوقيف والاعتقال والمحاكمات والحبس التي تتم يوميًا.
وتُعد السجون أحد أهم المشاكل بالنسبة للدولة التركية، إذ الأمر لا يتعلق بـ (230 ألف) معتقل/سجين فقط، بل يتعلق في الحقيقة بملايين الأشخاص من عائلات وأحباء هؤلاء المعتقلين. 
نعيش أيامًا الاعتقال فيها من أيسر ما يكون، فلا يتطلب اعتقال أحد المعارضين إلّا مكالمة هاتفية أو رسالة على البريد الإلكتروني أو محضر ضبط وإحضار، وأهمها هذا الأخير. 
ذلك أنه تم تعديل المادة السادسة الملحقة من قانون الصلاحيات الشرطية التي تبين كيفية إحكام وتنظيم تلك المحاضر، فبعد حملة الاعتقال تبدأ فترة عصيبة مليئة بسلسلة من ألوان التعذيب المختلفة تستمر ليلًا ونهارًا، ولا تختلف عن جهنم في شيء، وهي لا تطال السجين أو المعتقل فقط بل تتخطاه إلى عائلته.
ومن حسن حظكم أن يتم احتجازكم داخل سجن تابع لمحافظتكم، وهذا ما لا يحدث إلا نادرًا، وأغلبية السجناء يحتجزون في سجون بعيدة جدًّا عن أسرهم، ونظرًا لسوء الأحوال الاقتصادية فإن ذويهم لا يتمكنون من زيارتهم ورؤيتهم لفترات طويلة. 
إن مسألة السجون التي تحولت إلى مستنقع للمشاكل أوشكت على الانفجار بسبب سوء حالة الطعام ورداءته داخل السجون، إضافة إلى الاضطهاد الشديد للسجناء، وعدم التطبيق الكامل للقوانين، ناهيك عن عدم السماح بممارسة الهوايات والرياضة، وإطالة الفترة بين الزيارات العائلية لتصبح عقب إعلان حالة الطوارئ مرة كل شهرين بينما كانت مرة شهريًا، وكذا بسبب نقص الرعاية الطبية أو انعدامها، وحظر الكتب والمطبوعات.      
وبينما كان أفلاطون يتساءل "هل هناك سياسة عادلة؟" كان يخاطب حكام العالم في فترة سادها الظلم والجور؛ ولكن السلطة السياسية السيادية كانت أعدّت إجابتها منذ زمن بعيد على سؤال أفلاطون الذي قرر ألا يستمع إليهم، وكانت النظم التي وضعتها الدولة للجميع تحرض على العصيان والتمرد.
فكانت النتيجة الزنزانة والحبس والسجن؛ كما أن سلسلة الاعتراضات التي أطلق عليها "رامبو" التمردات المنطقية موجودة منذ تاريخ البشرية، إذ إنه من المستحيل النظر  بعيون مثالية إلى الدنيا المعيبة في مواجهة الظلم.
فالمصالح الشخصية لأولئك القوم أصحاب الضمائر التي تحاول الوقوف في وجه الظلم تعمل على تدعيم الوعي العام وتثقيفه.
ولكن هذا الوعي العام وفقًا لمن؟ ووفقًا لماذا؟ هذا الوعي العام وفقًا للقوانين التي تحمي من؟.
الإجابة: بالتأكيد هو الوعي العام اللازم لمصلحة الشعب ومنفعته العامة؛ النظرية صحيحة مائة في المائة؛ فماذا عن التطبيق؟ وحتى نتعرف على ذلك لا بد من تحقيق وتحريٍ للسجون وزيارتها.  
صرّحت وزارة العدل التركية أنه اعتبارًا من 15 يونيه يوجد (224878) شخصًا في السجون؛ منهم (85105) معتقلين و(139773) شخصًا ينتظرون المحاكمة. 
وعند الحديث عن أن السعة الفعلية لكل السجون تستوعب (202676) شخصًا؛ فإن هناك على الأقل (22202) معتقل وسجين ينامون على الأرض. 
كما أعلنت الوزارة في عام 2016م أن السجين الواحد يكلف خزانة الدولة (78) ليرة، وعلى هذا فإن الـ (224 ألف) معتقل في السجون التركية يكبدون خزانة الدولة (17540000) ليرة؛ يعني (6 مليارات و402 مليون) ليرة سنويًا.  
وتابعت الوزارة أن الذكور من هؤلاء السجناء يبلغ عددهم (212361) شخصًا؛ بينما عدد الإناث بلغ (9733) امرأة؛ في حين بلغ عدد الأطفال (2784) طفلًا، ووفقًا للمعلومات التي تم نشرها على الموقع الرسمي للمصلحة العامة للسجون والمعتقلات التركية فإنه اعتبارًا من 21 يونيه توجد 291 مؤسسة لتنفيذ الأحكام الجنائية، و 70 مؤسسة مستقلة لتنفيذ الأحكام العامة؛ وعدد 2 إصلاحية للأطفال، و 8 مؤسسات جنائية للنساء و 4 للأحكام العامة، و6 مؤسسات لتنفيذ الأحكام الجنائية للأطفال؛ يعني هناك (381) مؤسسة تقوم بتنفيذ الأحكام.   
ويفيد الموقع بأن سعة تلك المؤسسات (202676) شخصًا، ويفهم من تلك التصريحات أن هناك (22202) شخص لا يوجد لهم أماكن للنوم داخل السجون.
قدّمت غمزه أقّوش إلغازدي عضو البرلمان التركي عن حزب الشعب الجمهوري في اسطنبول مقترحًا مكتوبًا إلى البرلمان يتعلق بالسجناء الموجودين في مصالح تنفيذ الأحكام. 
ووفقًا لرد وزارة العدل التركية على إلغازدي فإنه في الأول من نوفمبر عام 2017م بلغ عدد السجناء داخل السجون (735230) سجينًا منهم (186631) جنائيًا و(44104) أحكامًا عامة. 
ووفقًا لتقرير المعهد التركي للإحصاء عن عدد سكان المحافظات لعام 2016م فإن عدد السجناء الموجودين داخل السجون التركية تجاوز عدد سكان ثلاث عشرة محافظة تركية هي (أرضخان وأرتفين وبايبورت وبارتين وبيله جيك وتشانقيري وأرزينجان وغوموش خانه وإغدير وقير شهير وكيليس وسينوب وتونجالي. 
جدير بالذكر أنه في يونيو 2017 كان عدد السجناء (224878) سجينًا، وأضيف إلى هذا العدد ستة آلاف بعد خمسة أشهر ليسجّل (230735) سجينًا، وهذا العدد المتزايد مخيف في حقيقة الأمر.
تأسست جمهورية تركيا عام 1923 على أساس رفض الهويات والسمات الشعبية والسياسية المختلفة، ومنذ الماضي اعتبرت المطالب والحقوق السياسية والإنسانية والثقافية الأساسية التي تطالب بها مختلف الهويات والأعراق والأجناس في الأناضول عمليات إرهابية انفصالية.
إن هذا الحكم المسبق الانعكاسي لم يجد موافقة من الاختلافات التي صارت عدائية، وقد فسر على أنه فعاليات انفصالية وإرهابية وهدامة، وتمّت المُطالبة بتوقيع أقسى العقوبات عليه، وفتح الباب أمام إلقاء آلاف من الناس المعارضين في السجون، والمثقفين والسياسيين والفنانين. وارتباطًا بهذا فقد تحوّلت السجون إلى مناطق للإيذاء والتعذيب، وانتقل العديد من الممارسات اللا إنسانية التي ترتكب في السجون فأصبح مادة سينمائية وروائية وقصصية.
إن فيلم "قطار منتصف الليل" لــ "ألان باركر" الذي عُرِض عام 1978م ومُنع عرضه في تركيا لسنوات طويلة مستلهم من القصة الواقعية ل/ بيلي هايز الذي اعتقل في تركيا عام 1970م وخضع للمساءلة، وعندما نتابع هذا الفيلم يمكننا فهم المنطق الحقيقي للسجون في تركيا، ولكن تركيا عام 1970م ليست تركيا اليوم، فقد ازدادت أعداد السجون بشكل كبير جدًا، وتغيرت بنيتها وظروفها وشروطها المعمارية، ولكن الذهنية التبعية لم تتغير، فالميزانية المخصصة للطعام والإعاشة والتدفئة والصحة والنظافة ومياه الشرب داخل السجون لا زالت غير كافية، كما أن أعمال التعذيب داخل السجون تتزايد باضطراد في السنوات الأخيرة.
وبحسب تصريحات وزارة العدل التركية فإنّ أعلى نسبة في عدد الوفيات داخل السجون على مدار التاريخ التركي كله سُجِّلت في عهد حزب العدالة والتنمية، فمع وصوله السلطة عام 2002 بلغت حالات الوفيات داخل السجون 89 حالة، وفي 2003 بلغت 163 حالة وفي 2004 بلغت 54 حالة وفي 2005 بلغت 59 حالة وفي 2006 بلغت 157 حالة وفي 2007 بلغت 176 حالة وفي 2008 بلغت 211 حالة وفي 2009 بلغت 287 حالة وفي 2010 بلغت 307 حالة وفي 2011 بلغت 321 حالة وفي 2012 بلغت 345 حالة وفي 2013 بلغت 316 حالة وفي 2014 بلغت 380 حالة، واعتبارًا من 1 يناير إلى 29 يونيه 2015 بلغ عدد الوفيات 212حالة؛ يعني خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية توفي داخل السجون التركية (3077) سجينًا.
يعني أنه خلال 4925 يوما توفي 3077 شخصًا بمعدل شخص واحد كل 38 ساعة.
وعن طريق ممارسات الاعتقال والعزل من المناصب والوضع تحت المراقبة والتعقب للأكاديميين والكتاب والفنانين المعارضين للسلطة حاولت السلطة تكوين الجبهة التي تريدها وتكوين جبهة سياسية ذات صوت واحد، وبدأت الدولة تدار بقانون الطوارئ وقانون قرارات لها حكم القانون.
وتمّ عزل أكثر من 106 رئيس بلدية تابعين لحزب الشعوب الديموقراطية وحزب السلام والديموقراطية، وبدلًا منهم عُين بالأمر المباشر ودون انتخابات أوصياء على المؤسسة مجهولين مسلوبي الصلاحيات، وتلك هي أكبر جريمة ارتكبت بحق هؤلاء الأشخاص المنتخبين في الأساس.
عيب الديموقراطية
اعتبارًا من 12 سبتمبر عام 2016م عُزل أحد عشر ألف معلم من أعضاء نقابة المعلمين المعارضة للسلطة بدعوى انتمائهم إلى منظمة إرهابية. فقد عُطّلت كل القوانين في تركيا. 
ففي تركيا اليوم التي تمارس ضغوطا على المحكمة بواسطة السياسة حُبِس واعتُقل كل من: رئيس حزب الشعوب الديموقراطي "صلاح الدين دمير طاش"، و"فيجان يوكساك داغ" أعضاء البرلمان التركي التاسع والخمسين في 1 نوفمبر 2015؛ وفي الرابع من نفس الشهر اُعتُقل وحُبِسَ عشرة من أعضاء البرلمان.
كما اعتقل الرئيس المشارك للحزب الديموقراطي حزب المعارضة في تركيا "صباحات تونجال". إن الحقيقة الأكثر لفتًا للأنظار وشدًا للانتباه في تركيا المتوجهة إلى التسريح والاعتقال: هي ما حدث لكل من "نوريّه غولمان" و"سامح أوزاقتشه". ذلك أنه تم صدور تشريع قرارات لها سيادة القانون في 29 أكتوبر 2016 وتم إقراره في إطار حالة الطوارئ، وبعد إخراج هذين الشخصين من العمل التعليمي والأكاديمي بناء على ذلك التشريع دخلا في إضراب عن الطعام في 9 نوفمبر 2016م، وفي اليوم الخامس والسبعين من الإضراب تمّ اعتقالهما بحجة الإضرار بالنظام القضائي في الدولة، وقبل وقت قريب تم إخلاء سبيل سامح ثم نوريّه، ويستمر إضرابهما عن الطعام منذ ما يزيد عن 270 يومًا.
جاءني أمس أحد موكليَّ وكان قد حبس بتهمة انضمامه إلى تنظيم إرهابي لما في بيته من كتب وبناء على اعتراف أحد المبلغين ثم أطلق سراحه بعد أن قضى عقوبته في السجن؛ وأبلغني أنه أرسلت إلى منزله فاتورة تطالبه بسداد مبلغ 8500 ليرة نظير نومه أربعة أعوام وثمانية أشهر  شاملة.
كانت إدارة السجن تقوم بتحصيل نقود الماء والكهرباء من المعتقلين شهريًّا، ناهيك عن مصاريف مستلزمات النظافة الشخصية واحتياجات الكانتين، والخطابات والصحف والزجاج المكسور ولمبات الإضاءة، لم يكن الإيجار عن المكان فحسب يتم تحصيله من المعتقل، حيث كانوا يتلافون ذلك ويعوضونه برفع أسعار المنتجات داخل الكانتين، يعني نقودكم أو حذاري من أن تدخلوا السجن.  
هناك العديد من موكليّ تم اعتقالهم بناء على رسالة من بريد إلكتروني، ومنهم من اعتقل عن طريق بلاغ ومحضر سرّي، وعلى أيّة حال فإنَّ اعتراضاتنا ضد الشهود السريين لم تأتي بأي تأثير. أما اعترافات "رضا ضراب" التي أدلى بها في أمريكا فقد كان تعليق أحد الوزراء عليها بأن "لقد اعترف هذا الرجل؛ ومن ثمَّ فلا يُعتبر بكلامه" يحمل معاني مهمة.
واعتبارًا من تلك اللحظة فإن هناك 19 محاميًا يحاكمون رهن الاعتقال بسبب أدائهم وظائفهم، والأمر ليس مقصورًا عليهم فحسب بل إن الصحفيين والسياسيين ورجال الجيش والشرطة والمحققين والقضاة والموظفين هم رهن الاعتقال أو محكوم عليهم، وما ذلك إلا جراء قيامهم بمهام وظائفهم. 
تبدل الهدف الرئيس للسجون من الإصلاح والتهذيب إلى تجريد المجتمع وتعريته والوصول به إلى حالة من الاختلال وفقدان التوازن عن طريق خلق مشاكل نفسية، والسير في طريق الانتقام والتشفّي.
إن السجناء المحكوم عليهم بمدد طويلة في الاتحاد السوفيتي سابقا، كان كل واحد منهم يُؤمر بغرس شجرة جوز والاعتناء بها ورعايتها بدلًا من عقوبة الشجن، كان السجناء يُكلفون برعاية تلك الأشجار مدة خمس سنوات، ولذا فإن مولدوفا وأوكرانيا تأتيان في مقدمة الدول المنتجة للجوز في العالم، فلماذا لا يكون في تركيا مثل هذا الجزاء. هذا موضوع آخر...
 
ومن المستحيل القيام برصد انتهاك الحقوق داخل السجون التركية على نحو كامل، كما أن مسألة الزي الواحد التي راج الحديث عنها منذ فترة قريبة مشكلة مستقلة بحد ذاتها أيضًا؛ ومثل هذه الممارسات المنسيّة لن تأتي بشيء غير الألم والعذاب؛ على أية حال فإننا نسمع كل يوم عن انتهاك جديد لأحد حقوق السجناء، وقد جمّعت تلك الانتهاكات وصنّفتها باختصار:
 
•    داخل سجن "بولو" يقوم الجندي بتعطيل سير الحديث في المكالمات الهاتفية الأسبوعية؛ المتصل: أنا توفيق ياشلي...؛ متلقي الاتصال: أنا رفيق ياشلي...؛ وفي الحقيقة الشخص المتصل هو المعتقل أو السجين والمتلقي للاتصال يكون اسمه ولقبه ورقم هاتفه مسجّلين؛ فلماذا يقوم الجندي بعرقلة استكمال الحوار؟.
•    داخل سجن "شانلي أورفا" عندما ذهبت لمقابلة وكيلي رأيت الحارس يمنعه من ارتداء حذائه، فسألت عن السبب، فقيل لي "هناك تعميم بذلك". فقلت هذا ليس تعميمًا، فلم يستطيعوا قول شيء قط. وفي ظل هذه الممارسات تُهان كرامة البشر.
•    داخل سجن "قوجالي" المنشأ على شكل حرف "T" كان "شكري أق باش" مسجونًا؛ حيث كان يمكث هناك هو 21 شخصًا في زنزانة طاقتها ثمانية أفراد، وكانوا ينامون على الأرض.
•    في سجن "برغاما" المغطى الذي تم إنشاؤه على شكل حرف "M" والموجود في أزمير أصيب 17 سجينًا -من المحبوسين بتهم مختلفة- بغثيان ومغص في المعدة فنقلوا إلى المستشفى.
•    في مؤسسة تنفيذ العقوبات المغطاة والمنشأة على شكل حرف "M" والتي توجد في زونقولداغ بيجوما نقل 9 سجناء وأحد موظفي تنفيذ الأحكام إلى المستشفى إثر  تسممهم في طعام الغداء.                                                                           
•    بينما نقل إلى المستشفى الطفل الرضيع "ميرزا" البالغ سنة من عمره والمقبوض عليه في سجن "جبزه" للسيدات لم يتم نقل والدته "غلستان ديكن آق بابا" معه إلى المستشفى.
•    تحدث المحامية "سودا آيدن" إلى النساء السجينات في سجن "فان" للسيدات، وصرحت بأنها صادفت آثارًا للتعذيب في أبدانهن، وأن بعض السجينات حلقن شعرهن برقم صفر حتى لا يتعرضن للجرجرة والسحب على الأرض منه.
•   وفقًا لتصريحات جمعية حقوق الإنسان الصادرة في أكتوبر 2017 والمتعلقة بالسجون فإن هناك 1025 مريضًا داخل السجون منهم 375 حالة مرضية خطيرة.
 
أغلب خطابات الشكاوى ومعارضات المحامين التي ترد باستمرار من السجون التركية تتعلق بالتعذيب والمعاملة السيئة، ويقوي ذلك أنها تبين ازدياد الأمراض لدى المعتقلين وشدته وتطالب بمساعدة المعتقلين.
وقد ازدادت تلك الادعاءات خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، ووافقت تركيا على البروتوكول الاختياري لاتفاقية واجهة التعذيب، وتم إجراء التنظيم القانوني وفقًأ للآلية الوقائية الوطنية، إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ، وهذا يتعارض مع العقد.
أعدت منظمة حقوق الإنسان الدولية "هيومن رايتس" لحظر التعذيب ومقرها نيويورك، تقريرًا تضمن ادعاءات حول ممارسات تعذيب وإساءة معاملة السجناء في السجون التركية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 من يوليو 2016، وأوضح التقرير أنه تم رصد العديد من انتهاكات حقوق الإنسان مثل الضرب والاعتداء الجسدي والإجبار على اتخاذ أوضاع غير مناسبة لفترات طويلة وغيرها من ألوان التعذيب مؤيدة ذلك 13 نموذجًا مختلفًا. 
وقد منعت تركيا في دستورها وقانون العقوبات وكذلك العديد من المعاهدات الدولية التي وقعت عليها كل أنواع التعذيب والحركات التي تخل بكرامة وشرف الإنسان.
 
تنص المادة رقم 17 من الدستور التركي على: "حظر  التعذيب وإلحاق الأذى والإضرار بأي أحد، ولا يُرغم أي شخص على تطبيق عقوبة من شأنها أن تقلل وتنقص من اعتبار الإنسان واحترامه".
ووفقًا للمادة 94 من القانون التركي فإنه" يعاقب بالحبس من 3- 12 عامًا كل من يثبت تورطه في أعمال أو تصرفات تخل بكرامة الإنسان أو ألحق الضرر والأذى الجسماني أو الروحي بأحد ما".
بحسب المادة رقم 3 من اتفاقية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي وافقت عليها تركيا في 10 مارس 1954 ونشرت في الصحيفة التركية الرسمية في 19 من نفس الشهر فإنه لا يحق لأي أحد تعذيب أحد أو التعامل معه بصورة سيئة تقلل من شأن الإنسان". 

 

لقد كنت معتقلًا فيما بين 24 ديسمبر 2009 - 14 أبريل 2014، وخلال تلك الفترة رأيت بنفسي كم أن السجون بيوت للأذى والتعذيب، والمنطق السائد فيها هو الانتقام وفرض الأيدولوجية، لقد عشنا العديد من الأزمات الفعلية في كثير من المواضيع.
حتى إنني كنت أفترش كراتين الزبادي على الأرض وأنام عليها لفترة قاربت على الستة أشهر، وكانت وزارة العدل قد ذكرت في بيانات سابقة لها أن التغذية الصحية هي تناول 2300 سعرًا حراريًا، وتناول أطعمة ومشروبات صحية عالية القيمة الغذائية رفاهية.  
حتى أنني حاولت وأنا سجين أن أساعد بعض المعتقلين في فقد وزنهم الزائد، وحين أخبرنا إدارة السجن بهذا تحججوا بأن الدولة لم تخصص لذلك المدفوعات اللازمة، ونظرًا لكثرة تعرضنا للإمساك نتيجة رداءة الطعام فقد كنا نشتري المشمش المجفف من الكانتين.
إن تركيا كما أنها لم تتمكن من حل العديد من المشاكل لم تحل أيضًا مشكلة السجون، ودائما ما تعاني من مشكلة السجون والامتلاء أو الاكتمال والتعذيب والموت وانتهاك حقوق الإنسان. 
بينما يفوق عدد المعتقلين والسجناء السعة الفعلية للسجون فإن عددهم يتزايد باستمرار، فعلى مدار 16 عامًا حكم فيها حزب العدالة والتنمية ازدادت الأعداد عن السعة الاستيعابية، وأدت تلك الزيادات والممارسات المرصودة إلى موت السجناء، وبينما العديد من حقوق السجناء الثابتة بالوثائق والقوانين والمواد المعممة لا تجد تطبيقًا لها على أرض الواقع؛ فإن مطالبة السجين بأدنى حقوقه جريمة تفسرها اللجان التأديبية كيفما يتراءى لها وتعاقبه بالحبس الانفرادي أو بألوان أخرى من العقاب.
أصبحت السجون الانفرادية أماكن للقضاء ببطء على المعارضين، ومع أنهم استهدفوا بتصرفاتهم تلك القضاء على شخصية السجناء؛ فإن كل أنواع الممارسات والتعذيب والعقاب البدني والنفسية تمارس ضدهم..
وإليكم بعض الأمراض التي كان سببها العزل داخل السجون، وقد تم التوصل إليها وإثباتها عبر دراسات أجريت حول المعتقلين:  
الهلاوس السمعية والبصرية وازدياد العدوى وطنين الأذن والهياج العصبي والاضطرابات السمعية والبصرية وازدياد معدل التورّم وانقطاع الطمث واضطرابات في النوم (الأرق) واضطرابات في التركيز  والاكتئاب النفسي والخوف من تكوين علاقات، وفقدان الوزن والتوتر والتأخر في التفكير، والوصول المبكر لسن اليأس وتدهور التوازن والتحكم في الأعضاء، والسلوك العدواني والعدائي، والقلق، والخوف، والحساسية وقلة الانتباه. فمشاكل السجناء الصحية وسوء الظروف والشروط العلاجية من أهم تلك المشاكل.
ليس هناك تشخيص وعلاج منتظم وكافٍ، بل لا توجد إمكانية في الوصول إلى سبل العناية والرعاية، ولا حتى الوصول إلى الطبيب نفسه؛ فهناك العديد من السجون الآن تخلو من طبيب بل وحتى من سيارة إسعاف.
وكما لا يوجد في أي سجن تركي طبيب يخدم على مدار الأربعة والعشرين ساعة، لا يتواجد طبيب في جميع أيام الأسبوع خلال ساعات العمل، ولذلك فإننا حين ننظر إلى حالات الوفيات في السجون نجدها تحققت بسبب الاهمال أو التدخل المتأخر.
وبالنسبة لظروف السجون التركية فهي لا تراعي الظروف والأحوال الإنسانية، ولهذا السبب تقع خسائر في الأرواح داخل السجون تقدر بالمئات سنويًّا.
إن نفس الإنسان وروحه تتوتر وتضطرب جراء النظر إلى الظروف طبيعة للسجن، وبنيته المعمارية، وقلة التغذية، وضيق المكان، والبعد عن الأحبة، والمصاعب الاقتصادية، والظروف الأسرية، وعدم كفاية الاحتياجات، والجدران المرتفعة، والهياكل الخرسانية، والأسلاك الشائكة.
إن البقاء في نفس المكان لفترة طويلة، وتكرارا الأيام، وعدم الاطمئنان، وعدم الرضا كل هذا يفتح الطريق أمام الاكتئاب والضغط النفسي، ومع زيادة التوتر والضغط النفسي ينشأ الغضب والكراهية تدريجيًا، والغضب والكراهية تؤدي مع مرور الوقت إلى تكوين الخوف، ولذلك من الضروري إيجاد سبل لتجنب هذه البيئة السلبية.
هناك طرق كثيرة لإقرار العدالة، لقد سجلت العديد من حالات الظلم والظروف السلبية التي تسبب فقدان الصحة العقلية والبدنية في ظروف لا إنسانية؛ فالظلم ليس قدرًا، والقضاء على القوة بالظلم ليس ميزة، بل إنه بدائيةـ وبالطبع لا أقصد هنا الحياة البدائية ولكن أقصد عدم كونها قائمة على مبادئ ومتمسكة بها. 
الآن وضح الظلم وبان العدل، وما يقع على عاتقنا هو أن نوصل من جديد صوت الرافضين للظلم.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: