أكرم أوناران
ديسمبر 26 2018

مكتب القوى العاملة يفضح الحكومة ويكشف نسبة البطالة الحقيقية

تصدر مؤسسة الإحصاء التركية تقريراً شهرياً عن معدلات البطالة، ووضع القوى العاملة في تركيا. أما مكتب القوى العاملة، فيقدم في بيانه إحصاءات لأعداد العاطلين عن العمل.

تقتضي القوانين أن يسجل جميع العاطلين، بمن فيهم الذين يحصلون على دورات مهنية، أو الذين يتقاضون راتب بدل عطالة، بياناتهم في المكتب؛ حتى يمكنهم الاستفادة من الخدمات التي يقدمها. ومن ناحية أخرى، أدى هذا الإلزام إلى تكوين قاعدة بيانات ضخمة، وصورة واقعية لأعداد العاطلين في تركيا؛ ومن ثم يُعد مكتب القوى العاملة تقريراً شهرياً عن وضع سوق العمالة في تركيا وأعداد العاطلين.

تعتمد مؤسسة الإحصاء التركية في حسابها لأعداد البطالة على عمل استبيان بين شرائح واسعة من المواطنين، على العكس من مكتب القوى العاملة، الذي يعتمد في حسابه لأعداد العاطلين على المحررات الموجودة لديه، والتي تعد انعكاساً فعلياً لأشخاص حقيقيين. وقد بلغت أعداد العاطلين، وفقاً لبيان مؤسسة الإحصاء التركية الأخير، 3 ملايين و749 ألف شخص.

وعلى الجانب الآخر، أفادت البيانات الصادرة عن مكتب القوى العاملة أن أعداد العاطلين هو 3 ملايين و296 ألفاً. وكما نرى فالأعداد متقاربة للغاية بين التقريرين. ويمكن أن نُرجع هذا الفارق الصغير بينهما إلى أن جميع العاطلين غير مقيدين لدى مكتب القوى العاملة.

ومع هذا، فالفارق الآخرالأكثر جدلاً بين تقريري المؤسستين هو إفادة تقرير مؤسسة الإحصاء أن نسبة العاطلين عن العمل من الشباب في الفئة العمرية بين 15-24 هي 21,6%، في حين يشير تقرير مكتب القوى العاملة إلى بلوغ أعداد العاطلين في الفئة العمرية نفسها نسبة 35%. وهو فارق لافت للانتباه، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار التقارب الكبير بين الأعداد الكلية في التقريرين. وهو أمر لا يوجد ما يبرره من الناحية الإحصائية.

يمكن تقصي حقيقة الأمر بعقد مقارنة بين البيانات الأخيرة الصادرة عن المؤسستين؛ حيث تبيَّن أن آخر بيان لمؤسسة الإحصاء التركية صدر في سبتمبر الماضي، في حين كان آخر بيان عن مكتب القوى العاملة في أكتوبر الماضي. وبهذا يمكننا عقد مقارنة بين بيانات نفس الشهر، بمراعاة بعض الظروف المحتملة خلال تلك الفترة.

وبمقارنة البيانات الواردة في التقريرين الصادرين خلال هاتين الفترتين المتقاربتين يمكن القول إن نسبة البطالة، وفق مؤسسة الإحصاء هي 21،6%، في حين بلغت 34-35% وفق بيان مكتب القوى العاملة. أعتقد أن الوضع بحاجة إلى المزيد من الإيضاح؛ فكيف لمؤسستين حكوميتين أن تصدرا بيانات متباينة إلى هذا الحد. أعتقد أن استقصاء حقيقة الأمر ينبغي أن يبدأ من مؤسسة الإحصاء التركية؛ نظراً لأن مكتب القوى العاملة يعتمد في الأساس، في إعداد تقريره، على بيانات فعلية مقيدة لديه.

تشير الصورة الراهنة، وفق بيانات مكتب القوى العاملة، إلى بلوغ نسبة البطالة بين الشباب المتعلم إلى منحنى أكثر خطورة مما يحاول تقرير مؤسسة الإحصاء إظهاره؛ إذ يؤكد تقرير المكتب أن شاباً من بين كل ثلاثة عاطل عن العمل.

وعندما ننظر إلى هذا الأمر من زاوية الوضع التعليمي والتأهيلي للعاطلين، فسنفاجأ ببيانات أخرى صادمة؛ إذ تشير البيانات الصادرة عن مؤسسة الإحصاء التركية إلى أن أكبر نسبة بطالة كانت بين خريجي التعليم الجامعي. وعندما نأخذ بعين الاعتبار أن نسبة العاطلين بين هذه الفئة هي 13،7%، في حين أن النسبة العامة للبطالة هي 11،4%، ندرك أن فئة خريجي الجامعات كانت من أكثر الفئات التي حُرمت حقها في الالتحاق بسوق العمل في تركيا؛ إذ تُعد نسبة العاطلين بين خريجي الجامعات أعلى بكثير، مقارنة بنظيرتها لدى الحاصلين على شهادات متوسطة.

وعندما نُدقق في بيانات مكتب القوى العاملة، سنجد أنفسنا أمام صورة أكثر وخامةً من سابقتها؛ إذ بلغت نسبة العاطلين بين خريجي الجامعات 587 ألفاً، في حين بلغت نسبتهم من خريجي الدبلوم 480 ألفاً. وهذا يعني أن نسبة البطالة كانت أكبر بين خريجي الجامعات والحاصلين على الدكتوراه. ويؤكد تقرير مكتب القوى العاملة كذلك بلوغ أعداد العاطلين بين خريجي الجامعات الذين يدرسون دراسات تكميلية 25 ألفاً، في حين بلغت بين خريجي الجامعات الحاصلين على الدكتوراه 1100 شخص. ومن المؤكد أن هذا الرقم مرشح للزيادة، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن هناك أعداداً أخرى من العاطلين غير مسجلة لدى مكتب القوى العاملة.

ولهذا السبب، يمكن القول إن أعداد العاطلين من خريجي الجامعات، وفق أكثر البيانات تفاؤلاً، لن تقل، بأي حالٍ من الأحوال، عن مليون شاب.

وإلى جانب مشكلة البطالة، التي تعاني منها فئة خريجي الجامعات في تركيا على وجه الخصوص، نجد أنهم يعانون من مشكلة أخرى؛ إذ وجد سعداء الحظ منهم، ممن وجدوا فرصة عمل، أنفسهم مضطرين إلى القبول برواتب متدنية للغاية، بعد التحاقهم بالعمل في وظائف لا تناسب مؤهلاتهم. وبمطالعة الواقع الفعلي لسوق العمالة في تركيا، يمكن القول إن أكثر المهن التي تنتظر خريجي الجامعات هي العمل نادلاً (خادم في مطعم أو ما شابه)، أو الجلوس على خزينة الحساب في نفس تلك الأماكن.

ولا يقتصر عدم التوافق بين البيانات الصادرة عن مؤسسة الإحصاء التركية ومكتب القوى العاملة على تفاوت أعداد العاطلين بين الشباب فحسب؛ إذ تشير بيانات مؤسسة الإحصاء إلى أن نسبة العاطلين في شهر أغسطس هي 3 مليون و670 ألفاً، وفي شهر سبتمبر وصل إلى 3 مليون و749 ألفاً. وهذا يعني أن هناك زيادة في أعداد العاطلين خلال شهر واحد؛ بلغت 79 ألفاً، في حين تؤكد بيانات مكتب القوى العاملة بلوغ أعداد العاطلين المسجلين لديه في أغسطس 2 مليون و751 ألفاً، و3 مليون و133 ألفاً في سبتمبر. وهذا يعني أن هناك زيادة قدرها 382 ألفاً؛ وهو ما يعني أيضاً زيادة أعداد العاطلين في تركيا خلال شهر واحد إلى 382 ألفاً على أقل تقدير.

حسناً، السؤال هنا الآن: من أين جاء هذا التفاوت بين أعداد العاطلين في التقريرين؟

أعتقد أنه من الأجدى لو أعدنا صياغة هذا السؤال على نحو "لماذا لم تقم مؤسسة الإحصاء التركية بحساب أعداد العاطلين المقيدين في مكتب القوى العاملة عند تقديم تقريرها؟" 

يعتمد مكتب القوى العاملة على بيانات العاطلين المسجلة لديه فعلياً عند إعداد تقريره عن البطالة، في حين تعتمد مؤسسة الإحصاء، في بياناتها، على عمل استبيانات الرأي واستطلاعاته بين قطاعات أكثر اتساعاً من المواطنين. وهذا يعني أنه إذا كانت أعداد العاطلين قد ارتفعت وفق بيانات مكتب القوى العاملة إلى 382 ألفاً، فينبغي ألا تقل الزيادة في تقرير مؤسسة الإحصاء عن هذا العدد على أقل تقدير، وهو ما يعني باختصار أن الزيادة في أعداد العاطلين، كما عكسها تقرير مكتب القوى العاملة بشكل صريح، لم تجد لديها أي صدى في تقرير مؤسسة الإحصاء. 

وينبغي أن ننظر إلى البيانات الصادرة عن مؤسسة الإحصاء التركية من زاوية أخرى أيضاً؛ إذ أنها اقتصرت، عند إعداد تقريرها، على إحصاء أعداد الأشخاص الذين يبحثون عن عمل خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة؛ وبذلك خرجت نسبة العاطلين 11٫4% ؛ أي بما يقدر ڊ 4 مليون و749 ألفاً، في حين أن هناك أعداداً أخرى عاطلة عن العمل، ولا تسعى للحصول على فرصة عمل، جاء ذكرها في جدول الإيضاحات في التقرير تحت عنوان" أشخاص لا يبحثون عن العمل على الرغم من جاهزيتهم"، يتعيَّن وضعهم في الحسبان عند الحديث عن العاطلين عن العمل.

تبلغ أعداد هؤلاء 2 مليون و87 ألفاً بنسبة  7,5%. ومن هنا يمكن القول إن نسبة البطالة هي 18,9%، أي بما يعادل 5 مليون و836 ألفاً.

نَخلُص من هذا إلى أنه حتى إذا كانت تركيا منشغلة في الوقت الراهن بالنقاشات السياسية، فستظل مشكلات الاقتصاد، وخاصة مشكلة البطالة، على رأس الأولويات. ولن يفرق الأمر كثيراً إن أخذنا بهذا التقرير أو ذاك؛ لأن النتيجة واحدة؛ فالحديث عن ارتفاع نسبة البطالة في تركيا صار أمراً واقعاً.

والواقع أن المشكلة أصبحت من العمق بحيث تخطت مجرد الحديث عن الأرقام التي تضمنها تقرير مؤسسة الإحصاء التركية؛ لتتحول إلى وضع مزمن في تركيا؛ لأن نسبة البطالة لم تنخفض إلى ما دون 10% ، حتى في أوقات نمو الاقتصاد؛ لذا كان من الطبيعي مع الأزمة الاقتصادية الراهنة أن ترتفع إلى هذا الحد.

ولعل أخطر جوانب المشكلة هو ارتفاع نسبة البطالة بين صفوف الشباب والمتعلمين؛ لأن هذا يعني أن التعليم في تركيا لم يعد شرطاً للحصول على فرصة عمل ملائمة. ولهذا لا يمكن الوصول إلى حلٍ لهذه المشكلة عن طريق التلاعب بالأرقام، أو منع الوصول للبيانات الحقيقية.

أعتقد أنه من الضروري العمل على تطوير سياسات تضع هذه المشكلة على قائمة أولوياتها، وتنحي جانباً هذه النقاشات المتكلفة.

 

يمكن قراءة المقالة باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/issizlik/iskur-verileri-oyunu-bozdu-genc-issizlik-yuzde-216-degil-yuzde-35 &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.