نيك آشدون
فبراير 28 2018

ممقوتة ومطاردة.. حركة غولن انتهت في تركيا

في ظل سجن عشرات الآلاف من مؤيدي حركة رجل الدين التركي فتح الله غولن وطرد آخرين من وظائفهم أو فرارهم إلى الخارج بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، فإنه حتى أتباعه يقرون بأنه لم يعد للحركة مستقبلا في تركيا حيث يمقتها الموالون للحكومة والعلمانيون على السواء لاستغلالها السيئ للسلطة.
تشكلت هذه الحركة الإسلامية العالمية في السبعينيات من القرن الماضي وعرفت بين أتباعها باسم "خدمة" وأصبحت لاعبا رئيسيا في تركيا في تحالف فضفاض مع حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان ووصل للسلطة في عام 2002.
شجعت الحركة السرية خريجي مئات المدارس التابعة لغولن الذي يقيم في الولايات المتحدة على العمل في وظائف بالقطاع الحكومي والشرطة والقضاء والخدمات المسلحة والإعلام، ومن هذه المواقع امتلكوا نفوذا ضخما دون الحاجة لأي انتخابات.
وبعدما نظم مدعون مرتبطون بغولن محاكمات جماعية لعلمانيين بتهمة المشاركة في مؤامرة سرية للإطاحة بالحكومة، أبدى حزب العدالة والتنمية، الذي تشكل بعد سلسلة من الأحزاب الإسلامية المحظورة، تأييده للحركة. لكن الحزب انفصل نهائيا عن أتباع غولن في عام 2013 عندما وجه مدعون اتهامات بالفساد لأعضاء في الدائرة الداخلية لأردوغان.
وعقب فشل ما أطلق عليه حزب العدالة والتنمية "انقلاب قضائي" في عام 2013، قالت الحكومة إن أتباع حركة غولن سعوا للسيطرة على السلطة عبر انقلاب.
وقتل أكثر من 260 شخصا في محاولة الانقلاب الفاشلة يوم 15 يوليو 2016. وينفي غولن وأتباعه أي صلة لهم بالمحاولة الفاشلة لكن خبراء يقولون إن أتباعه متورطون.
وقال سفانتي ئي.كورنيل المدير والمؤسس المشارك لمعهد سياسة الأمن والتنمية في ستوكهولم "إحساسي هو أن أتباع غولن هم المحرك الرئيسي لمحاولة الانقلاب" مضيفا أن كثيرا من خارج الحركة انضموا إليهم.
وأضاف قائلا "وعلى نفس المؤشر لا أعتقد على الإطلاق أن معظم الناس في حركة غولن كان لديهم أي فكرة عن أن ذلك سوف سيحدث".
وقال عالم الاجتماع جوشوا هندريك الذي ألف كتابا عن الحركة في عام 2013 إنه في الوقت الذي وصل فيه بعض أتباع غولن إلى مناصب عليا في الدولة، ظل كثير منهم مدرسين عاديين أو موظفين في أعمال متواضعة دون أن اتصال مباشر بقلب الجماعة ودون دراية بعملها.
وقال هندريك "التعبير الذي استخدم داخل الجماعة هو  أن اليد اليسرى لا تعرف أبدا ما في اليد اليمني ينطبق على أي فترة".
ولا يوجد دليل ملموس يثبت أن غولن أو أي شخص في المجموعة الأساسية بالحركة خطط للانقلاب، لكن الخبراء يقولون إن أتباع غولن لا يمكن أن ينفذوا شيئا بهذا الحجم دون أوامر أو إذن من أصحاب القرار داخل الحركة.
وقالت كارولين تي خبيرة الانثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كمبردج التي ألفت هي الأخرى كتابا عن حركة غولن عام 2016 "أرى أن من المستبعد بشدة أنهم كانوا يتصرفون بشكل مستقل. كل شيء رأيته في الحركة يثبت أنها كيان يعتمد على التسلسل بدرجة كبيرة".
وقالت كارولين "من واقع خبرتي فإن كل جانب من حياة (أي مؤيد) مرتبطة بصلته بحركة غولن".
وبعد محاولة الانقلاب، سرعت السلطات حملة تطهير ضد أفراد ومنظمات مرتبطة بالحركة وكانت جارية بالفعل منذ الشقاق بين الحركة وحزب العدالة في عام 2013.
ومنذ ذلك الحين، فصلت السلطات أو علقت عن العمل أكثر من 150 ألف شخص منهم 30 ألف مدرس ومعظمهم دون توجيه تهم أو عرض أدلة. ويعتقد أن كثيرا منهم أو معظمهم من أتباع غولن. ووضعت السلطات أسماء الذين أبعدتهم عن وظائفهم على قوائم سوداء تمنع ممارستهم للمهن التي عملوا بها. وقالت الحكومة في ديسمبر أنها ألغت أكثر من 234419 جواز سفر .
وقال أوزكان كيليش محامي ورئيس "مجتمع الحوار" المرتبط بحركة غولن في لندن في تصريح إلى "أحوال تركية" "لقد قضي على الحركة اجتماعيا داخل تركيا. إنني أصف ذلك بأنه إبادة جماعية اجتماعية".
أغلقت تركيا 1064 مدرسة خاصة و15 جامعة وأكثر من 1500 جمعية. وصادرت الحكومة أيضا أكثر من ألف شركة مرتبطة بحركة غولن تقدر قيمتها بنحو 11 مليار دولار على الأقل وآلاف من الممتلكات الأخرى تقدر قيمتها بمليارات أخرى مما أعاد إلى الأذهان تاريخ الدولة التركية الطويل في مصادرة ممتلكات من أقليات اعتبرتها غير مرغوب فيها.
وقال وزير العدل التركي عبد الحميد غول في وقت سابق من الشهر الجاري إن 38470 عضوا داخل ما يصفه الزعماء الأتراك الآن بمنظمة فتح الله الإرهابية قد أدينوا أو ظلوا رهن الاحتجاز. ووفقا لإحصاءات وزارة الداخلية، فإن السلطات تحتجز أكثر من 500 شخص أسبوعيا للاشتباه في صلاتهم بحركة غولن وذلك بعد أكثر من 18 شهرا على الانقلاب الفاشل.
وقد أبلغ مواطنون وبتشجيع من الحكومة عن أقاربهم الذين ينتمون إلى حركة غولن ودعا كتاب أعمدة صراحة إلى قتل أنصار غولن، كما ألقت السلطات القبض على أسر وأقارب مؤيدي الحركة الذين فروا خارج البلاد. وجرى أيضا اتهام السلطات بخطف وتعذيب المشتبه بهم.
وقال كيليش "أبلغنا بعض الناس في تركيا قبل أيام أنهم طردوا من أعمالهم. إنهم أساتذة جامعيين وأطباء وصحفيين ولم يعد بمقدورهم الذهاب وبيع المخللات في السوق. إذن، ماذا سيفعل هؤلاء الناس، إنهم مشردون وعاطلون ولا يسمح بتوظيفهم".
وأقرت الحكومة بأن الكثير من البلاغات زائفة وتعتمد على وقائع نكايات شخصية. وعبارة "منظمة فتح الله  الإرهابية" أصبحت عبارة عامة للتحقير والانتقاص من القدر. وكان رئيس نقابة قائدي سيارات الأجرة قال مؤخرا إن شركة أوبر لمشاركة النقل هي تماما مثل "منظمة فتح الله الإرهابية".
وقال كورنيل "إن أردت التخلص من شخص لأسباب تخصك، فانعته بأنه من أتباع غولن وهذا سيجعل حياتك أكثر سهولة بكثير. توجد بوضوح حملة مطاردات جارية. أعرف أناس ليس لهم علاقة بحركة غولن لكن شملهم التطهير".
ورغم ذلك، لا يوجد تعاطف يذكر مع محنة أتباع غولن داخل تركيا. وبسبب إساءات للسلطة موثقة وأخرى مشتبه بها، وبسبب الاعتقاد السائد بأن غولن هو المسؤول عن محاولة الانقلاب، فإن أنصاره مكروهين من كل أطياف المجتمع تقريبا باستثناء جماعتهم.
وقال كورنيل إن الناس في تركيا " لم يتمكنوا من تجاوز هذه الفكرة بأنها (الحركة) جماعة غامضة تحاول الوصول إلى السلطة  بدافع غير واضح حتى أنك تجد الناس يخشون حركة غولن أكثر من أردوغان وتجد الكره للحركة على أشده".
وقال سليم سازاك المحلل الذي يجهز للحصول على الدكتوراه في جامعة براون الأميركية إن احتقار حركة غولن من قبل العلمانيين الذين يشكلون نصف المجتمع التركي المنقسم نابع من واقع أن أتباع غولن منعوا العلمانيين مثل سازاك من الحصول على وظائف حكومية وساعدوا حزب العدالة والتنمية في السيطرة على الدولة واضطهاد علمانيين ومعارضين آخرين. 
وأضاف " إن سبب غضب الكل من أتباع غولن هو أولا: لأنهم كانوا الوجه العام لكل هذا، وثانيا: لأن أردوغان لم يكن ليقوم بهذا كله دونهم".
وتابع قائلا "لقد كانوا جماعة دينية تميل إلى السيطرة على كل أجهزة الدولة والسير بتركيا في اتجاههم الخاص".
وقال سازاك الذي نصحه البعض بعدم التقدم للعمل بالسلك الدبلوماسي بسبب خلفيته العلمانية، إن أناسا مثله كانوا يحذرون من صعود الحركة منذ الثمانينيات لكن الناس كانوا يرفضون كلامهم باعتباره كره للإسلام.
وقال كورنيل إن النفور  العام من أتباع غولن في تركيا جعل مستقبل الحركة يبدو قاتما حتى وإن تغير سلوك الحكومة.
وأوضح قائلا "خاصة في ظل وجود هذا الإجماع الضخم في تركيا حتى خارج دائرة أردوغان ورجاله، بأن هذا كان انقلابا من تدبير غولن، فسيكون من الصعب جدا على حركة غولن العودة في تركيا. أعتقد أن الانتماء للحركة في تركيا سيكون صعبا للغاية في المستقبل المنظور".
وأقر كيليش بما تواجهه الحركة من استياء وقال إن الوقت حان كي تتقبل الحركة الانتقادات وتصلح نفسها.
وأوضح قائلا " من الواضح أن الحركة غير مرغوب فيها الآن. كثير من هذا مرتبط بانتهاكات لحقوق الإنسان، لكن بعض ذلك له صله بممارسات ارتبطت بها".
وقال إن الحملة ضد أتباع غولن في تركيا والنفور الواضح منها لدى كل قطاعات المجتمع التركي قد أثر على شعورها تجاه بلدها الأصلي.
وأضاف يقول " ما لاحظته هو أن مستوى الاضطهاد ومعه التجاهل العام للاضطهاد قد سببا انهيارا نفسيا وعاطفيا للكثير من أعضاء حركة "خدمة". لا يرى كثير منهم أنهم سيعودون حتى إذا تغير المناخ السياسي بشكل جذري. الكثير من الناس في الحركة يقرون بأن المستقبل يوجد الآن خارج تركيا وأن تركيا باتت قضية خاسرة. لا ينبغي للحركة العودة".
وقالت كارولين إن الحركة ربما تبلي بلاء حسنا في الغرب خاصة وأنه ينظر إليها باعتبارها عدو لدود لأردوغان غير المحبوب هناك.
وأضافت قائلة "اعتقد أن الغرب هو المكان الذي ستشاهدهم فيه في المستقبل. اعتقد أنهم سيعيدون تجميع صفوفهم هناك".
ويقول خبراء إن الحركة ستتفكك على الأرجح بعد وفاة غولن الذي يبلغ من العمر 76 عاما وتقول تقارير إنه يعاني من مشاكل صحية.
وقال أكاديمي كان مقربا في السابق من الحركة ورفض نشر اسمه "حسب ما أعلم، لا يوجد من يخلفه في مكانه. وما بعد غولن سيكون أفضل للأعضاء. وسوف تستمر الجماعة بشكل أو بآخر لكن "كمؤسسة أعتقد أنها انتهت".


يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا: