أرطغرل غوناي
ديسمبر 25 2017

منصب رئيس الجمهورية.. المجتمع التركي ينقسم بعمق

 

لا توجد الآن في تركيا سلطة موحدة يمكنها أن تجمع الأطراف السياسية، وتضمن النظر إلى الأحداث بشكل يتغلب على الصراع اليومي، ولكن هذا هو أكبر شيء ناقص لدينا، فتركيا لا تحتاج لرئيس حزب غاضب، وإنما تحتاج لرئيس جمهورية يرعى حقوق الأمة كلها بعدالة ورحمة..
لقد انتقلت تركيا إلى الحياة السياسية متعددة الأحزاب بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان لديها أكثر من سبعين عاما من الخبرة، في هذا المجال، منذ عام 1946.
ففي عام 1946، ترك جلال بيار، الذي كان آخر رئيس وزراء لأتاتورك، وأصدقائه، حزب الشعب الجمهوري، الذي كان مستمرا في نظام "الحزب الواحد" منذ عام 1923، وأسسوا الحزب الديمقراطي، وقد تولى الحزب الديمقراطي الحكم فى انتخابات عام 1950.
وبين 1946-1950 أصبح زعيم حزب الشعب الجمهوري عصمت إينونو (عصمت باشا)، رئيسا للجمهورية، وبين 1950-1960 أصبح جلال بيار زعيم الحزب الديمقراطي رئيسا للجمهورية خلال عهد تولي حزبهما للسلطة، (وأذكر بالاحترام والرحمة هذين العظيمين الذين أديا خدمات عظيمة للدولة في حرب الاستقلال، وما بعدها).
وكما لم تتكون حتى الآن التقاليد الديمقراطية في تركيا- التي كانت تحكم بالسلطنة حتى عام 1922، وبنظام الحزب الواحد حتى عام 1946- بقدرٍ كافٍ، فإن المواطنين والأحزاب كانوا بعيدين تماما عن العديد من مؤسسات، ومفهوم الديمقراطية.
وفي المقابل، حاول كل من إينونو وبيار البقاء بعيدا عن العمل اليومي للحزبين، وعملهما خلال فترة رئاستهما.
لقد تركا دائما مهمة القيام بهذه الأعمال لنائب الرئيس المسئول تماما.
وعلى سبيل المثال، فقد ألقيا عبء هذه المهام على عاتق حلمي أوران في حزب الشعب الجمهوري وفؤاد كوبرولو (ثم عدنان مندريس) في الحزب الديمقراطي، ورأسا اللجان المركزية للحزب والاجتماعات الروتينية.
إن إينونو وبيار، على الرغم من هوياتهما الحزبية، لم يسعيا لاعتلاء منصة الخطابة باسم الحزب خارج الحملات الانتخابية، مع أنهما في الظاهر حاولا الوقوف ليس كرئيس للحزب، ولكن كرئيس للأمة كلها.
ولكن بعيدا عن الهويات الحزبية لكل من الرئيسين، فكون كل منهما "زعيم للحزب" مباشرة، ورعايتهما لمصالح الأحزاب التي تقتضيها طبيعة السياسة في النهاية، قد قلل من شأن هذا الموقف من حين لآخر، وكان عقبة أمام تقدم ديمقراطية تركيا الفتية من خلال الحوار الحضاري في اتجاه معتاد.
وعندما أتى الحزب الديمقراطي إلى السلطة، كانت مسألة أن تصبح رئاسة الجمهورية لاسم ثالث- أكثر حيادا- مثل المارشال تشاقماق أو علي فؤاد جيبه من رواد حرب الاستقلال، بدلا من الرئيس بيار، لا تزال قيد المناقشة في ذلك اليوم، وأنها ستكون مفيدة من ناحية سلامة فترة الانتقال إلى الديمقراطية.
وحاول دستور عام 1961، جعل رئاسة الجمهورية مؤسسة محايدة بالتوازي مع الممارسة الواسعة للنظام البرلماني الديمقراطي، من خلال أخذ الدروس من اضطرابات الفترة الانتقالية، ورفع درجة منصب رئيس الجمهورية لأن يكون في وضع "ممثل لوحدة الأمة" على رأس الدولة، بدلا من أن يكون جزءا من السياسة اليومية. 
وعلى الرغم من أن هذا النموذج لم يكتف بتحويل التقاليد الديمقراطية لى وضع يتم فيه الاشتياق إلى منصب رئيس الجمهورية الكامل، في بلد تساء معاملته بواسطة الانقلابات العسكرية المستمرة، فإنه ساعد على جعلها تظهر خارج السياسة اليومية، وفوق مفاهيم الحزبية.
وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، حظي رؤساء الجمهوريات، باحترام ومكانة جعلاهم يستطيعون جمع كل الأطراف حول طاولة واحدة في حالة حدوث أزمة، والحديث عن المصالح المشتركة للبلاد، بغض النظر عن أحزابهم السابقة أو معتقداتهم السياسية الشخصية، بمعنى أنهم كانوا يشكلون ضمانا مشتركا لوحدة الأمة، ويحظى بالاحترام من قبل جميع قطاعات المجتمع، وعلى رأسها الدولة، وعلى الرغم من أنه قد وقعت حوادث أعاقت هذا الوضع في بعض الفترات التي كانت فيها عقلية الوصي تهيمن على السياسة، إلا أن الغالبية العظمى من الأمة كانت دائما تحمي الاعتقاد بأن "رئيس الجمهورية في أنقرة".
وعلى الرغم من مجيء اسمين مهمين من السياسة النشطة، ومن السياسة مباشرة بدلا من البيروقراطية المدنية/ العسكرية العالية، بعد عام 1960، وهما تورجوت اوزال، وسليمان ديميريل، إلا إنهما نجحا في البقاء على مسافة معقولة من أحزابهما القديمة، ومن كل الأحزاب كذلك، وبهذه المواقف حظوا باحترام الأمة بشكل أكثر من الفترة التي كانوا فيها رؤساء أحزاب، وحاول عبد الله غول كسر هذا التقليد.
وقد تم تدمير هذا المفهوم، وهذا التقليد الذي تم تشكيله، بسرعة، للأسف، بعد انتخاب أغسطس 2014، ولا يزال يهدم أيضا.
وقد فضل السيد/ أردوغان تولي رئاسة الحزب مرة أخرى في وقت قصير، بدلا من أن ينحي هويته الحزبية جانبا، ويحظى باحترام وثقة الأمة بأسرها، وكل الأحزاب، في هذا المنصب الرفيع الذي وصل إليه بأصوات الشعب لأول مرة بعد الفوز في الانتخابات السابقة، ولم يكتف بتولي رئاسة الحزب فقط، بل أدار بنفسه أمور الحياة اليومية وكل المهام للحزب، وأصبح "حزبيا" أكثر منه "رئيسا حزبيا".
وقد يُعْتَقَد أن السياسة مع سلطات الرئاسة وإمكانياتها تشكل قوة شخصية وحزبية لفترة من الوقت، وبعض السياسيين "غير الفعالين"، والمؤيدين المتعصبين الذين يشعرون بالحاجة إلى مثل هذه الاحتمالات، قد غلبوا مصالحهم الشخصية على مصالح الدولة، ومدحوا هذا الموقف، وحثوا عليه.
بيد أن كل الحركات السياسية التي تبدو متكاملة مع الدولة، تبتعد بسرعة عن الأمة، وتنفصل عنها، وتضعف في الواقع، على الرغم من أنها تبدو قوية من الخارج.
وعلى الرغم من أقوال الحزب الحاكم اليوم، وزعمه بأنه مختلف كل الاختلاف، إلا أنه يشبه على نحو متزايد فترة الحزب الواحد فيما بين عامي 1940-1950.
واليوم لا توجد سلطة في تركيا، سلطة يمكنها أن تجمع كل الأطراف السياسية في لحظة حاسمة، وتضمن النظر إلى الأحداث بشكل يتغلب على الصراع اليومي، وتهتم بإقامة حوار حضاري ومحترم مع أفراد الأمة كلها.
والرئيس العام للحزب الحاكم لم يكتف بإدارة كل أنواع الأمور اليومية لحزبه، وحتى مؤتمرات المقاطعات؛ بل إنه يخاطب الأحزاب الأخرى بأقصى وأصعب أسلوب، ولا يمانع في أن يصفهم بكلمات، وصفات جارحة.
وباستفتاء 16 أبريل تم إلغاء الحظر المفروض على قطع الارتباط بحزب الرئيس، من الدستور، وبالرغم من ذلك، فإن اللوائح القانونية التي يجب اتباعها على الأقل عند القيام بعمله، حتى لو كان حزبيا، لا تزال سارية.
وعلى سبيل المثال، فقد ورد في المادة 103، اليمين الذي يقسمه حول أنه "سيقوم بواجبه بشكل حيادي موضوعي"، "وسيحافظ على شرف الدولة أمام مجلس الأمة التركي الكبير، وأمام التاريخ".
ورئيس الحزب الحاكم يخاطب معارضيه بصفات وكلمات جارحة، عندما يكون في خضم المناقشات السياسية، بأسلوب يتجاهل متطلبات هذا القسم.
هذه خطورة لم نشهدها في تاريخنا الديمقراطي! وبالنيابة عن السلطات والمؤسسات، والأهم من ذلك باسم الدولة والأمة، لا يمكننا ألا نشعر بالحزن العميق، والقلق.
لا يمكننا ألا نشعر بالقلق لأن تركيا دولة ذات مشاكل عويصة.
إن عدد السكان في تركيا يتزايد بسرعة، ونوعية التعليم المقدم للسكان الذين يزداد عددهم، وظروف وعدد فرص العمل المتاحة ليست كافية، ولا يبدو أنه من الممكن المضي قدما في العالم، والتنافس مع البلدان المتقدمة النمو، وتحقيق مكانة محترمة، بسبب هذا التعليم، والإنتاج، والبحث، والعلم، وظروف فرص العمل.
لدينا مشاكل في العقيدة، والأصولية العرقية.
ولا يمكن التغلب على هذه المشاكل، ولا يمكن للمجتمع أن يتحد، لأنه لم يتم استيعاب مفهوم الديمقراطية التعددية بشكل جيد.
إن سياسات الدولة الأمنية السابقة التي تسلمت السلطة على مدى السنوات الخمس الماضية، وبصرف النظر عن حل المشاكل، فقد أدمتها، وحولتها إلى غنغرينة.
والتحيزات السياسية قد أصبحت أكثر عدائية، بما يتجاوز الخلافات المعقولة.
المجتمع التركي ينقسم بعمق، وبشكل قوي.
وبالرغم من الأرقام المقلقة، فإن المشاكل التي تتسبب فيها السياسة الخارجية التي جعلناها منعزلة، ومنغلقة في كل المجالات، والاقتصاد المنكمش، مختلفة أيضا.
هذه السلبيات ليست علامات على تطور جيد لبلد له جغرافيتنا، ولا يمكن أن تستمر تركيا هكذا؛ ولا يمكن أن يتحقق كمال الدولة، ووحدة الأمة بهذا الأسلوب.
ومن الضروري بالنسبة لأولئك الموجودين في أعلى السلطات في الدولة رؤية هذه الحقيقة، وإفراغ ما في جعبتهم، وتطبيع البيئة بسرعة.
السياسيون موجودون في كل مجتمع، والدولة لا تحتاج إلى سياسيين غاضبين، وميالين إلى الشجار، واتهاميين، في أوقات الأزمات، وفي الفترات الحرجة.
بل تحتاج إلى رجال دولة يؤمنون بسيادة القانون، ويؤمنون بالديمقراطية كأسلوب لا يمكن التخلي عنه، ومتصالحين، وغير مخادعين، وغير مخدوعين، وعادلين، ورحماء، ومتزنين، وموهوبين!
نحن بحاجة إلى فهم وتطبيق "رئاسة جمهورية" متصالحة، تصون حقوق الأمة كلها بعدالة ورحمة، للتغلب على المشاكل الموجودة في تركيا، وللنظر بثقة إلى المستقبل.
لم يتم تصحيح التعديل في المادة المتعلقة بمجلس الأمة التركي الكبير في الدستور، ويبدو أن هذا الحظر لا يزال موجودا حتى الآن.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: