سزين اناي
يناير 13 2018

منير أوزكول: رمز لأيامنا السعيدة، جمع بين طوائف المجتمع التركي

إن كان هناك ما يمكن أن نتفق جميعًا عليه بشأن حالة "الاستقطاب" التي تعيشها تركيا، فلا شك أن هذا الشيء هو أن تركيا قد أصبحت دولةً تملُك مجتمعًا أصابه التفككً والتكتُّل في جماعات. وقد يصبح موت شخص من الأشخاص ممن نُطلق عليهم اسم "ثروة قومية" طريقًا آخر نحو الاستقطاب.  
أما وفاة الممثل التركي منير أوزكول، فكانت، على العكس من ذلك، حدثًا نادرًأ لأنه جمع بين طوائف المجتمع التركي في "مراسم العزاء".
منير أوزكول هو "المعلم محمود" في "هابابام سينيفي"، و"الأسطى يشار" في "العيون الضاحكة"، و"كاظم أفندي" في الأيام السعيدة...
هي شخصيات غيَّرت بوصلة حياة منير أوزكول. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الشخصيات التي قدَّمها إلا أنها اشتركت جميعًا في كونها " شخصيات هادفة".
عاصر منير أوزكول فترة إعلان الجمهورية تقريبًأ؛ فقد ولِدَ في 15 أغسطس عام 1925. وعلى الرغم من أنه سيحفر ذكراه في أذهاننا بشخصية محمود باشا " اللطيف-الحازم" الذي حاول من خلاله أن يروِّض طلابه الأشقياء، إلا أن سنوات دراسته مرت على أرض الواقع بين طلاب على نفس شاكلة "هابابام سينيفي" كان هو الآخر واحداً منهم.. 
فهو على حد قوله "لم يترك مدرسة إلا وذهب إليها"، وكانت النتيجة أنه أتمَّ سنوات الدراسة الثانوية الثلاث في ثماني سنوات، أنهى أوزكول دراسته في مدرسة اسطنبول الثانوية التي كان انتقل إليها.
وفي عام 1940 خطى أولى خُطواته نحو خشبة المسرح وهو ما يزال بن الخامسة عشر، كان ذلك في بيت الشعب ببكير كوي في الحي الذى ولد ونشأ فيه، بعدها تتالت الخطوات؛ فجسّد أدوارًا في مئات الأفلام، وقدَّم دَسْتات من المسرحيات؛ استمرت 13 منها تُعرض على خشبة المسرح لسنوات عدّة.

مسرح بلدية اسطنبول
مسرح بلدية اسطنبول

 

جميعنا يعرف منير أوزكول من أفلامه، نتذكر جيدًا الشخصيات التي جسَّدها في تلك الأفلام. أما المسرح فكان وجهته الأولى التي ولع بها كثيرًا؛ حتّى أنه كان يقول في لقاءاته الصحفية " كنت أؤدي أدواري في الأفلام في وقت فراغي من المسرح ". 
وبناءً على توصية من الكاتب والسيناريست صادق شَنديل، شارك منير أوزكول عام  1948 في أول عمل مسرحي يمكن وصفه بالعمل الحرفي من خلال مسرحية " جسر العشق " على " مسرح سَسْ/صوت " في مجمع حلب التجاري في بي أوغلو.
تطالعنا تسجيلات أرشيف الإذاعة والتليفزيون التركية اليوم بتسجيل لأوزكول يتحدث فيه عن ذكريات تجربته الأولى في التمثيل، فيقول:
 
" مُوروَّت (سيم) تؤدي دور الأرمينية بشكلٍ جيدٍ للغاية. كانت تقول لنا هيا نؤدّي البروفة، وكنت أقول يؤجلوها لليلة العرض. قالوا لي "هذا مستحيل". كان هدفي من وراء ذلك هو التهرب من هذا الأمر. وفي اللية الأولى ردّدوا علينا الأغنية التي كنا نخشاها ثلاث مرات. لم أكن أصدق هذا أنا الآخر. ولكنه حدث. شعرت بالصدمة، وكانت عادتي عندما أرتكب خطأ أن أخرج من المسرح وأسير حتى بي أوغلو. وفكَّرتُ قائلًا ' من حفظهذه الكلمات، لقد حطوا من شأني عندما قالوا  برافو '، أخذت أبكي حتّى بلغت منطقة سيركه جي." 
 
أما المُمثِّلة مُوروَّت سيم، فتحدثت عن تجربتها في " جسر العشق " بقولها:
 
" ظللت أبكي عندما جاءوا بالسيد منير ليُمثّل أمامي، وقلت لهم ' هل سأمثل مع هذا '. كنت أعرف منير جيدًا، لقد داومنا على الدرس معًا في بيت الشعب، ولكني لم  أكن أعلم شئ مقدرته في التمثيل. كان لدينا ممثل غيره، ولكنه ذهب فجاءوا بمنير... لم يكن منير يواظب على البروفة... جاء إليَّ وبدى كأن حياته الفنية ستنتهي عند هذا الحد، فانهمرت دموعي لهذا الموقف. ظللنا يومها نؤدي البروفة حتّى الصباح، ولكن منير لم يأتى للبروفة بعدها. لقد قمت بهذا العمل رغمًا عني... وفي يوم العرض ارتبكت يداي وقدماي، الغريب أن منير انطلق، بدى أمامي كممثل عملاق. انتهت المسرحية. جاء الجميع لتهنئة منير، توجّهت أنا الأخرى إليه، واعتذرت منه، وقبَّلت يديه."
 
لمع نجم منير أوزكول  بعد عدة سنوات من اشتغاله بالتمثيل على " المسرح الصغير " تحت إدارة القدير محسن أرطغرل. وتحت قيادة أرطغرل أيضاً سار على طريق "النجومية" بمشاركته في مسرحية " فئران ورجال " للكاتب جون ستاينبيك في 1951، و" عذراء الصيف " لجورج أكسيلرود  في 1954، و" منزل شاي" لجون باتريك في عام 1955. 
وفي مطلع الخمسينات، بدأ في تمثيل الأفلام. واشترك في فيلمه الأول " محبوبة سليم الثالث " الذي أخرجه وداد آر، وكتب السيناريو " ناظم ران "، أما المؤلف فكان إحسان ايبكجي. ولعب دور البطولة منير نورالدين سلجوق، وباريهان ألطين داغ سوزري. وفي عام 1952 ظهرت "إيدي وبودو" وهي النسخة التركية لشخصية " لوريل وهاردي "، وكان منير مرشحًا للقيام بدور البطولة في هذا العمل. ولكن الأمر اُسند إلى صديقه وصفي رضا في فيلم اخرجه شادان كامل، وسيناريو برهان فلك.
ومع هذا، فلم يستمر طريقه المهني عند " الإنطلاق" دائماً؛ ففي عام 1975، تولى محسن أرطغرل رئاسة مسرح الدولة، وكانت النتيجة أن تفكك " المسرح الصغير " الذي قال عنه منير أوزكول " إنه المكان الذي قضيت فيه أجمل أيام حياتي ".
حينها ظل منير أوزكول بلا عمل؛ وعلى الرغم مما حققه من نجاحات في التمثيل المسرحي إلا أنه كان على المستوى الشخصي خجولًا، ومنطوي طوال الوقت؛ فإن لم يبادر إليه أحد ويكلفه بعمل، لا يسعى هو إلى طلبه أو التكالب عليه.
كان سعي منير أوزكول إلى التمثيل نابعًا في الأساس من هذا الخجل فانطوى أداءه على السخرية والتهكم: فكان لتردده على دور السينما وهو مايزال في سنوات الدراسة الثانوية، وهروبه من "العالم الواقعي" ليحتمي خلف الستارة البيضاء، هو الذي دفع به في النهاية إلى المسرح.
وفي عام 1958 عاد منير أوزكول للوقوف على مسارح المدينة مرة أخرى بمساعدة من وصفي رضا زوبو. ورُشّح في الفترة بين 1959-60 للعمل على مسرح الدولة. وكان سيعرض أعماله مع الفرقة التي كوّنها على مسرح بولفار في أق سراي باسطنبول بين عامي 1960-62.
أدرك أوزكول قمة المجد تتأتى بالتمثيل بالقلنسوة التي تسلّمها من اسماعيل دومبوللو عام 1968. علاوة على هذا فقد كان نسيانه المستمر لنص الحوار المسرحي السبب وراء منح القلنسوة التي تحوّلت إلى رمز رئيسي للمسرح وفن التمثيل في تركيا. فقد كان أوزكول ينسى نص حواره مع الطان قارينداش وهو يؤدِّي دوره الكوميدي في مسرحية " نيجار الدموية "، وكان يلتفت إلى المشاهدين ويقول بعناد  " لا يمكنني التمثيل ". 
وفي اليوم التالي أقبل إسماعيل دومبوللو وكان من بين المشاهدين، وتنازل عن إرثه الرمزي إلى أوز كول قائلًا: " اخلع عن رأسك هذا الطربوش. سأعطيك قلنسوتي الخاصة ". وبهذا الموقف تكون القنسوة التي حصل عليها إسماعيل دومبوللو من مدَّاح كَلْ حسن قد انتقلت من ممثل ينتمي إلى جيل سابق إلى ممثل آخر ينتمي إلى جيل جديد.  
وفي عام 1972 اُضيفت جائزة أفضل ممثل التي حصل عليها من مهرجان الأفلام بأنطاليا عن دوره في فيلم "أحِبْ يا صديقي" إلى قائمة الجوائز التي حصل عليها. وكانت جائزة " فنان الدولة "، وجائزة "الثقافة والفنون" من رئاسة الجمهورية مجرد جائزتين من بين عشرات الجوائز، والمراتب الرسمية التي حصل عليها...
وأصبح أوزكول ذلك الشخص الذي تعتمد عليه المسرحيات والعروض في الملاهي، وشاشات التلفاز في المسلسلات.
وفي خضم كل هذا النجاح، كانت هناك "نقطة سوداء مُعتمة" لازالت تطارده منذ سنوات دراسته الثانوية: هي عشقه لشرب الكحوليات. فقد تحدَّث عن ذلك في لقاء صحفيي قائلًا:
 
" كنت أعمى لا أبصر أي شئ في هذه الفترة. كنت لا أتورع عن فعل أي شئ للحصول على الكحول. وبسبب هذا ظللت طريح الفراش في المشفى خشية الإصابة بتليف في الكبد، ولكن ثبت بعدها أن الكبد سليم. ومع هذا فقد أضرَّني هذا الأمر كثيرًا خلال عملي على المسرح. أضف إلى هذا أن الاموال التي اشتريت بها هذه الكحوليات كانت تكفي لشراء بناية كاملة. "
 
عاد أوزكول إلى الحي الذي نشأ فيه 11 مرّة ليرقد في مشفى الأمراض العقلية والعصبية ببكير كوي. وأرجع التقارير التي اُعدَّت عن حالته النفسية والعصبية الأمر إلى " الإفراط في تناول الكحوليات ". أو حسب قوله:
 
" كنتُ في سن الثالثة عشر عندما بدأت ألهث خلف الكحوليات في الوقت الذي لم يكن فيه أحد من أفراد  أسرتي يشرب حتّى السجائر. أخذت من يشربون الخمور نموذجًا احتذيت به في طفولتي. وعلي الرغم من الحب الذي أظهرته عائلتي نحوي، إلا أنهم كانوا يمارسون الضغوط عليَّ حتى أصير طفل سوي. ساعدني الكحول في التخلص من الضغوط، كما أنه هزم الاحساس بعدم الأمان داخلي. إلا أنني كنت أتفاهم بصعوبة مع المحيطين بي. كان الكحول يساعدني في هذا الموضوع. كنت أعتقد أنني لم استطيع أن أتذوق طعم الجمال دون أن تناول الكحول. ولكن أدركت الآن فقط أنني مخطئًا للغاية. لقد حاربت كثيرًا حتى أترك الكحول". 
 
عاود أوزكول الحديث مرة أخرى في عام 1970 عن هذه " النقطة السوداء " في حياته خلال لقاء أجراه مع آبدي إيباكجي، وجاء حديثه حينها على هذا النحو:
" أنا بطبيعتي انسان خجول، ومنطوي. بشكل عام أشعر أنيِّ مثل الطفل. لا أنكر ان هذا سبب لي بعض الإضطرابات. " أما بالنسبة لروح الدعابة عنده، وما عاشه من أحداث جثمت على صدره بهذا الشكل؛ فكان الأمر مختلفا:
 
" أجد صعوبة في التعامل مع المجتمع من حولي؛ من أجل هذا أظهر اهتمامًا خاصًا بمن يجدون الصعوبة نفسها في تعاملهم مع المجتمع. أصادف مثل هؤلاء في البارات، ومستشفيات الأمراض العقلية، وفي الوسط الفني... مستشفيات الأمراض العقلية هي المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني حر، وهناك يمكنني فيه أن أرى الأشياء كلها بشكل موضوعي. هناك أخلد إلى الراحة. " 
 
لم يجد منير أوزكول السعادة إلا تحت اضواء المسرح، ربما وجدها في مرحلة متأخرة من عمره  بين أطفاله، وزوجته الأخيرة أومَّان. على أية حال فهذا هو المكان الذي استمد من العون.
تزوج أوزكول أربع مرات، ورافق العديد من السيدات. مرَّ بعلاقات عاصفة، غير مستقرة. كان يبحث، حسب قوله، في كل السيدات اللاتي ارتبط بهن " عن أمه ".
تحدثت السيدة خيرية والدة أوزكول  لبرنامج " هذه هي حياتكم " المُذاع على قناة TRT التركية، وقالت انها لم تكن ترغب في أن يصبح ابنها الذي تسميه "ابني الباشا" ممثلًا، وأنها تأثرت كثيرًا لوفاته قبل أن يرى نجاحه. وأضافت في معرض حديثها عن علاقاته مع النساء؛ ان هذا جاء انعكاسًا لحالة "الإنكسار" التي كان يعيشها نتيجة لحالة الحزن التي سببها لأمه. 
شادان أوزكول ايشيق هي زوجة منير أوزكول الأولى؛ أنجب منها طفلين، فردي وخيرية، ولكن الزواج لم يستمر. أما زوجته الثانية فكانت الممثلة سونا سّلّنْ؛ رُزق من زيجته تلك بابنته جونّر التي اشتغلت بالتمثيل هي الأخرى. بعد ذلك تزوج من " طوبخانه لي يشار " المُلقّبة ڊ " يشار العنكبوت ".
وفي عام 1986 تزوج من آخر زوجاته السيدة أومَّان التي تصغره ڊ 25 عامًا. تحكي السيدة أومَّان عن هذا بقولها:
 
" وجدتُ عنده دفء لم أستطع لم أجد له مبررًا عندي. لقد احتوى هذا الشخص  بين كفيها في لحظة واحدة... أردت أن أساعده. كنت أعد الطعام، وأنظف البيت. ولكنه لم يكن يهتم بأمري على الإطلاق، كان يفضل التحدث مع أصدقائه من الفنانين. شعرت بعد فترة قصيرة أنه لا يريد أن أكون تلك السيدة التي لا شاغل لها سوى القيام بأعمال المنزل. وفي هذه المرَّة تحدثت معه، وبدأت أتقرَّب إليها."
 
أما منير أوزكول فقد تحدث عن زوجته الأخيرة، وقال:
 
" عشتُ قرابة الخمس سنوات من عمري دون أن أتزوج. كان عليَّ أن أُقدِم على نقطة الإنطلاق تلك لأجل أطفالي، ولأجلها أيضًا. كان عليَّ أن أجعلها تحب هذه المهنة... أصبح لديها قدر من المعلومات عن المسرح، وعلى الرغم من أن مالديها من معلومات لم يكن بالكم الكثير، إلا انها بدأت تناقشني، وتوجه النقد إليَّ.. لقد غيَّرت حياتي. كانت علاقاتي مع السيدات، سواء اللاتي تزوجت منهن أو من رافقتهن، محكوم عليها بالفشل دائمًا.فقد تشاجرت مع الجميع، ولم يعد بيننا تفاهم.
وعندما تعرَّفت على أومَّان اختلف الأمر، فهي تُظهر الإنسجام نحوي باستمرار. وعندما تسير الأمور على هذا النحو فلابد أن يتغيركل شئ. لا يمكنني أن أصرخ في وجهها، أو أغضب عليها. وعندما اُقدِم على فعل كهذا، أجدُني وقد شعرت بعذاب نفسي. أشعر بالسعادة لوجودي معها." 
 
أصبح منير أوزكول، وهو الذي  عانى ظلمة وحزن بداخله لا نهاية لهما، رمزًا "لأيام تركيا السعيدة".
 
كان خلدون تنر ( أديب، قصَّاص، كاتب مسرحي ) يُعلِّق على جدار غرفته هذه الجمل:
" من هو الممثل في رأيك؟ لم يعد موجود بيننا. يعد كذلك وجود للمشاهدين. ولكن صرنا نؤدي دورنا همسًا حتي الصباح، وحين يطلُع الصبح، ويأتي من ينظفون، فإنهم يتسابقون ويجرون فوق أماكن تقديم العروض. ويُسدل الستار "

ويسدل الستار بعد فترة من المرض والإنزواء استمرت منذ عام 2003.

منير أوزكول

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/portre/munir-ozkul-neseli-gunlerimizin-simgesi